بعد أعوام طويلة من التحرش

 

 

نشعر أحيانا بأن من يتحدثون عن الآثار النفسية للعدوان على الأطفال بأشكاله المختلفة يبالغون، ويشطحون، فالأذى ينتهي بانتهاء تعرض الطفل للمؤثر السلبي، إلا أن الواقع والتجارب الشخصية والدراسات تثبت أن الأذى لا ينتهي بانتهاء الواقعة، بل يمتد أثرها لسنوات طويلة قد تصل للعمر كله. وفي ما يلي أحد الأمثلة الواقعية، حيث تقول سيدة في السابعة والأربعين من العمر:

 

كنت في السابعة من عمري عندما ذهبت إلى مكتبة أشتري دفترا وقلما، وخلال نظري للرفوف وبحثي عن ما أحتاج، رأيت البائع يفك زر سرواله، ويفتح السحَّاب وينزل ملابسه قليلا، ويهز جزءا من جسده لا أعرفه، فأنا صغيرة ولم يكن لي إخوة ذكور يصغرونني لأرى أعضاءهم وأتعرف عليها. شعرت بخوف دفين لا أعرف له سببا. ابتعدت عنه، ولكنه لحق بي، وعاد يقترب مني.. خفت أكثر، برغم أني لم أدرك ماذا يجري، وراح يقول لي: “كم أنت جميلة.”. لم تعن لي هذه العبارة شيئا، فلم يكن حينها للجمال أدنى أهمية في اعتباري.

كنت أهرب لإحدى الزوايا فيتبعني، وهو يتصرّف بطريقة غريبة لم أدرك معناها، ولقلة وعيي، لم أهرب إلى الخارج أو أصرخ لطلب المساعدة. كان هدفي الدفتر الذي يجب أن أكتب الواجب المدرسي عليه، حتى لا أتعرض لعقاب المعلمة.

 

فجأة ومن دون مبرر منطقي، استعدت ذكريات ذلك اليوم الطفولي، فعادت تحتل جزءا من وعيي، ورحت أفندها، وأحللها، فربطت بين ما حدث لي في طفولتي وبين كوابيسي الليلية المرعبة، والرجال الذين يطاردونني ويحاولون لمس جسدي فيها

 

ولولا أن الله سلَّم لكانت حياتي قد أخذت منحى آخر. فقد حضر إلى المكتبة رجل كبير في السن لا أعرفه، ولا أدري إن كان قد لاحظ وجود خطأ، ما أم أنها الأقدار المكتوبة هي التي ساقته إلى هذا المكان لينقذني من كارثة. فقد أمر الرجل صاحب المكتبة بحزم أن يعطيني ما حضرت لأجله. ضممت الدفتر والقلم إلى صدري ورحت أعدو عائدة إلى البيت وكأن شيئا لم يكن.

لم أخبر أحدا بما جرى معي، فلم تعلم أمي أو أبي أو جدتي، لأنني لم أكن أعلم بأنني يجب أن أفعل، وببراءة الأطفال نسيت الموضوع تماما، أو هكذا اعتقدت. ومضت بي الأيام.. وأصبحت كثيرة الاستيقاظ ليلا على كوابيس ليلية تثقل كاهلي، وتعكر صفو حياتي، برغم أني في النهار لا أذكر شيئا منها.. ورحت أخشى الذهاب لأي مكان وحدي، وأفضّل البقاء في البيت. وتأصلّت في نفسي كراهية ذلك الشخص وخوفي من الأماكن المغلقة.

ونضجت وغدوت شابة ترفض الذكور تماما، وترفض كل ما يمت لهم بصلة، حتى فكرة الزواج كانت هاجسا يؤرّقني ويسبّب لي الخوف الدائم من أن أُضطر للرضوخ لضغوط والدتي وإلحاحها عليَّ بأن أقبل الزواج ممن كانت تراهم يناسبونني، وأيضا دون أن أعلم لماذا..

 

أدركت في وقت متأخر جدا مدى تأثير ما حدث معي في تلك المرحلة من عمري في نفسيتي، فالأذى لم ينتهِ بخروجي سالمة من المكتبة، وإنما امتد ليؤثر فيَّ لسنوات طويلة تعذبت خلالها دون أن أعلم أين يكمن الخلل

 

وشرعت في دراستي الجامعية في علم النفس حين رحت أربط سلوكياتي من رفض للذكور وكوابيسي الليلية المتكررة. كانت أحلاما مختلفة، أرى فيها وجوه رجال يقتربون مني، نظراتهم تخيفني وتربكني، يحاولون لمس جسدي. أستيقظ، أصرخ، أبكي..

وانتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي بالزواج، دون أن تتوقف تلك الكوابيس، ودون أن أتوقف عن الاستيقاظ مذعورة باكية في جوف الليل، ليستيقظ زوجي باذلا ما بوسعه ليطمئنني ويهدئ من روعي.. وأيضا دون أن أدرك السبب وراء ما يجري.

وذات يوم، فجأة ومن دون مبرر منطقي، استعدت ذكريات ذلك اليوم الطفولي، فعادت تحتل جزءا من وعيي، ورحت أسترجعها، وأحللها. فربطت بين ما حدث لي في طفولتي وبين كوابيسي الليلية المرعبة، والرجال الذين يطاردونني ويحاولون لمس جسدي فيها. علمت أنني وبلاشعور مني، قمت بإزاحة تلك التجربة إلى الجزء اللاواعي من عقلي، لأوهم نفسي بأني نسيت، أو أنها لم تؤثر بي، بيد أن ذلك لم يكن الحقيقة.

أدركت في وقت متأخر جدا مدى تأثير ما حدث معي في تلك المرحلة من عمري في نفسيتي، فالأذى لم ينتهِ بخروجي سالمة من المكتبة، وإنما امتد ليؤثر فيَّ لسنوات طويلة تعذّبت خلالها دون أن أعلم أين يكمن الخلل.

وأقول قبل أن أترككم: لو أن تلك المرأة تلقّت علاجا نفسيا في ذلك الوقت، لربما انتهى التأثير السلبي لما حدث، واقتصر على الأيام الأولى.

رهن اعتقال سواد ما بعد الولادة

 

 

كنت في الخامسة والعشرين عندما تحركت أشرعتي، وانطلق مركبي في رحلته الأولى في محيط الحمل والولادة، كان حملي الأول خفيفاً مفعماً بالحيوية، جاءت المولودة بنتا، شعرت بها تُدخل تغييراً كبيراً في حياتي، وتدخل البهجة والسرور على قلبي، رغم أني كنت أشعر بأني مازلت صغيرة على تجربة الأمومة.

 

وحدث الحمل الثاني على عجل، قبل أن أنتبه لنفسي وأستفيق من ضغوط التجربة الأولى التي لا حصر لها. ومع قدوم الطفل الثاني، انقلبت حياتي رأساً على عقب مع بكائه المتواصل الذي حيرّني وأدخل الحزن على قلبي، لم أدرِ ما يبكيه، وماذا يريد، هل هناك ما يؤلمه؟ هل هو جائع؟ هل يريد حباً واهتماماً؟ هل للأمومة أسرار لا أعلمها يهمس بها هذا الصغير الباكي فيجد مني أذناً صماء؟

 

وكان جوابي دائماً “لا أدري” يرافقه كمٌ هائلٌ من الحيرة والتشوش.. ليالٍ طويلة أقضيها مستيقظة إلى جانبه، أحمله وأهدهده، وأغدق عليه من حناني وأمومتي حتى ينام في حضني، بيد أنه ما يلبث أن يستيقظ باكياً بشدة إذا مس جانبه الفراش. كنت أسأله أحياناً رغم إدراكي أنه لا يعي قولي: ماذا تريد تماماً؟ ما الذي يبكيك؟ أرجوك.. اهدأ ودعني أهدأ وأرتاح قليلاً، كان والده يعينني لبعض الوقت أحياناً، ولكنه يفقد الصبر أمام بكائه غير المبرر في نظرنا نحن الكبار.

 

ما إن مضت الثلاثة أيام الأولى على قدومه للدنيا، حتى تم اقتيادي وبأحاسيس مكبلة إلى زنزانة اكتئاب ما بعد الولادة

 

وما إن مضت الثلاثة أيام الأولى على قدومه للدنيا، حتى تم اقتيادي وبأحاسيس مكبلة إلى زنزانة اكتئاب ما بعد الولادة، أظلم النهار في ناظري، وأطبقت الوحدة فكيها على قلبي، وغادرني الفرح والسعادة، وأدارت عني الدنيا وجهها المشرق، ولم يعد للحياة أي طعم، جميع الأيام والأحداث سيان، وانحصرت الدنيا في صغير يبكي دون توقف وأحزان لا تنتهي وآلام جسدية كثيرة لا تسكن، فقدت الدافعية لإنجاز أي شيء، أو حتى الاستمرار في الحياة، فأهملت نفسي وبيتي ووليدي.

 

غدوت هشة وضعيفة ومؤقتة وشديدة الحساسية لما يُحزن القلب. انعزلت عن الحياة وضجيجها، ورحت أشارك الصغير بكاءه، فأبكي آلام نفسي وحزنها، وحزني لصغير لا ذنب له بما أمرُّ به من تجربة تكاد تفقدني صوابي. حتى النوم جافاني في تلك الأوقات، وفقدت شهيتي للطعام فغدوت جسداً منهكاً، وعقلاً متيقظاً رافضاً للراحة والهدوء في الوقت ذاته.

 

 

وزاد من ظلمة وصعوبة تلك الأوقات، الضيوف والمهنّؤون الذين راحوا يتدفقون على البيت لتقديم التبريكات والتهاني والهدايا ومشاركتي فرحي بقدوم الصغير. بينما أنا مضطرة لأن أمضي الكثير من وقتي برفقتهم، أجاملهم وأصطنع بسمة عريضة على وجهي وأتقنع بقناع يخفي المعركة الضارية التي تدور رحاها داخل نفسي.

 

استغرب المقربون مني ما يجري لي فقالوا: تنجبين ذكراً، ثم تغوصين في الحزن؟ الجميع حولك مسرورون ويحتفون، وأنت تنعزلين وتبكين؟ كم أنت عجيبة وغريبة! انفضي عنك الحزن، ابتسمي، اضحكي، افرحي، وانطلقي في حياتك مع زوجك، بعد أن غرست الوتد الأول الذي يثبت حياتك الزوجية بقوة أمام أية أعاصير قد تعصف بها. ها قد تخلصت من الحمل ومعاناته، وولادتك لم تكن عسرة. كم تدللين نفسك وتسرفين عليها.

 

 

كانت أياماً بشعة، مؤلمة، سوداء بل حالكة الظلمة، تمنيت فيها الموت ليل نهار، ولم يداخلني شك بأنها ستكون النهاية.. ملَّ زوجي إهمالي في كل شيء، وحزني وبكائي غير المبرر في رأيه

 

كانت أياماً بشعة، مؤلمة، سوداء بل حالكة الظلمة، تمنيت فيها الموت ليل نهار، ولم يداخلني شك بأنها ستكون النهاية.. ملَّ زوجي إهمالي في كل شيء، وحزني وبكائي غير المبرر في رأيه، وطالما شجعني وشد من أزري (حسب ما يسمح به وقته وظروفه)، إلا أن المشكلة بدت أعقد وأعوص من أن تُحلَّ بتشجيع مؤقت أو دعم عابر.

 

حتى أمي شعرت بها بعيدة عني وعن ما أمرُّ به بُعد القمر عن الأرض، فربما لم تمر به سابقاً، أو لا تعرف شيئاً عن اكتئاب ما بعد الولادة وربما لم تسمع به أصلاً، فقط كانت تستغرب وتستهجن نفسيتي السوداء.

