16/08/2026 - 20:27
رياض الشعيبي، مستشار رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي المعتقل في سجون قيس سعيد: لا يمكن النظر إلى تخصيص جناح لكتابات الشيخ راشد الغنوشي في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي باعتباره مجرد مبادرة تكريمية لكاتب أو مفكر عربي، بل هو حدث ثقافي يحمل أبعادا فكرية ورمزية وسياسية متعددة، خاصة إذا استحضرنا المكانة التي يحتلها الغنوشي في الفكر السياسي العربي والإسلامي المعاصر. ويُعدُّ معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي أكبر تظاهرة ثقافية عربية خارج العالم العربي، إذ يجمع سنويا مئات دور النشر والمؤسسات الثقافية والجامعات والكتاب من مختلف الدول العربية، ويستقطب عشرات الآلاف من الزوار من تركيا وأوروبا والعالم العربي، ليصبح فضاء للحوار الثقافي وتبادل الأفكار أكثر من كونه مجرد سوق للكتاب. إن تخصيص جناح لكتابات الشيخ راشد الغنوشي، يمثل - في المقام الأول - اعترافا بقيمة المشروع الفكري الذي أسهم في تجديد الفكر السياسي الإسلامي خلال العقود الخمسة الماضية. فقد تجاوزت كتاباته حدود الجدل السياسي الآني لتطرح أسئلة كبرى تتعلق بالدولة والحرية والديمقراطية والمواطنة والتعددية وحقوق الإنسان والعلاقة بين الإسلام والحداثة. ومن أبرز دلالات هذه المبادرة أنها تعيد الاعتبار للكتاب باعتباره أداة لصناعة الأفكار وبناء الوعي. فالغنوشي ليس مجرد زعيم سياسي ارتبط اسمه بتجربة حزبية في تونس، بل هو صاحب مشروع فكري متكامل أنتج عشرات الكتب والدراسات التي أصبحت جزءا من النقاش الفكري العربي والإسلامي المعاصر. كما يحمل هذا الجناح رسالة ثقافية مفادها أن الأفكار لا يمكن أن تُحاصَر بالإجراءات السياسية أو القضائية، وأن الكتاب يبقى أكثر قدرة على البقاء والاستمرار من الأحداث العابرة. فالمفكرون يُقاس أثرهم بما يتركونه من إنتاج معرفي، لا بالمواقع السياسية التي شغلوها. ومن زاوية أخرى؛ فإن إقامة هذا الجناح في مدينة إسطنبول تحمل دلالة خاصة، فإسطنبول ليست مجرد مدينة تستضيف معرضا للكتاب، بل هي ملتقى حضاري بين الشرق والغرب، وفضاء للتفاعل بين الثقافات المختلفة، وهو ما ينسجم مع المشروع الفكري للغنوشي القائم على الحوار والتفاعل بين المرجعية الإسلامية والقيم الديمقراطية الحديثة. ويؤكد القائمون على المعرض أن من أهدافه إحياء اللغة العربية وتوثيق الصلات الثقافية بين العرب والأتراك، وتعزيز الحوار بين مختلف المكونات الفكرية والثقافية. ولعل أهم ما يميز هذا الجناح أنه يفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف الجانب الفكري في شخصية كثيرا ما جرى اختزالها في بعدها السياسي. فالذين يزورون الجناح لن يجدوا سيرة رجل سياسة فحسب، بل سيجدون تجربة فكرية امتدت لعقود، حاولت تقديم إجابات عن أسئلة الحرية والدولة والديمقراطية والهوية والتوافق الوطني. إن الاحتفاء بكتابات الشيخ راشد الغنوشي هو احتفاء بقيمة الفكر نفسه، وانتصار لثقافة الحوار على ثقافة الإقصاء، وللمعرفة على الاستقطاب، وللكتاب على كل أشكال النسيان. قد تُسجَن الأجساد، لكن الأفكار تظل قادرة على عبور الحدود والأزمنة، وتبقى الكتب شاهدا على أن الكلمة الحرة أقوى من كل القيود.
مجلة ميم مجلة ميم.. مرآة المجتمع