 

جدتي هي من شعرت بي، وتعاطفت معي، وأشفقت لحالي وحال صغيري، فراحت تزورني باستمرار وتؤنسني وتساعدني في رعاية صغيري وبيتي، شرعت تحكي لي حكاياتها التي عشقتها منذ صغري، تلت على رأسي آيات الرقية الشرعية. وتشجعني على الاستمتاع بهذه الأوقات، فهي سرعان ما تتبخر وتصبح جزءاً من الماضي، فكيف لي أن أهدرها في الحزن والبكاء؟ ستنتهي إجازة الأمومة بسرعة، وسيكبر الصغير. فكانت تقول لي: استمتعي بهذه الأوقات. لا تفرطي بها بسهولة لأنها لا ولن تعود.

 

ما شكَّل لي فرقاً في جدتي أنني وجدتها قريبة حقاً مني، لم تستهجن مشاعري، ولم تستخف بها، بل وجدتها تقدِّرها وتشاطرني إياها، وكأنها عاشت مثل تجربتي، فلم أجد دعماً كدعمها.. ولا تشجيعاً كتشجيعها.. كان دعم امرأة لامرأة أخرى تعيش تجربتها الماضية، وكان من بين ما قالته لي: كنت أحسبك قوية، فلماذا تخيبين أملي فيك الآن؟ لم تكوني ضعيفة في أي وقت مضى، فما الذي تغير الآن؟ أنت غدوت أماً، فبهذا تقابلين تسلمك لوسام الأمومة؟ لم تزل جدتي بي دعماً وتشجيعاً وتسلية حتى استطعت التخلص من تلك القيود.

 

لم تكن تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أقع فيها في أسر اكتئاب ما بعد الولادة، بل تكرر الأمر بعد ولادة جميع الذكور الذين أنجبتهم، دون أن أدري لماذا الذكور تحديداً. ولكن تعاملي معه اختلف في المرات التالية، حيث كانت الاستشارة الطبية إلى جانب الدعم النفسي هي الطريق إلى التخلص منه.

هل تفكرين بالحمل؟ اتباعك لهذه الخطوات يُهيئكِ لحمل طبيعي وآمن

 

 

تقول الفتاة أحلام طه (اسم مستعار): “حلم الأمومة يداعب خيالي باستمرار، فأنا أحب الأطفال جداً، أتصور نفسي حاملاً وبطني يتكور بجنين أشعر بحركته وأبدأ علاقتي به قبل أن يولد، وأتخيل طفلي وقد أصبح في حضني، أضمه إليَّ، وأرضعه وأعتني به ويناديني ماما.. آه ما أجمل ذلك!!

تزوجت قبل عام، وأجهضت خلال ذلك مرتين.. أتعبني ذلك نفسياً وجسدياً، وبتُّ قلقة على مستقبلي في الإنجاب، فهل أستطيع أن أنجب بشكل طبيعي ككل نساء الأرض؟ أم أنني سأعاني كما تعاني الكثيرات؟ أبحث عن إجابات للكثير من تساؤلاتي حول موضوع الحمل والولادة والتحضير لتلك المرحلة، ويا ليتني أجد من يجيبني بدقة ومن دون أن يضيق بأسئلتي!”.

في مجتمعاتنا العربية تحمل معظم النساء ويلدن بغير تخطيط مسبق جاد ودقيق، بل يحدث ذلك “على البركة” غالباً، فتجد المرأة نفسها وقد حملت، وهناك من لا تعلم بكونها حاملاً إلا بعد أن تحس بحركة الجنين داخل أحشائها. ناهيك عن أنه يدخل في ثقافتنا الكثير من الأساطير والخرافات في موضوع الحمل والولادة، والتي تؤثر سلباً في وعي الأمهات وسلوكياتهن الإنجابية فينعكس ذلك على وضع السيدة الصحي وعلى صحة طفلها أيضاً.

وبما أن الهاجس الأكبر الذي يؤرق كل امرأة مقبلة على الإنجاب مقدمة على خوض تجربة الأمومة هو أن يكون طفلها طبيعي ويتمتع بصحة جيدة. ولننير لك سيدتي الطريق لتصلي لحمل طبيعي وتتمتعي خلال ذلك بصحة جيدة، سنصحبك في رحلة عبر سلسلة من التقارير العلمية الصحية التي تتناول موضوع الحمل والولادة، نبدأها في هذا التقرير الذي سنتناول فيه فترة ما قبل الحمل والاستعدادات اللازمة لهذه المرحلة. فهل هناك فعلاً تحضيرات تحتاج المرأة لأن تقوم بها استعداداً للحمل؟ أيمكن حقاً أن يكون لتلك الاستعدادات تأثير فعلي في صحة الأم والجنين خلال الحمل والولادة؟ وهل ستطول تلك الفترة؟ متى يجب أن يكون هناك جماعاً؟ وما هي عدد مرات الجماع المطلوبة ليحدث الحمل؟ وهل سألت نفسك إن كان لشريك حياتك دور في تلك التحضيرات؟ ماذا لو أن المرأة أهملت الاستعداد المسبق للحمل؟ هل يعرضها ذلك ويعرض جنينها لأخطار محتملة؟ ما هي تلك الأخطار؟ وكيف يمكن الوقاية منها؟.

ما هي التحضيرات والاستعدادات اللازمة للحمل؟

قبل أن نخوض في هذا الموضوع، لننتبه أن بعض العوامل لا سيطرة للزوجين عليها مثل: التشكيل الجيني لخلايا الزوجين، عمر الزوجين، الوضع الاقتصادي لهما، الظروف البيئية المحيطة بها… الخ. بينما يكون لبعض العوامل الأخرى سيطرة للزوجين عليها، والتي سنتناولها في هذا التقرير باستفاضة.

  • النشاط الجنسي والاستعداد للحمل

تشير الدراسات إلى أن الفترة المهيأة للإخصاب هي فترة قصيرة، وهي 3-5 أيام من كل شهر، أي بمعدل يوم إلى يومين قبل الموعد المتوقع للتبويض ومثلها بعده، بالإضافة إلى يوم التبويض نفسه. ولهذا يقترح الأطباء أن يكون هناك جماع بمعدل مرة كل يوم بعد يوم قبل موعد التبويض المتوقع وبعده.

“تبقى الحيوانات المنوية حية ونشطة وقادرة على الإخصاب داخل جسم المرأة لمدة خمسة أيام، بينما لا تعيش إلا فترة قصيرة في الظروف غير المناسبة”

 

 

  • مراقبة الدورة الشهرية وتحديد موعد التبويض

من الجوانب المهمة جداً التي عليك فهمها،  وأعتقد أنها تخص صحتك وأنوثتك أيضاً هي الدورة الشهرية، وكيف تحدث، ومتى يحدث التبويض وتكون الفرصة مهيأة لديك للحمل؟.

الدورة الشهرية: هي دورة كاملة من التغيرات الطبيعية التي تحدث في الرحم والمبيضين وذلك لإنتاج البويضات وتحضير الرحم للحمل، استعداداً للإخصاب والتكاثر. تبدأ الدورة الشهرية عندما يبدأ نزول دم الحيض، وتنتهي بنزول دم حيض الدورة التالية، وهي دورة كاملة من التغيرات. تختلف عدد أيام الدورة الشهرية الطبيعية من سيدة إلى أخرى، وقد تتراوح من 21 إلى 35 وقد تطول أكثر من ذلك. وقد تختلف أيضاً عدد أيام الدورة من شهر إلى آخر لدى السيدة ذاتها، وهذا لا يعني بالضرورة وجود خلل لديها.

التبويض: هي عملية خروج البويضة من المبيض وانتقالها إلى قناة فالوب استعداداً للإخصاب. ويحدث التبويض عادة في اليوم 14 من بداية الدورة الشهرية، في حال كانت الدورة منتظمة لدى المرأة وتحدث كل 28 يوم.

 

 

 

انتبهي إلى أننا نعتبر أول أيام الحيض هو أول أيام الدورة الشهرية. يرافق التبويض أعراض إذا انتبهت لها استطعت معرفة توقيت التبويض لديك وبالتالي تزيد فرصتك في الحمل إن كنت تريدين الحمل، أو الوقاية من الحمل إن كنت ترغبين بذلك.

أعراض التبويض:

ارتفاع بسيط في درجة حرارة الجسم: حيث ترتفع نسبة هرمون البروجستيرون في النصف الثاني من الدورة الشهرية، ويبدأ هذا الارتفاع مع حدوث التبويض، ويستمر إلى موعد الدورة التالية، أو أنه يبقى مرتفعاً في حال حدث حمل. ويؤدي البروجستيرون إلى حدوث ارتفاع بسيط في درجة حرارة الجسم.

فإذا كنت مهتمة بتتبع التغيرات الهرمونية لديك، وتحديد وقت التبويض، عليك عمل جدول لحرارة جسمك، وذلك من خلال قياس درجة حرارتك يومياً في كل صباح قبل النهوض من الفراش والقيام بأي نشاط، ستلاحظين أن درجة حرارتك هي نفسها يومياً (إلا إذا أصبت بمرض أدى إلى ارتفاع مثل نزلات البرد والرشح)، في اليوم المتوقع للتبويض (في منتصف أيام الدورة الشهرية تقريباً) ستلاحظين حدوث ارتفاع بسيط قد يصل إلى 0,5 درجة مئوية.. ويستمر وجود هذا الارتفاع حتى موعد الدورة القادمة.

 

 

“قومي بمراقبة حرارتك بهذه الطريقة لعدة أشهر، حتى تزيدي من قدرتك على تحديد موعد التبويض”.

ظهور الإفرازات المهبلية الخصبة: حيث يحدث لديك تغير في الإفرازات المهبلية، فتصبح شفافة مائية كالمخاط منخفضة اللزوجة ، فإذا أخذت كمية من هذه الإفرازات بين أصابعك وقمت بإبعادها عن بعض، فإن الإفرازات تنمط مع أصابعك دون أن تنقطع (كما هو موضح في الصورة أدناه) بعكس الإفرازات المهبلية الأخرى على مدار الشهر. ويمكنك أيضاً استعمال آلة حساب الإباضة لتحديد موعد التبويض لديك بحيث تدخلي معطيات الدورة الشهرية في الشهور الثلاثة الأخيرة.

الإخصاب: هو التقاء البويضة بالحيوان المنوي واتحاده معها وبدء تكوين مخلوق جديد، ويحدث هذا بشكل طبيعي في قناة فالوب في الثلث الخارجي منها.

 

 

 

“تعيش البويضة داخل قناة فالوب ما بين 12-24 ساعة بعد خروجها من المبيض، فإذا لم يتم إخصابها خلال هذه الفترة فإنها تموت”.

  • إيقاف استعمال وسائل منع الحمل والاستعداد لحمل جديد

في الماضي كانت الفكرة السائدة لدى النساء، هي أنه يجب الانتظار فترة من الزمن بعد التوقف عن استعمال وسائل منع الحمل قبل محاولة الإنجاب، ولكن أوضحت الأبحاث أن هذا ليس من الصحة بمكان، بل يمكنك البدء بمحاولة الحمل فورا بعد التوقف عن استعمال هذه الوسائل، مثل الواقي الذكري، طريقة العد، طريقة العزل. الجانب السلبي الوحيد هو أنه قد تحدث دورة شهرية غير منتظمة في بداية تركها مانع الحمل مثل حبوب منع الحمل، اللولب، ما يشكل صعوبة لتحديد فترة التبويض.

بعض موانع الحمل يصعب حدوث الحمل بعد إيقافها مباشرة مثل إبرة “الديبوبروفيرا”، لأنها تتكون من هرمون البروجستيرون، لذا يحتاج الجسم لفترة من الوقت قد تمتد لمدة عام لإعادة تنظيم هرموناته بعد إيقاف استعمال الإبرة قبل أن يصبح مهيأً للحمل.

 

 

  • المشورة الطبية خلال فترة الاستعداد للحمل

الاستشارة الطبية في مرحلة الاستعداد للحمل خطوة مهمة وضرورية لمساعدة المرأة في دخول مرحلة الحمل بأمان واطمئنان. ولتلقي الرعاية الصحية خلال فترة التخطيط للحمل، دور مهم في الوصول لحمل آمن يرافقه وعي وسلوكيات صحية. قد يكون مقدم الرعاية الصحية طبيب، أو ممرضة… الخ.

خلال الاستشارة الطبية سيقوم مقدم الرعاية بالاستفسار عن:

  • التاريخ العائلي المرضي
  • وضعك الصحي حالياً
  • نمط حياتك، عملك الحالي، ممارستك للرياضة
  • طبيعة تغذيتك، تركيزك على الأغذية الطبيعية المحتوية على الفيتامينات والمعادن
  • تناولك لأية أدوية بشكل دائم (وتأثيراتها المحتملة على الحمل)
  • التاريخ الإنجابي لك (حمول سابقة، ولادات، ولادات مبكرة، إجهاضات، أوزان المواليد…)
  • تحصنك ضد الأمراض المعدية مثل: التهاب الكبد الفايروسي والحصبة.

وتقع أهمية هذه المعلومات في أنها تكشف عن وجود أي أمراض قد تقلل من فرص حدوث الحمل، أو أمراض قد تزيد من مخاطر الإجهاض، أو أنها قد تؤدي إلى حدوث عيوب خلقية عند الجنين، أو أنها تشكل خطراً على الأم وجنينها عند الولادة. فعند الكشف عنها يتم العمل على تقديم الرعاية الصحية اللازمة للمرأة لتفادي حدوث أية مضاعفات أو مشكلات خلال الحمل أو الولادة، كما يتم العمل على حل المشكلات التي تعوق من حدوث الحمل أو تؤخره.

“الزيارة الطبية في مرحلة التخطيط للحمل، تعتبر فرصة ذهبية للإجابة عن أية تساؤلات تشغل بال الزوجين حول كل ما يتعلق بالحمل والولادة”.

أهمية الاستشارة الطبية خلال التحضير للحمل

بعض الظروف الصحية سيدتي تشكل عاملاً إلزامياً لك باللجوء للمشورة الطبية قبل الحمل؛ لأنها قد تقف عائقاً أمام حدوث الحمل لديك، كما إنها تحمل في طياتها خطراً على استمرار الحمل لديك وتشكل خطراً أيضاً على صحتك وصحة جنينك. والأمراض التي توجب الاستشارة الطبية قبل الحمل هي:

  • الأمراض المزمنة مثل السكري ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والكلى، وأزمة الجهاز التنفسي
  • الإجهاضات السابقة أو الولادات المبكرة
  • الإصابة بأمراض منقولة جنسياً: مثل الهربس (Herpis simplex virus II)، الإيدز (HIV)، الورم الحليمي البشري (HPV)
  • تاريخ سابق لولادة طفل بتشوهات خلقية أو أمراض جينية، أو ولادة طفل وزنه أقل من أو أكثر من الطبيعي.
  • أن تكوني أنت أو زوجك تحملان جينات أمراض تنتقل بالوراثة مثل: الثلاسيميا، والأنيميا المنجلية، والهيموفيليا… الخ.
  • وجود مشكلات صحية لدى الزوج تمنع من حدوث الحمل.

 

“انتبهي: في حال كنت مصابة بأي من الأمراض المذكورة أعلاه، عليك مراجعة طبيب مختص لضبط هذه الأمراض قبل بدء الحمل”.

وفي حال لم تكوني مصابة بأية أمراض أو مشكلات صحية، فإن المشورة الطبية ضرورية لزيادة الوعي الصحي لديك كما أنها تعدك بحمل آمن.

 

 

  • تعديل النمط الغذائي وتناول المكملات الغذائية:

تحتاجين لتعديل نمط غذاءك إن كان النمط الذي تتبعينه لا يركز على الأغذية الطبيعية الصحية. ولنمط غذائي صحي يكون له تأثير إيجابي على الحمل، انتبهي إلى ضرورة:

  • تناول الفاكهة والخضار الطازجة، لاحتوائها على الفيتامينات والمعادن الضرورية لك ولجنينك.
  • تناول الكربوهيدرات الموجودة في الحبوب الكاملة مثل القمح، العدس، الحمص، الذرة.
  • التقليل من تناول الكربوهيدرات المحلاة كتلك الموجودة في الحلويات والخبز الأبيض.
  • تناول البروتينات من مصادرها الحيوانية والنباتية، مثل اللحوم، ومنتجات الألبان، والحبوب، وبعض الخضراوات.
  • تناول الدهنيات الضرورية للجسم، الموجودة في المكسرات، ولحم السمك، والزيتون، وبعض الخضراوات، وذلك لاحتوائها على الفيتامينات الذائبة في الدهون ( فيتامينات أ، هــ، د، ك).
  • تجنب الدهنيات غير الصحية الموجودة في اللحوم الحمراء، والأطعمة المقلية، والوجبات السريعة.
  • التركيز على الأطعمة التي تحتوي على نسب قليلة من الدهون المشبعة، والكولسترول، والدهون المهدرجة.
  • تناول الألياف الموجودة بكثرة في الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة.
  • الابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة المحتوية على كميات كبيرة من الملح، والسكر، والدهون.
  • الابتعاد عن الأطعمة المصنعة لاحتوائها على مضافات أغذية ومواد حافظة، وتجنب الوجبات السريعة.

قد تحتاجين لبعض المكملات الغذائية خلال الاستعداد الحمل، مثل الفيتامينات التي يصفها لك الطبيب ويوضح لك طريقة استخدامها بشكل صحيح. احذري من شراء المكملات وتناولها بدون استشارة طبية لما يحمله ذلك من أخطار قد لا تكوني على علم بها.

ينصح الأطباء والأبحاث العلمية بضرورة تناول حمض الفوليك بمعدل 400ميكروجرام يومياً ولمدة شهر على الأقل قبل الحمل والاستمرار في تناوله خلال الثلاثة أشهر الأولى، فقد وُجد أنه يحمي الجنين من بعض العيوب الخلقية ويقلل من إصابة الجنين بعيوب العمود الفقري بما نسبته 50-70%، ولكن استخدميه بعد استشارة طبيبك.

 

 

  • مواد ضارة وخطرة تجنبيها خلال استعدادك للحمل

تتعرضين بشكل يومي لمواد خطرة على صحتك وصحة جنينك، لذا عليك تغيير عاداتك اليومية التي تشكل خطراً على الحمل، انتبهي أن تكون بيئتك البيتة وبيئة العمل آمنة وصحية لك ولجنينك. بالرغم من أن بعض النساء يجدن صعوبة كبيرة في تغيير عاداتهن اليومية، إلا أنه من الضرورة بمكان المبادرة لذلك التغيير والبدء به منذ هذه اللحظة، لذا حاولي اتباع نمط حياة صحي طوال الوقت وليس في فترة الاستعداد للحمل فقط، وسيصبح الأمر سهلاً بعد الاعتياد عليه.

ومن العادات الضارة التي تشكل خطراً عليك وعلى على حملك:

التدخين: بكلا شكليه السلبي والإيجابي. أثبتت الدراسات أن التدخين يقلل من الخصوبة لدى كلا الجنسين، كما يؤخر من حدوث الحمل، ويرفع من نسبة الإجهاضات، ويؤدي إلى حدوث الولادات المبكرة، وولادة مواليد بأوزان أقل من الطبيعي، ومن مشاكل أخرى قد تحدث بعد الولادة مثل الموت السريري المفاجئ للطفل.

“انتبهي إلى أن المولود الذي يكون وزنه أقل من الطبيعي يكون عرضة لحدوث مضاعفات بعد الولادة”.

التعرض للكيماويات والمواد السامة وبعض مستحضرات التجميل: حيث يمكن لهذه المواد أن تشكل خطراً على حملك، من مسمدات التربة، المبيدات، الإشعاعات، العديد من مواد التنظيف، ومستحضرات التجميل… الخ لاحتوائها على العناصر الثقيلة السامة مثل الزئبق، والرصاص وغيرها. هذه المواد تؤذي الأعضاء التناسلية وتصعِّب من حدوث الحمل، وبعضها يؤذي الجنين في حال تعرضت لها خلال الحمل.

الكحول: قد يتسبب شرب الكحول في حدوث الإجهاض، وحدوث ولادة مبكرة جداً، كما يؤدي إلى موت الأجنة داخل أرحام أمهاتهم. وتشير الدراسات أنه لا يوجد كمية آمنة من الكحول تستطيع الأم تناولها ويبقى حملها بعيداً عن الخطر. عدا عن أنه قد يتسبب في أضرار جسيمة للجنين. لذا على الأم التي اعتاد تناول الكحول البدء بتركه نهائياً خلال فترة الاستعداد للحمل.

 

 

  • ماذا بشأن الوزن وممارسة الرياضة والاستعداد للحمل؟

تنتشر بين الناس معلومة تقول: إن المرأة المقدمة على الحمل بحاجة للراحة والابتعاد عن المجهود الجسدي، ولكن الدراسات أثبتت خطأ هذا الاعتقاد، فالتمارين الرياضية الخفيفة تهيء جسدك لحمل صحي، وممارسة الرياضة بانتظام خلال الحمل ينصح به الأطباء والأبحاث بشدة لتحسين حالتك الجسدية والنفسية، فالمشي السريع ما بين 20-30 دقيقة يومياً، والسباحة، والتمارين الخفيفة… وغيرها تقوي جسدك، وتحسن من مزاجك.

أما ما يخص الوزن، فالوزن الزائد أو الناقص عن الطبيعي بشكل كبير يصعِّب الحمل على المرأة، بينما المرأة صاحبة الوزن الطبيعي يكون لديها احتماليات أقل لحدوث مضاعفات ومشكلات صحية مثل سكري الحمل.

  • هل تستمرين في تناول الأدوية وأنت تستعدين للحمل؟

هناك بعض الأدوية التي عليك تناولها بشكل دائم لضرورات تتعلق بصحتك، وهناك أدوية أخرى تتناولينها بشكل عارض، لمشكلة صحية طارئة ألمت بك، فكيف تتصرفين بشأن تلك الأدوية؟.

في فترة استعدادك للحمل واحتمالية حدوث الحمل في أي وقت يفضل عدم تناول أية أدوية إلا بعد استشارة الطبيب، ليصف لك الأدوية الآمنة لهذه الفترة. أما الأدوية التي يجب عليك تناولها بشكل دائم، مثل أدوية السكري، الضغط، أدوية الكلى، القلب، الصرع… الخ. فناقشي طبيبك بشأنها، هل لها مضاعفات على صحتك؟ هل تؤثر سلباً على حملك؟ هل من احتياطات عليك أخذها بشأن تلك الأدوية قبل الحمل؟ هل هناك بدائل أخرى لا تسبب بأذى للجنين؟.

اعلمي أن بعض الأدوية غير آمنة خلال الحمل لذا يجب إيقافها مع بداية الحمل، بعضها يمكن العودة لتناولها بعد انتهاء الأشهر الثلاث الأولى، وبعضها يمنع تناولها طوال فترة الحمل والرضاعة، وهناك أدوية يجب استبدالها بأخرى آمنة مع بداية التحضيرات للحمل لأنها تُخزن داخل الجسم ويمكنها أن تؤثر في الحمل الذي بدأ يتكون داخل أحشائك.. انتبهي: من يقرر ذلك هو الطبيب المختص وليس أنت.

 

 

“طبيب النساء والولادة هو صاحب القرار الفصل بشأن هذه الأدوية، هل هناك ضرورة لاستبدالها؟ أم تستطيعين المضي في استعمالها؟ أم أنه عليك إيقافها تماماً؟”

  • لا تنسي مراجعة طبيب الأسنان

بالرغم من أنك ستبتسمين عجباً وستسألين نفسك: وهل هناك علاقة بين صحة أسناني وبين الحمل؟ تشير الأبحاث إلى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين صحة الفم والأسنان والحمل، فالنساء اللاتي لديهم أمراض لثة لم يتم علاجها يعرض السيدة للإجهاض، والمخاض المبكر، والولادة المبكرة، عدا عن احتمالية ارتفاع ضغط الدم خلال الحمل. ولا يغيب عنا أن علاج بعض مشاكل الفم والأسنان مثل التهاب اللثة يوجب أن لا تكون السيدة حامل، لحاجتها لصور أشعة وبعض الأدوية التي تتعارض مع وجود حمل.

وتشير الأبحاث أيضاً إلى أن تنظيف الأسنان بشكل منتظم ومراجعة طبيب الأسنان بانتظام يمكنه أنه يقلل من الإجهاضات بنسبة 70%.

  • استمعي لتجارب الأخريات عن الحمل والولادة

اسألي من حولك من النساء ممن خُضنَ تجربة الحمل والولادة والدتك، أختك، صديقتك، زميلتك… الخ. أصغي إليهن، كوِّني انطباعك الخاص، وكوني على وعي بأن ما حدث معهن ليس بالضرورة أن يحدث معك أنت أيضاً، حتى أختك ووالدتك خاصة المشكلات التي لا علاقة لها بالوراثة وهو ما يحدده الطبيب، هل حدث الحمل لدى إحداهن بسرعة أم أنه تأخر؟ هل من مشكلات اعترضت طريقهن؟ اسألي طبيبك عن كل ما قد يشغل بالك.

الاستماع لتجارب الأخريات يكسبك خبرة قد تفتقرين لها، وتأخذي فكرة عن سلوك كل منهن وطريقتها في علاج ما اعترض طريقها من عقبات وصعوبات خلال هذه الفترة المهمة من حياتك.

ما هو دور الزوج في التحضير للحمل؟

يلعب الشريك دور مهم في دعم المرأة نفسياً وتشجيعها ومساعدتها عند الحاجة لتغيير نمط الحياة اليومي استعداداً للحمل، ولا يجب أن يغيب عنا أيضاً أن الوضع الصحي للشريك بشكل عام له علاقة بحدوث الحمل. فهل لديه أية مشاكل صحية تؤثر في السائل المنوي، وتضعف من حيواناته المنوية، وتؤثر في قدرته على الأداء الجنسي؟. ولذلك تكون المشورة الطبية مهمة جداً لتشخيص المشكلات الصحية لدى الزوج إن وجدت والعمل على علاجها.

بعض الممارسات التي تؤثر سلباً في الحيوانات المنوية: شرب الكحول، التدخين، إدمان المخدرات، تناول بعض الأدوية بشكل دائم، العمل في بيئة حارة جداً ولفترة طويلة، اتباع نمط غذائي غير صحي.

 

 

لمزيد من الاطلاع راجعي

أحلام مستغانمي: ما هكذا تورد الإبل!

بقلم: زهرة خدرج

 

قبل أن أبدأ أسرُّ لك بكلمات: اعلمي أن من يظهر ويعلو بسرعة، لا بد وأنه سيهبط بالسرعة ذاتها، قد تروج كتابات شخص ما ليست لجودتها وروعتها، أو لأنها قطع فنية نفيسة يصعب تكرارها.. اعلمي أن ما يروج عادة بسرعة هي الأشياء الرخيصة، لضآلة قيمتها، وسهولة الحصول عليها، ومواكبتها لمزاج العامة، وسباحتها مع التيار الذي يعينها على بلوغ مرماها بسرعة.

حاولت مرات عدة أن أقرأ ما كتبت، ربما لرواج رواياتك، وتكرار اسمك على ألسنة العامة، ولكن في كل مرة كان يداخلني شعور بالاشمئزاز يدفعني لأن أقذف بروايتك وأنساها تماماً.. ومنذ فترة قريبة، حاولت أن أنصفك فلا أحكم عليك منذ البدايات، وأبعد انطباعاتي عن فكرك وكتاباتك جانباً، خاصة لكثرة الاقتباسات التي أشاهدها على الشبكة العنكبوتية من روايتك “الأسود يليق بك”.. وقررت أن آتي على نفسي وأقرأها وأكملها حتى النهاية هذه المرة.

وفعلاً، مضيت في ذلك. ووجدت فيك كاتبة بعيدة كل البعد عن هموم الإنسان العربي الحر وعن القمع والبطش والسحق اليومي الذي يتعرض له.. منذ بداية روايتك، رحت تتحدثين عن إرهابيين، صورتهم لنا وكأنهم غول أو بعبع، مجرمون، مجردون من الأخلاق والإنسانية، وأشبعت روايتك بتلميحات مكشوفة ومبتذلة وأصابعك تشير إليهم بأنهم الإسلاميون في الجزائر، الأنانيون الذين يكرهون الحياة، الذين ألبستهم ثوباً قمت بتفصيله على مقاسهم بدقة متناهية، وأزخرت روايتك بعبارات الدم والتطرف والقتل، هؤلاء الإرهابيون حسب زعمك هم من أحالوا حياة شخصيات رواياتك إلى سواد..

ونسيت أو لأكون أكثر دقة، تناسيت قوى الاستعمار، والقوى الخارجية التي تعبث ببلادك وبلاد جميع العرب والتي جعلت من العرب مجرد عبيد فقراء، جهلة، ترتع الأمراض في أراضيهم!. سلطت الضوء في روايتك تلك على قصة عشق بين رجل وامرأة وعلى الإرهاب (كما حلا لك أن تصوريه)، ولم تتطرقي للهموم الأكثر أهمية للإنسان العربي!

كنت تريدين من كل قارئ عربي أن يتعاطف مع ما يملأ رأسك من فكر تحكينه على لسان بطلتك التي طلبت منا بحثاثة وإلحاح إكبارها والنظر إليها بكثير من العظمة والتبجيل، كم كنت أتمنى لو أن كاتبة في مثل شهرتك سخَّرت قلمها ومهاراتها اللغوية وأسلوبها السلس في الكتابة، لتتناول القضايا التي تضيق صدور العرب وتدك أرواحهم وتشتت قوتهم وتفكيرهم.

تحدثت طوال الوقت وبإعجاب شديد، وانبهار قل نظيره عن ذلك الثري المتكبر، الأرستقراطي الذي يجوب عواصم العالم بيسر، ويأكل في أغلى مطاعم العالم، ويطارد امرأة اُعجب بها بدون مبرر منطقي (من وجهة نظره هو)، وجعلته يراجع نفسه كثيراً ويتساءل كيف شُغف بها تحديداً، دون أن تقف أمامه حدود أو حواجز أو تأشيرات. رجل عرضته أمامنا بأنه فارغ من كل شيء إلا من الثروة والثقة بأن أمواله قادرة عن عمل كل شيء وأي شيء.. حتى شراء الناس.

كفاك خداعاً يا أحلام!

في روايتك أيتها الكاتبة، حاولت إقناعنا بأن بطلتك مشبعة بأنفة وعنفوان يستعصيان على الترويض، صاحبة شخصية قوية، وقادرة على السيطرة على الذات، برغم أنك نفسك قد عرضتها أمامنا في مواقف أكثر كررتها في روايتك بأنها هشة، ضعيفة، مترددة. ادعيت أمامنا طوال الوقت بأنها بطلة، وصاحبة قضية ومبدأ، ثم حقرتها وهويت بها إلى الدرك الأسفل من النزوات والشهوات والانجرار وراء كهل عابث طاعن في التلاعب بالنساء وعواطفهن، متغطرس مغرور لا يسمح لأحد بأن يقف في وجهه ويقول له لا ويخالف رغباته.

وإمعانا في تحقير بطلتك صاحبة القضية يا أحلام، لم تجعلي ابتعادها عن هذا العابث قرارا خاصا بها اتخذته بعد تفكير وكانت مستعدة للسير فيه حتى آخر خطوة، إنما هو صدمة أوقعتها فيها جعلتِها تتقبل ويلاتها وتستوعبها على مهل. قضية أشبعتنا بها طوال الوقت من وجهة نظرك دون أن تحاولي حتى ولو لدرجة بسيطة إنصاف الآخر الذي جعلته أمامنا شيطاناً أمرد.

ولا بد أن أشير أيضاً إلى أن نجاح بطلتك منقطع النظير في الغناء في نهاية الرواية كان مجرد صدفة محضة بعد التقائها بالجزائري الذي دعاها إلى الحفل الخيري بعد أن مكثت في البيت تتباكى على هزائمها.

اقرئي كتاب الضابط الجزائري المنشق “محمد سمراوي: وقائع سنوات الدم”، وكتاب “الحرب القذرة، للضابط حبيب سويدية” وهذان الكتابان وغيرهما، من الشهادات الحية التي تكذب ما كتبت وادعيت في روايتك جملة وتفصيلا وتبين أنها مجرد ادعاءات ألصقتها بالإسلاميين لشيطنتهم في نظرنا.

أنصحك بشيء أيتها الكاتبة المشهورة، توخي الحذر والدقة حتى لا ينقلب سحرك عليك.

 

كل التدوينات المنشورة لا تعبر إلا عن آراء أصحابها، ولا تعكس مواقف المجلة بالضرورة

لسعات بق الفراش.. علاجها والتوقي منها

 

بق الفراش حشرة صغيرة بيضاوية الشكل، يتراوح طولها ما بين 5-7 ملم، ويصل طول يرقاتها 1.5ملم ولا يمكنها الطيران، جسدها مسطح ما يجعلها تشبه البراغيث، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. لونها أبيض مائل إلى حمرة خفيفة وقد يكون داكناً يميل إلى اللون البني، أما بعد أن تتغذى وتمتلئ بالدم تصبح عبارة عن فقاعة من اللون البني الداكن أو الأسود.

تواجدت حشرة بق الفراش منذ ملايين السنين، حيث كانت تسكن أعشاش الطيور والخفافيش، ولكنها تأقلمت لتعيش في البيئات التي يسكنها البشر، ويُعرف عن بق الفراش بأنها حشرة لديها قدرة عالية على التأقلم مع الظروف البيئية، وهو ما ساهم في انتشارها في جميع بيئات العالم. ولكنها تفضل الأماكن المظلمة لتمضي حياتها فيها.

تنتشر هذه الحشرة في جميع أنحاء العالم، ويمكنها العيش في أماكن مختلفة داخل بيوت البشر، حيث تختبئ بين خيوط المنسوجات وشقوق الأثاث، وتكثر في الأماكن التي تكتظ بالناس وينامون فيها، مثل المنامات الداخلية للمدارس والجامعات ودور الأيتام، والمخيمات، والقواعد العسكرية… إلخ، حيث تتركز داخل الأسرَّة وبين الوسائد والفُرش والأغطية. وقد لفتت هذه الحشرة الانتباه إليها في السنوات الأخيرة، برغم وجودها في قبور المصريين القدماء منذ 3500 عام.

كيف تتغذى حشرة بق الفراش؟

تتغذى حشرة بق الفراش على دم الكائنات ذوات الدم الحار، وتفضل مص دم بني البشر، حيث تخرج الحشرة الجائعات ليلاً من مكمنها، باحثة عن جسد الشخص النائم، والتي تستدل عليه من خلال استشعارها لحرارة جسده ونسبة ثاني أكسيد الكربون العالية التي تخرج خلال تنفسه. تقوم الحشرة بثقب الجلد بمثقب خاص في مقدمة فمها، ثم تقوم بحقن جزء من لعابها داخل الجلد، ويحتوي لعابها على مادة مخدرة حتى لا يشعر من تتغذى عليه بالألم، ويحتوي اللعاب أيضاً على مادة مضادة للتخثر حتى ينساب الدم إليها بسهولة. ثم تبدأ بامتصاص الدم حتى تمتلئ.

 

كيف أعرف أن هذه الحشرة قد غزت فراشي؟

إذا كنت تشعر بلسعات خفيفة خلال نومك، فابحث عن آثار أخرى تؤكد لك وجودها في سريرك. فهذه الحشرة تنشط في الليل، وتبدأ بعَضِّ أي منطقة مكشوفة من جلد الشخص النائم، وخاصة الوجه، والرقبة، والذراعين، واليدين، وعادة ما تكون لسعاتها خفيفة الألم، وما يلفت الانتباه لها هو ظهور أثر لسعاتها على شكل طفح جلدي مشكلاً حبوباً حمراء ومتورمة وتثير الحكة.

كيف يمكن الكشف عن وجود غزو منزلي لهذه الحشرة؟

انتبه إلى أن هذه الحشرة تستطيع العيش لشهور عدة دون غذاء وقد يمتد ذلك إلى سنة، كما يمكنها الزحف والانتقال إلى أماكن جديدة في المنزل، حيث تنشر بيوضها على الملابس والأثاث المستعمل، وتضع كل حشرة في عمر التكاثر ما معدله 7 بيضات يومياً، أي أنها تضع المئات من البيوض خلال حياتها.

يمكننا تتبع آثارها من خلال الرائحة العفنة التي سببها داخل غرف النوم، فلدى هذه الحشرة غدداً تخلِّف إفرازاتها رائحة عفن في الغرف التي تكثر فيها أعدادها، كما تترك بقع صغيرة جداً لونها كلون الصدأ الداكن على الأغطية والفراش، وهذه البقع الصدئة هي برازها الذي تخرجه. فإذا كنت تشعر باللسعات ليلاً، وتشاهد البقع الصغيرة الداكنة على الفراش، وتشم رائحة عفن في غرف النوم، فابحث عن بق الفراش في غرفتك.

هل تسبب حشرة بق الفراش أمراضا؟

في السابق، لم يكن العلماء يعتبرون بق الفراش بأنه ناقل للأمراض، ولكن الباحثين تبينوا حديثاً أنه يمكن أن تكون ناقلة لأنواع من الأمراض المتوطنة في المنطقة التي تنتشر فيها تلك الحشرات. عدا عن أن هذه الحشرات تؤثر في طبيعة حياة الشخص، فهي تربك نومه وتزعجه وتسبب له الضغط النفسي.

 

هل تحتاج عضات بق الفراش إلى علاج؟

عادة ما لا يكون هناك حاجة لعلاج عضات حشرة بق الفراش كما أنها تشفى تلقائياً وبشكل تام، ولكن في حال سببت العضات حكة شديدة نتجت عن وجود حساسية لدى الشخص، بالإمكان استخدام نوع من الكريمات الذي يحتوي على مواد مضادة للحساسية للدهن في مكان ظهور الطفح الناتج عن لسعات الحشرة، ويمكن أن يصف الطبيب للمصاب نوعاً من المضادات الحيوية في حال كانت اللسعات كثيفة على الجلد وأظهر تهيجاً وإصابة بالالتهاب.

وهناك مَنْ يفضلون استخدام وصفات بيتية للتخفيف من الحكة والتهيج في الجلد مثل الكمادات الباردة، أو طحين الشوفان المذاب في الماء أو غيرها، كلٌ حسب ثقافته وقناعاته وتجاربه السابقة.

 

ما هي إمكانيات الوقاية؟

من الصعب الوقاية من غزو هذه الحشرة، ولكن يمكن اتباع بعض الخطوات لتحاشي انتقال هذه الحشرة إلى منزلك، وذلك عن طريق:

– تجنب النوم في المناطق المصابة هي أفضل طريقة للوقاية من بق الفراش.

– في حال النوم في فندق، لتجنب التعرض للحشرة وتجنب غزوها لأمتعتك، عليك تتبع آثارها، وفحص المكان جيداً قبل اختيار الغرفة. ففي حال تواجدت الحشرة في الغرفة، فإنها ستتسلل إلى حقائبك وملابسك، وستحملها إلى بيتك.

– أبقي ملابسك بعيدة عن الأسِرَّة، وأبقيها داخل أغلفتها أو داخل الحقائب المغلقة. وبعد عودتك للبيت اغسل ملابسك مباشرة بماء ساخن، وجففها تحت حرارة مرتفعة.

– يعتقد البعض أن النوم في الغرفة المضاءة هو طريقة جيدة للوقاية من لسعات هذه الحشرة، ولكن هذا خطأ شائع أثبت فشله.

–  التهوية الجيدة للغرف، ونفض الفراش، وتعريضه لأشعة الشمس قد يقي من انتشار هذه الحشرة وغيرها من الحشرات.

هل يمكن التخلص من غزو بق الفراش؟

التخلص من هذه الحشرة ليس بالأمر السهل، خاصة أنه بإمكانها العيش لفترات طويلة حتى في الأماكن غير المسكونة والتي لا غذاء فيها.

– يحتاج الفراش الملوث بوجود هذه الحشرة إلى الغسل الجيد بماء ساخن تصل حرارته إلى 60 درجة مئوية. إضافة إلى الفرك باستعمال فرشاة لإزالة البيوض العالقة في ثنايا الفراش.

– استخدام مكنسة كهربائية للتنظيف على أن تتمتع بقدرات شفط عالية لتزيل البيوض والحشرات.

– يمكن استخدام مبيدات حشرية توضع في جميع الأماكن التي يُلاحظ انتشار بق الفراش فيها.

المراجع:

Greenberg, L., and J. H. Klotz. “Pest Notes: Bed Bugs.” Oakland: Univ. Calif. Nat. Agric. Res. Publ. 7454. Sept. 2002.

Kolb, A., G.R. Needham, K.M. Neyman, and W.A. High. “Bedbugs.” Dermatol Ther. 22.4 July-Aug. 2009: 347-352.

Potter, Michael. “Bed Bugs.” University of Kentucky Entomology. Aug. 2008.

Schwartz, Robert A. “Bedbug Bites.” Medscape.com. Mar. 19, 2014. <http://emedicine.medscape.com/article/1088931-overview>.

Thomas, I., G.G. Kihiczak, and R.A. Schwartz. “Bedbug Bites: A Review.” Int J Dermatol 43 (2004): 430.

United States. Centers for Disease Control and Prevention. “Bed Bugs FAQs.” Jan. 10, 2013. <http://www.cdc.gov/parasites/bedbugs/faqs.html>.

United States. Centers for Disease Control and Prevention. “Parasites – Bed Bugs.” Jan. 10, 2013. <http://www.cdc.gov/parasites/bedbugs/>.

United States. Environmental Protection Agency. “Bed Bugs: Get Them Out and Keep Them Out.” Nov. 26, 2014. <http://www2.epa.gov/bedbugs>.

د. زهرة خدرج

المياه الزوجية الراكدة والطلاق النفسي.. شهادات

 

الحب حاجة وحافز وهدف في ذات الوقت، نطلبه لأننا نبحث عن لذة الشعور به، لنشعر بالرضا والراحة، والطمأنينة والأُنس والتفاؤل والدفء، لتتبدد كل مخاوفنا، وليشرق الأمل داخل نفوسنا، فيطرح إيجابية وإنتاجاً ورضا. وبما أننا مخلوقات عاطفية، فإننا لا نستطيع العيش دونه، ودون أن نتبادل هذه المشاعر الراقية مع غيرنا.

والعلاقة الزوجية من أعمق العلاقات الإنسانية وأكثرها تعقيداً وتأثيراً في المجتمعات. والإشباع العاطفي هو أساسها الذي تقوم عليه، فإن فُقد الحب فلن يستمر الزواج بشكل سوي..

ولكن مع التطور التكنولوجي الذي غيَّر حياة البشر وأدخل الكثير من الرفاهية والاهتمامات المادية عليها، تنحّى الحوار بين الأزواج جانباً فتنحى الحب والعاطفة معه، وحلت محله أشياء لا حصر لها.. لتكون الروابط الزوجية هي الخاسر الأول، ويغرق الأزواج في صمت يخلف طلاقاً نفسياً.

في هذا التقرير، نحاور أخصائيين وضحايا، ونناقش قضية الطلاق النفسي أو الطلاق العاطفي، والذي بات يهدد المجتمعات البشرية، ويرفع من نسب العنف، ويفتك بنظام الأسرة.

 قطيعة عاطفية وانفصال وجداني

يقول المحامي الشرعي المختص بقوانين الأسرة الأستاذ أحمد نصر الله: “كنت مندهشاً من قدرة بعض الأزواج على التعايش لفترات طويلة من الزمن في زيجات غير مريحة أو سعيدة تغلب عليها القطيعة العاطفية، وكان بعضها قاحلاً لسنوات طويلة.

ورغم ذلك أكملوا حياتهم معاً في ظمأ شديد مؤْثرين أن لا ينفصلوا، لأسباب اختلقوها وحاولوا إقناع أنفسهم ومن حولهم بها. وقد لاحظت في أغلب الأحيان أن المرأة هي التي كانت تفضل الاستمرار رغم التعاسة والجفاف العاطفي الذي تغرق به”.

أما الداعية وفاء صبري فتقول: “العلاقة العاطفية هي عماد الزواج، والزواج هو المودة والتآلف والمشاركة، والهدوء والتراحم فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال نبينا الكريم عليه الصلاة السلام: رفقاً بالقوارير.

والآداب الإسلامية، والأخلاق النبوية تحث الزوجين على الاهتمام بالآخر وإشباع عواطفه ومشاعره حتى تتحقق السعادة والسكينة والمودة لتنتج الأسرة مجتمعاً صالحاً مرتاح البال ينهض بأمته للتطور والحضارة والخير، ولنا في سيرة رسولنا الكريم مع أزواجه خير دليل على ذلك. لا أن تكون العلاقة الزوجية جافة باردة تضطر طرفيها أو أحدهما إلى البحث عن إشباع حاجاته العاطفية خارجها”.

وتابعت تقول: “الحوار، والنقاش، وإفراغ مكنونات صدور الأزواج داخل بيوتهم مع أزواجهم هو ما يقوي روابط الأسرة، فإذا فُقدت مرادفات التواصل، خفتت السعادة واختفت، وتلاشت العواطف الجميلة معها، وأصبحت العلاقة الزوجية هشة، معرضة للانهيار في أي وقت”.

 

طلاق بغير كلمة الطلاق

أما المرشدة الاجتماعية المختصة في مشاكل الأسرة ناريمان المصري فترى أنّ الطلاق النفسي أو الطلاق الصامت حالة تصف كثيرا من الوضعيات يكون الأزواج قد انفصلوا وجدانياً ففقدوا الاهتمام والاتصال والتواصل فيما بينهم، حتى غدا حالهم حال المنفصلين..

أزواج يجمعهم بيت واحد، بعد سنوات من العشرة، أما علاقتهم فيشوبها الجمود، والركود، والجفاف العاطفي. في هذا النوع من الطلاق لا يوجد أوراق من قاضي أو محكمة تثبت وقوع الطلاق، ولا يسمّى الزوجان طليقين، ولكن فقدان الاهتمام ببعضهما والعاطفة والدفء والسكينة والتفاهم، خير دليل على وقوع هذا الطلاق، وفق تعبير المرشدة المختصة.

قد يكون من الصعب جداً على الزوجين اتخاذ قرار الانفصال، خاصة عندما يكون قد مضى على زواجهما فترة ليست بالقصيرة، وأصبح بينهما أولاد، فمواجهة الشعور بالذنب ورفض المجتمع المحيط للطلاق، والخوف من المطالبة بخطوة صعبة كهذه ثم مواجهة ما يترتب عليها، يجعل كثيرا من الأزواج يفضلون الاستمرار في الزواج حتى إن كان زواجاً شكلياً أو علاقة يفرضها الواجب ليس أكثر على الانفصال.

 

برود العلاقة الحميمية

السيدة إيمان (اسم مستعار) وهي موظفة في بنك تروي قصّتها فتقول: “منذ عدة سنوات أخذت فجوة تفصلني عن زوجي، سِمتها الأبرز فترات طويلة من الصمت الجليدي والإهمال وتناقضات دائمة أدت بنا إلى تنافر دائم حتى على أتفه الأمور، وزاد اتساعها مع مرور الأيام. شعرت ببعض الخوف والقلق أحياناً، ولكني كنت أؤكد لنفسي أن علاقتي بزوجي بخير، وستعود لما كانت عليه في بداية الزواج.

وما أربكني حقاً وجعلني أتأكد أن هناك خطباً ما، عندما شملت الفجوة علاقتنا الحميمية، التي راحت تقل، حتى كادت تنقطع. وكلما تقربت منه، وحاولت إذابة الجليد بيننا، تهرب مني، واعتذر بأعذار شتى.. زوجي يدرك تماماً الانجماد الذي أضحى يغلف حياتنا، ولكني أجده غير مستعد لبعث الحياة في علاقتنا مرة أخرى”.

خلافات متكررة وهواجس لدى الأبناء

أما السيدة (ن. هــ) فتقول لمجلة “ميم”: بعد 20 عاماً من الزواج لا أدري لـِمَ شرع زوجي يبتعد عني، ويجفوني بلا مبرر، اهتمامه بي مضى يتلاشى يوماً بعد الآخر، حتى زادت المسافات بيننا، يتكلم إليَّ بِـجُمل قصيرة وأسئلة مقتضبة، وإن حدثته بشيء لا يأبه بما أقول، وكأنه لا يسمعني، وإذا حدث نقاش بيننا فبعصبية وصوت عال يغلب عليه الغضب والضيق.

لم يعد يطيقني، أو يحتمل أي شيء من ناحيتي. فكرت كثيراً، وبحثت أكثر ولكن لم أستطع إيجاد سبب يقف وراء هذا التغيير. كان هناك بعض الخلافات أحياناً كعادة جميع الأزواج، والتي يعقبها فترات من الصمت القصير، والتي يمكنك وصفها بـــ “استراحة المحارب”، إلا أنها لم تكن لتطول عادة، لتمسي نمطاً يومياً للحياة، وسلوكاً دائماً”.

وتصف (ن. هــ) طباع زوجها قائلة: “زوجي من النوع الجاد جداً، قليل الكلام، في رأيه، يكفيني احترامه لي واحترامه أهلي، وتلبية لطلباتي، وبذله الجهد لإسعادي، ولا يرى أن هناك حاجة لأن يبوح بعواطفه ويتودد إليَّ. وكأن التقارب العاطفي يظهر في تلبية الطلبات!”.

وبخصوص تأثير هذه العلاقة في الأبناء، أوضحت المتحدثة: “أشاهد القلق والخوف في عيون أبنائي، الذين أصبح هاجساً لديهم أن تتقوض أركان بيتنا الذي كان دائماً مصدراً للدفء والأمان يؤرقهم. أحاول دائماً إدخال الطمأنينة إلى نفوسهم، إلا أنهم يرون بأعينهم ما يناقض تطميناتي لهم، فأجد كل منهم يلوذ بغرفته يخبئ مخاوفه”.

أما عن محاولاتها لبعث الحرارة والحياة في علاقتها الزوجية، فتقول السيدة (ن. هــ): مشكلتي أنني الآن مللت من استجداء الحب والاهتمام منه، جموده قضى على حيويتي ورغبتي في الحياة.

 

تلاشي التواصل والحوار

السيدة (هــ. د) التي شارفت على الخامسة والثلاثين من عمرها تحكي قائلة: “تزوجت وأنا صغيرة، كنت حينها في الرابعة عشرة من عمري. في السنوات الخالية كان زوجي هو الصاحب والرفيق والصديق والحبيب وموضع الأسرار، ولا أدري ماذا دهاه الآن، ولماذا هذا الفتور القاتل تجاهي”.

أخذت السيدة نفساً عميقاً يائساً قبل أن تكمل سرد معاناتها قائله: “في هذا الأوقات شاشة صغيرة، أو ما يسمونها الموبايل الذكي، لا تكاد تفارق يديه وتركيزه، لقد فتنت زوجي، وحازت على قلبه وعقله بالكامل، فاستبدلني بها حتى باتت هي الحبيبة والرفيقة..

فإن لم تكن الشاشة فالفضائيات التي لا تتوقف عن بث مصائبها، أو شلة الأصدقاء الذين يستولون على سهراته ووقته وحبه، حتى بتُّ أنتظر في كل وقت أن ينطق بها قائلاً: أنت طالق.. طالق.. طالق.

إلا أنه بقي على صمته الذي أوصلها لي بدلاً من لسانه، ليكون إهماله لي وجفاؤه البديل عن الورقة الرسمية التي تصدرها المحكمة ويذيلها القاضي بتوقيعه”.

تلألأت الدموع في عينيها قبل أن تجيب عن سؤال: هل هناك سبب يقف وراء سلوك زوجك؟ وقالت: “لا أدري تحديداً.. لقد أوجعتِ قلبي”. ثم نظرت في الفراغ وبوجه خال من التعابير كأنها تسأل نفسها: “أيملُّ الرجل من زوجته بعد سنوات طويلة من العِشرة؟ أيمكن أن يفقد طعم الحياة معها؟ أيكون فقداني لجاذبيتي وصحتي بعد أ، أصبت بمرض روماتيزم العظام الذي أوهن جسدي وشوه مفاصلي هو السبب؟”.

وتابعت تقول: “حاولت بطرق شتى أن أغير من هذا الواقع الباهت الذي لا طعم له، ولكن دون جدوى، فزوجي عنيد، وشديد الإصرار على رأيه. فما إن أفتح الموضوع معه، حتى يوجه التهمة إليَّ قائلاً: المشكلة تكمن فيك أنت، وفي غيرتك، أفيقي، لقد كَبُرنا على هذا الكلام”.

نصائح للأزواج

توجه المرشدة الاجتماعية ناريمان المصري نصائح للأزواج الذين جمّد الطلاق النفسي زواجهم:

* انتبها إلى مؤشرات الخطر التي تنذر بقرب حلول الطلاق العاطفي، من خفوت الاهتمام، وتلاشي العواطف الدافئة، وقلة التواصل والحوار، فإن وجدتما هذه المؤشرات قائمة بينكما، ناقشا الأمر، وجدّدا حبكما لبعض، وقبول كل منكما للآخر، وبادرا إلى كسر الروتين وإدخال التغيرات في حياتكما حتى لو كانت بسيطة، افعلا أشياء مشتركة تشعركما بالحيوية والمرح، كأن تقوما برحلة سوية، أو تمارسا بعض الهوايات معاً… الخ.

* وإلى المقبلين على الزواج أقول: عوّدوا أنفسكم على المصارحة منذ البداية، وحلُّوا جميع المشكلات التي تعترض طريقكم أولاً بأول، وعالجوا الفتور باكراً قبل أن يتحول إلى كم كبير من التراكمات تثقل كاهل الزواج وتسبب تصدعه وسقوطه في النهاية.

* نصيحة مهمة أوجهها للمرأة: احذري من الانسياق في البعد عن زوجك، وتجاهل قلة التواصل والتعامل معه على أنه أمر طبيعي، فأنت من ستخسرين في الغالب. لا تعترضي على سلوكه البارد بغضب، بل تقربي إليه بتودد وتحبب وهدوء، ولا تفقدي صبرك، بل ثابري ووظفي جميع أساليبك الناعمة لتجديد الدماء في علاقتك الزوجية مع زوجيك.

* ونصيحة أخرى أوجهها للرجل: تذكر زوجتك بكلمة رقيقة، بوردة جميلة، بهدية صغيرة، بمشوار يعيد لها شبابها، ويعيد الحياة لقلبها الذي كاد الحزن يستوطن فيه. حتى وإن كنت تعتقد أنها تبالغ في طلب اهتمامك.. اعذرها، وأشبعها حباً وعواطف.. فإن لم تشبعها وتدفئها أنت، فمن يا تُرى سيفعل، أيرضيك أن تبحث عن الحب والعاطفة خارج بيتك؟

عندما أوقع الاكتئاب صغيرتي في وحله

 

أحمد ربي كثيراً أنه خلص صغيرتي “مها” من الاكتئاب الذي انزلقت في وحله، وقد كنت أظن أن الاكتئاب لا يصيب الصغار أمثالها، وأحسبه بعيدا عنهم بعد القمر عن الأرض.. هي بطبيعتها مزاجية، سريعة الملل من كل شيء يصبح ملكها، ولكن ذلك لم يكن في نظري مبرراً لأن تقع في مستنقع الاكتئاب.

كانت صغيرتي في السادسة من عمرها عندما حاصر المحتلون بيتنا بعد منتصف الليل ودخلوه بطريقة همجية، وعاثوا فيه فساداً، وقيدوا والدها واعتقلوه أمام أعيننا، استيقظت من نومها على ضجيجهم، وشاهدت ما يجري لوالدها، فقفزت نحوه، وتشبثت به، إلا أنهم أبعدوها عنه بقسوة، واقتادوه إلى حيث لا نعلم..

وقفت حينها ترقب السيارة العسكرية المغادرة باكية بصمت كئيب، ضممتها إلى صدري وحاولت طمأنتها، إلا أنها بقيت صامتة وكأنها فقدت القدرة على الكلام.. سليت نفسي قائلة: ستمر الحادثة على خير، وستنساها بعد أن يخرج والدها من السجن، فالصغار ينسون عادة..

إلا أن تغيراً حل بها لم أعهده فيها من قبل، فقد أخذت تتشبث بي أينما حللت وارتحلت، وكأنها عادت ثلاثة أعوام إلى الوراء، وأصبحت سيئة المزاج كثيرة البكاء والتذمر بسبب ودون سبب، وبات الخوف من كل شيء يلقي بظلاله على شجاعتها وثقتها بنفسها..

كما فقدت الدافعية لكل شيء، وكأنه لم يعد للحياة طعم في نظرها، باتت تكره المدرسة ولا ترغب بالذهاب إليها، وترفض أداء الواجبات، واشتكت معلماتها من تراجع أدائها فيها، وغلبت عليها الرغبة بالعزلة والبقاء في البيت، وأخذت ترفض اللعب مع الصغار، كما لم تعد تندفع لتعلم الأشياء الجديدة واستكشافها كالسابق، أما توترها وعصبيتها الزائدة والمستمرة على مدار اليوم والتي لم تكن من شيمها، فكانت تصيبني بالقلق الشديد عليها..

وأستغرب جداً، لماذا تكون في أسوأ حالاتها المزاجية عند استيقاظها من النوم صباحاً، رغم أن الأطفال يستيقظون سعداء مرتاحين عادة.

المخيف في الأمر أن حالتها لم تتوقف عند هذا الحد، رغم بذلي لمجهود كبير للتخفيف والترفيه عنها، بل أخذ الأمر يزداد سوءاً مع مرور الوقت. غادرت الابتسامة وجهها إلى غير رجعة، وأخذت أسمع منها عبارات أرعبتني، “كان من الأفضل لو أنني غير موجودة في هذه الحياة”، “أفضِّل الموت على البقاء”، “أكره الدنيا ومن فيها”، “أكره البيت، والمدرسة، والألعاب… وكل شيء”.. وعندما ألومها على كلامها وأقول لها بأنني أحبها، وأحب أن أراها فتاة كبيرة ناجحة، كانت تسخر مني وتقول: “لديك من الأبناء ما يكفيك غيري، ما أنا إلا بنت فاشلة، سيئة، لا تصلح لشيء”.. وفي كل مرة أتحدث إليها عن حزنها وعصبيتها، أستغرب كيف غدت عنيدة صعبة الإقناع بهذه الطريقة، فهي لا تتجاوب معي، وتصر على رفضها للأشياء المحيطة بها، والأفكار التي أعرضها عليها..

ليس ذلك فقط ما حدث لها، بل امتدت التغيرات لتطال شهيتها للطعام وتناقص وزنها، واختلال نومها، فأصبحت تنام بصعوبة ولفترات قصيرة ومتقطعة، حتى شحب لونها، وغدت هزيلة خاملة قليلة النشاط والحركة، تشتكي الصداع وألم المعدة والبطن بشكل مستمر.

في البداية، اعتقدت أنها تمر بفترة من التغيرات الطبيعية في سلوكها وشخصيتها؛ ناتجة عن اعتقال والدها، وبعده عنها، ودخولها المدرسة وتعرضها لبيئة جديدة وأناس جدد، ولكن الأمر أخذ يقلقني استمراره.. تدخل الأقارب والأصدقاء مرات عدة ليعيدوا لقلبها بعضاً من الفرح.. ولكنها كانت كمن فقد القدرة على الاستمتاع بالحياة، وفضلت البقاء في عزلتها.

 

أخذت مها تعود إلى طبيعتها، وعادت البسمة تشرق على شفتيها، وعادت إلى نشاطها، وفضولها الطفولي، وعادت إلى مدرستها بشغف.. وخرج والدها من السجن بعد عام ونصف، فاكتملت سعادتي..

 

لا أستطيع أن أنسى كيف وجدتها ذات يوم وقد قطَّعت جميع الألعاب التي كانت تزين غرفتها، حتى ألوانها كسَّرتها، ودفاتر رسمها مزقتها ونثرت أوراقها أرضاً، وجلست تبكي في زاوية سريرها.. تفطر قلبي خوفاً عليها..

وتأكدت حينها أن خطباً ما قد ألمَّ بها.. وللمرة الأولى اعترفت أمام نفسي ومن دون مواربة أن ما يحدث معها غير طبيعي.. فمنذ ما يربو عن سنة وهي في دائرة الحزن والتعاسة ذاتها، لهذا أظنها بحاجة لمساعدة ما.. لا أدري ما هي، ولا أدري كيف أعثر عليها.. ولكني لم أستطع انتظار مزاجها لأن يتعدل أكثر من ذلك.

توجهت بمها إلى مركز للإرشاد النفسي، جلسنا مع مرشد نفسي جلسة طويلة، كان لطيفاً جداً، ومتعاوناً وعارفاً بمشكلات الأطفال النفسية، شرحت له خلالها وضع ابنتي وتفاصيل حالتها، وجه لي ولمها الكثير من الأسئلة، وناقشها في العديد من التفاصيل.. ثم أعطاني استمارة تحوي داخلها أسئلة كثيرة ودقيقة أجبت عنها بــ”نعم، أو لا، أو أحياناً”. بعد ذلك قال لي: “صغيرتك مصابة بالاكتئاب يا سيدتي، اعتقال والدها كان هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير، تقلباتها المزاجية التي ذكرتها، ليست عصبية أو مزاجية طبيعية، بل تعتبر من علامات الاكتئاب عندما تطول وتستمر، عدا عن العلامات الكثيرة الأخرى التي ذكرتها”.

شرح لنا المرشد الكثير عن مرض الاكتئاب عند الأطفال، أسبابه، أعراضه، تطوره وعلاجه، وأكد لنا بأن حالة مها ستتحسن، وستعود لطبيعتها كما كانت من قبل. ثم وضع لها خطة علاجية تتضمن جلسات علاج باللعب، وجلسات تفريغ نفسي، وجلسات علاج معرفي سلوكي.. استطاع المرشد كسب ثقة مها وتعاونها معه من الجلسة الأولى.

زودني المرشد ببعض النصائح التي تساعد في شفاء مها من الاكتئاب، ومنها: تخصيص وقت للإصغاء لمها، وسؤالها عن مشاعرها، والتعبير عن حبي لها، تشجيعها على الرياضة والنشاط، والنوم المبكر، والتغذية الصحية والسليمة، الالتزام بمواعيد الجلسات، وطمأنتها دائماً أنها ستتحسن.

أخذت أصحب مها للمركز ثلاث مرات أسبوعياً، لمدة ساعتين لكل جلسة، بدأت ألحظ تحسناً في مزاجها، وأصبحت تقدر ذاتها، ولا تتعامل مع كل شيء بعصبية ومزاجية كما كانت تفعل سابقاً.. كما كان يعطيها المرشد واجبات تنفذها في البيت.. وأصبحت لها حصة من الرياضة اليومية الصباحية تحت أشعة الشمس.

أخذت مها تعود إلى طبيعتها، وعادت البسمة تشرق على شفتيها، وعادت إلى نشاطها، وفضولها الطفولي، وعادت إلى مدرستها بشغف.. وخرج والدها من السجن بعد عام ونصف، فاكتملت سعادتي.. إلا أن هاجس عودة الاكتئاب لمها بقي يلازمني لسنوات عديدة بعد ذلك.. رغم مضيِّ مها في دروب الحياة.

 

حروب تفتك بالأطفال نفسياً

حروب تنتشر في عالمنا العربي، يتعرض فيها الأطفال مثل البالغين إلى مواقف وتجارب حياتية مخيفة وخطرة وخارجة عن سيطرتهم، قد تصيبهم شخصياً أو تصيب المحيطين بهم، فما بين جروح بليغة، وبتر أطراف، وحروق، وتشوه، وقتل، يقع الطفل في غيابة جب اضطرابات نفسية مختلفة تنتج عن هذه الصدمة التي تعرض لها، وتودي به إلى اضطرابات التفكير والسلوك والعواطف.

 

حروب تنتشر في عالمنا العربي، يتعرض فيها الأطفال مثل البالغين إلى مواقف وتجارب حياتية مخيفة وخطرة وخارجة عن سيطرتهم، قد تصيبهم شخصياً أو تصيب المحيطين بهم، فما بين جروح بليغة، وبتر أطراف، وحروق، وتشوه، وقتل، يقع الطفل في غيابة جب اضطرابات نفسية مختلفة تنتج عن هذه الصدمة التي تعرض لها، وتودي به إلى اضطرابات التفكير والسلوك والعواطف.

وقد صنف علماء النفس بصفة خاصة الصدمة النفسية التي تتركها الحروب لدى الأطفال تحت باب الآثار المدمرة؛ الأمر الذي حدا بالخبراء والمختصين بإجراء الدراسات المستفيضة للوصول إلى نتائج تساعد على العمل على العناية بالأطفال في وقت الحروب، وتأهيلهم وإبعادهم قدر الإمكان عن الآثار النفسية التي يمكن أن تلحق بهم فتؤثر في حياتهم بعد ذلك.

 

 

تُعرَّف الصدمة النفسية بأنها حالة من الأذى وعدم التوازن والاضطراب في المشاعر التي غالباً ما تؤدي إلى تأثير عقلي وجسدي ناتج عن رد فعل طبيعي للحدث الصادم الذي تعرض له الطفل في الحرب، والذي قد يؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية بعد ذلك.

وتكون الاستجابة للأحداث الصادمة فورية عند التعرض للحدث مباشرة، أو مؤجلة. وأبرز المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في الحروب والتي قد تسبب لهم الصدمات النفسية هي:

  • خطر اليتم بفقدان أحد أو كلا الوالدين
  • الموت أو التعرض لحدث يهدد الحياة حيث يوقن الشخص أنه ميت لا محالة، كانهيار المنزل فوقه وانحصاره تحت الركام.
  • فقدان واحد أو أكثر من أطراف الجسم، أو الإصابة الجسمية الشديدة.
  • النزوح والتشرد
  • الانفصال عن الأسرة
  • فقدان فرص الحصول على الرعاية الصحية الذي قد يعرض الطفل إلى الموت أو يترك مضاعفات طويلة المدى بعد الإصابة بجرح أو مرض لم يتم علاجه أو تعذرت مداواته
  • سوء التغذية
  • المشاهد العنيفة
  • الاضطراب في التعليم

ووُجد أن الطفل الذي تعرض لصدمة نفسية يقوم ذهنه باستعادة الأحداث الصادمة التي تعرض لها بعد ذلك، في أحد الصور التالية:

  • تخيُل الحدث الذي أدى إلى إصابته بالصدمة النفسية.
  • فكرة ما تطارد الطفل وتلح على تفكيره.
  • أحلام وكوابيس ليلية.
  • صورة سريعة تُعرض في ذاكرته فتذكر الطفل بالحدث.

 

 

وجد علماء النفس، أن ذاكرة الطفل تقوم بتخزين الحوادث الصادمة التي يتعامل معها العقل دون أن يعبر الطفل عن ذلك كلامياً، حيث نجد أن صعوبة تعبير الأطفال عن مشاعرهم وعن حالتهم النفسية التي يمرون بها بكلام واضح، هو ما يقف عائقاً أمام الكشف عن الاضطرابات النفسية لديهم. ويؤدي كل ذلك إلى مشاكل نفسية عميقة، إذا لم يقم الأهل والمجتمع المحيط بهم وذوو الاختصاص، باحتواء هذه الحالات ومساعدة الطفل على تجاوزها.

وتختلف الاستجابات بين الأطفال للصدمة النفسية، ولكن تظهر الأعراض التالية بشكل عام لدى الأطفال لتعبر عن الصدمة النفسية التي تعرض لها الطفل:

  • يجد الطفل صعوبة في النوم
  • يصحو خلال نومه على أحلام وكوابيس مخيفة ويتكرر ذلك باستمرار
  • لا تظهر الاعـراض أحيـاناً مباشـرة بعد الصدمة، فقد تظهر بعد أيام أو أسابيع على شكل خوف وقلق كبير عند فراق الطفل لأحد والديه أو كليهما.
  • تظهر على الطفل علامات توتر لم تكن موجودة سابقاً مثل؛ التبول الليلى، ومص الإصبع، وقضم الأظافر.
  • تسيطر على تفكيره وسلوكه ذكريات ما حدث.
  • يظهر عليه التشتت وضعف التركيز.
  • يصبح الطفل متوترا ولا يطيع التوجيهات من ذويه (لا يسمع كلام من هم حوله).
  • يعاني من أعراض جسمية بشكل متكرر دون أن تظهر تفسيرات جسدية لها، مثل صداع، وآلام معدة، ومغص.

تعتبر هذه المظاهر استجابة طبيعية نتيجة للتعرض لأحداث مخيفة وخطيرة، فبمساعدة الوالدين أو الاقارب والاصدقاء ودعمهم، يمكن أن يتجاوزها الطفل خلال فترة زمنية لا تطول في الغالب، حيث يشفى الطفل ويعود الى سابق حالته الطبيعية.

 

 

توجيهات للأهل حول التعامل مع الظروف المروعة التي يتعرض لها الأطفال:

  • عند حدوث الأحداث المروعة، على الأهل أن يحيطوا أطفالهم بالاطمئنان ولا يتركوهم عرضة لمواجهة الأحداث دون دعم نفسي، ويكون ذلك عن طريق الحديث المتواصل معهم وطمأنتهم، مع التركيز على بث كلمات الحب والاطمئنان.
  • تشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروع، خاصة في أوقات الغارات في حال وقوعها على مقربة منهم، فهذه اللحظة هي الأهم في حياة الطفل النفسية، وكلما تركناه يواجهها وحده يزداد تأثيرها السلبي بداخله على المدى القريب والبعيد.
  • عدم منع الطفل من البكاء أو الحديث عن ما يجري والاستفسار عنه. فمن الضروري أن نترك له العنان ليصف مشاعره ويعبر عنها، ويتحدث عن الحدث، وأن نعرف ما يدور في تفكيره في هذه الأوقات حتى لا تتراكم الصدمة.
  • تشجيعهم على الحديث للتعبير عن مشاعرهم مع اختيار الأسلوب والألفاظ التي يمكن للطفل استيعابها والتجاوب معها والانطلاق في الحديث منها.
  • ومن المهم أن يحافظ الآباء على تصرفاتهم؛ فيُظهروا رباطة الجأش، ويحاولوا المحافظة على الحالة الطبيعية والهدوء داخل الأسرة ليبثوا الثقة في نفوس أطفالهم.

بعض الاطفال الذين تعرضوا لصدمة شديدة وخطيرة أدت إلى إصابة الطفل إصابة بليغة أو أدت إلى فشله في التأقلم بعد ذلك، ونتج عنها خوف شديد ورعب ويأس وقلق نفسي استمر لبضعة أسابيع. واتضح بعد ذلك أن حالة الطفل تسوء بدلاً من التحسن، يحتاج الطفل إلى أخصائي نفسي يتابعه وقد يحوله إلى طبيب أخصائي يشرف على علاجه.

 

 

العلامات التي تظهر على الطفل وتنذر بتراجعه نتيجة الصدمة التي تعرض إليها، هي كالآتي:

  • استرجاع ذكريات الاحداث بشكل متكرر؛ حيث يقوم الطفل باستعادته للحدث وتكراره في فكره لبعض ثواني، وكأنه يعيش الحدث المفجع بشكل حقيقي مرة أخرى، فيستعيد شعور الرهبة والخوف.
  • يتجنب الطفل التفكير بالحدث وما يرافقه من انفعالات بشكل متعمد، مثل تجنب الطفل الذهاب للمكان الذي حدثت فيه صدمته النفسية لأنه يذكره بالحادث.
  • اضطراب النوم، فيصعب عليه الغرق في النوم بهدوء وسكينة، ويستيقظ على كوابيس مرعبة.
  • يبدو الطفل مُستفزاً بشكل مستمر، حيث يقفز منتفضاً لأقل ضوضاء، وتكون ردة فعله تشبه تلك التي يبديها من يتعرض للحادث.
  • لا يستطيع الطفل التركيز على دروسه، ويجد صعوبة في الانخراط في اللعب مع أقرانه، وفي بعض الحالات، تستمر هذه الاضطرابات مع الطفل إلى أن يكبر ويصبح شاباً.

 

أهم شيء في معالجة المشكلة هو تقبل الاضطراب الذى يحدث للطفل لأن ردة فعله هذه طبيعية، لهذا يجب السماح له بالتحدث عن ما حدث وحتى التعبير عن ذلك بالرسوم إن أراد.

أما الاعتقاد بأن لا نتحدث عن ما حدث مع الطفل لكي لا نذكِّره، فإن ذلك يعتبر تغطية للمشكلة واستبعاداً لها، وليس حلاً. التحدث مع الاطفال يساعدهم على التكيف والتعايش مع الخبرة المؤلمة، فسرد ما حدث بهدوء وتقييمه بشكل صحيح يمكن الطفل من استعادة السيطرة على عواطفه وسلوكه، مع ضرورة عدم إجبار الطفل على الحديث.

“أيها الذل المقيت، هلا رحلت عن ديارنا؟!”

 

في هذا الزمن الأغبر، الذي لم أجد وصفاً آخر يليق به، جبال كلون الليل تطبق على صدري، وتخنق أنفاسي.. أتعذب، أكتئب، كلماتي تغلي داخلي، وتوشك أن تنفجر وتسيل بركاناً ثائراً يحرق من يحاول كبته وإخماده.. أفتح حاسوبي، وأجلس أمامه محتارة عن ماذا سأكتب، وماذا ستصوغ حروفي الثائرة المتمردة هذه المرَّة؟

لن أكتب عن الأخلاق العالية.. ولن أكتب عن الحرية، أو الشجاعة، أو تطوير الذات والنجاح كما أفعل في كثير من المرات، ولن يكون مقالي عن قضايا المظلومين والفقراء والنساء والأطفال. ولكني سأكتب عن فنٍ بات يحترفه كثيرٌ من الناس، ولا أكون ظالمة إن قلت غالبيتهم.. سأكتب عن فن الذل بعد أن غدا فنَّاً مقبولاً له أصحابه وجماعته.

 

يولد الذل ويتأصل كنتيجة طبيعية للخوف الذي يعشعش في القلوب ويطوِّعها، ويغتال النفوس بعد أن يروضها ويسوسها لتتبعه وتسير على خطاه، فتنفذ أوامره بل وتحمده على جميل صنيعه، ليس هذا فقط.. بل تجد الخوف يخضع الناس ليمشوا إلى جانب “الحيط” يطلبون الستر.. فالخوف لا يفرِّخ إلا الذل الذي إذا تمكن من النفس فإنه يجعل صاحبها يستمرئ الموافقة على كل شيء يقوم به الظالم، بل يجري خلفه يبرر أفعاله ويصبغ عليها صبغة العقل والمنطق والخلق والدين.

ذل يُرغم الإنسان على قول “نعم” دائماً حتى وإن كانت هناك قوىً تتصارع داخل ذاته قائلة: “لا!”، رافضة لما يجري أمامه، تحرضه على إعلان الرفض، إلا أنه وبملئ إرادته يختار الـ”نعم”، رغم ثقته ويقينه بأنها ليست هي ما يريد، وليست هي ما يقصد، وليست هي ما يمثله، ويعكس رغباته ومبادئه..

ولكنه الخوف اللعين، الذي يجعله يتراجع في اللحظة الأخيرة عن إعلان الـ”لا” التي سيكلفه التعبير عنها ثمناً باهظاً قد يطال حريته أو روحه.. لأنه في عالم الذل لا مكان للرفض، إلا رفض الحرية والكرامة وباقي المعاني السامية، وما عدا ذلك هي الموافقة، والموافقة غير المشروطة فقط..

 

نحن نحيا الحياة مرة واحدة، فإما أن نحياها بكرامة عذبة المذاق، وإما أن نموت ميتة واحدة عزيزة.

 

قيل: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”، وأنا أقول: لو كان الذل رجلاً لقتلته، ليس فقط لأنني أمقته، ولكن لأن الذل يجعل الواحد منا يطأطئ رأسه عندما يجب أن يشمخ، ويذرف الدموع ويمضي بالعويل عندما يكون لزاماً عليه أن يبتسم رافع الرأس، ويخر راكعاً عندما يجب أن يصمد ويسمو بقامته..

فإن تمكن الذل من النفس، فإن كل شيء يهون على صاحبها، مهما غلا ثمنه وارتفعت قيمته. فلا يعود لشيء ثمن ولا لنفيس قيمة.. فمن ذل مرة عاش عمره ذليلاً، كمن ركع مرة قضى عمره راكعاً..

ورحم الله المتنبي حين قال:

مَنْ يَهُن يَسْهُلُ الهَوَانُ عَلَيْهِ *** مَا لِجُرحٍ بِمَيِتٍ إِيلَام

 

وفي بلادنا من المحيط إلى الخليج، يتذوق الإنسان العربي الذل يومياً أصنافاً لا تعد ولا تحصى، لها ألوان وأشكال مختلفة.. لن أوجع قلوبكم برسم صورها هنا، وتفنيد حالاتها، ولكني أنبهكم بأنه على الرغم من أصنافه وألوانه وأشكاله المتنوعة إلا أنها جميعاً تحمل ذات الطعم المر، الكريه على النفس، وخاصة النفس الحرة الأبية.. التي لم تُربّ على تذوقه وتقبله..

وكم يؤلمني ويوجع قلبي أن أجد كثيرين يستسيغون مرارته، ويتقبلون طعمه النتن تحت حجج شتى ومسميات لا حصر لها، ليس أولها لقمة العيش، وليس آخرها الحفاظ على الأمن والسلامة لأنفسهم ولمن حولهم. وإلا بماذا تفسرون ركوعهم أمام الظالم وسكوتهم عن حقهم المهضوم؟ وماذا تسمي طأطأتهم لرؤوسهم كالعبيد أمامه وأمام أتباعه؟ وبماذا تصف تقربهم منه وتقبلهم لكل ما يصدر عنه؟ أليس ذلك كله استمراءً للذل؟

ولأن الله خلقنا أحراراً لا نستكين، فلماذا نرضى الذل لأنفسنا؟ ولماذا نرضى بأن يعشش الخوف في قلوبنا، فيبيض ويفرخ داخلها؟ نحن نحيا الحياة مرة واحدة، فإما أن نحياها بكرامة عذبة المذاق، وإما أن نموت ميتة واحدة عزيزة.

وإلى كل حر يأبى الذل على نفسه وأمته، الحر الذي طرد الخوف من نفسه، وقرر أن يعيش شامخ الرأس مرفوع الجبين، فغضب لكرامة أمته المهدورة، فلم تثنه فداحة الثمن الذي سيدفعه.. وإلى مقاومي فلسطين، وأرواح شهدائها، وأرواح شهداء الحرية والكرامة من كل الأقطار العربية، وإلى روح محمد البوعزيزي… أهدي قصيدة الشاعر التونسي “أبو القاسم الشابي”:

 

خلقت طليقا كطيف النسيــــم *** وحرا كنور الضحى في سمــــــاه

تغــــرد كالطير أيـــــن اندفعـــــت *** وتشدو بما شاء وحـــــي الإله

وتمـــــرح بيـن ورود الصبـــــــــاح *** وتنعم بالنــــــور أنى تــــــــــراه

كـــذا صاغك الله يا ابن الوجـــــود *** وألقتك في الكون هذي الحياة

فمالك ترضــــــــى بذل القيــــود *** و تحني لمن كبلوك الجبــــــاه

وتسكــــت في النفـــس صــــــوت *** الحياة القــــــوي إذا ما تغنى صـــداه

وتطبــــــــق أجفانـــك النيــــرات *** عن الفجر والفجر عذب صـــداه

وتقنـع بالعيــــــش بين الكهـوف *** فأين النشـــيد وأين الأُبــــــــاة

أتخشى نشيد السماء الجميل *** أترهب نور الفضا في ضحـــــاه

ألا انهض وسر في سبيل الحياة *** فمن نام لم تنتظره الحيـــــــاة

بعد أعوام طويلة من التحرش

 

نشعر أحياناً بأن من يتحدثون عن الآثار النفسية للعدوان على الأطفال بأشكاله المختلفة يبالغون، ويشطحون، فالأذى ينتهي بانتهاء تعرض الطفل للمؤثر السلبي، إلا أن الواقع والتجارب الشخصية والدراسات تثبت أن الأذى لا ينتهي بانتهاء الواقعة، بل يمتد أثرها لسنوات طويلة قد تصل للعمر كله. وفي ما يلي أحد الأمثلة الواقعية، حيث تقول سيدة في السابعة والأربعين من العمر:

كنت في السابعة من عمري عندما ذهبت إلى مكتبة أشتري دفتراً وقلماً، وخلال نظري للرفوف وبحثي عن ما أحتاج، رأيت البائع يفك زر سرواله، ويفتح السحَّاب وينزل ملابسه قليلاً، ويهز جزءا من جسده لا أعرفه، فأنا صغيرة ولم يكن لي إخوة ذكور يصغرونني لأرى أعضاءهم وأتعرف عليها. شعرت بخوف دفين لا أعرف له سبباً. ابتعدت عنه، ولكنه لحق بي، وعاد يقترب مني.. خفت أكثر، برغم أني لم أدرك ماذا يجري، وراح يقول لي: كم أنت جميلة.. لم تعن لي هذه العبارة شيئاً، فلم يكن حينها للجمال أدنى أهمية في اعتباري.

كنت أهرب لإحدى الزوايا فيتبعني وهو يتصرف بطريقة غريبة لم أدرك معناها، ولقلة وعيي، لم أهرب إلى الخارج أو أصرخ لطلب المساعدة، كان هدفي الدفتر الذي يجب أن أكتب الواجب المدرسي عليه حتى لا أتعرض لعقاب المعلمة.

ولولا أن الله سلَّم لكانت حياتي قد أخذت منحى آخر. فقد حضر إلى المكتبة رجل كبير في السن لا أعرفه، ولا أدري إن كان قد لاحظ وجود خطأ ما أم أنها الأقدار المكتوبة هي التي ساقته إلى هذا المكان لينقذني من كارثة. فقد أمر الرجل صاحب المكتبة بحزم أن يعطيني ما حضرت لأجله.. ضممت الدفتر والقلم إلى صدري ورحت أعدو عائدة إلى البيت وكأن شيئاً لم يكن.

لم أخبر أحداً بما جرى معي، فلم تعلم أمي أو أبي أو جدتي، لأنني لم أكن أعلم بأنني يجب أن أفعل، وببراءة الأطفال نسيت الموضوع تماماً، أو هكذا اعتقدت. ومضت بي الأيام.. فأصبحت كثيرة الاستيقاظ ليلاً على كوابيس ليلية تثقل كاهلي، وتعكر صفو حياتي.. برغم أني في النهار لا أذكر شيئاً منها.. ورحت أخشى الذهاب لأي مكان وحدي، وأفضل البقاء في البيت. وتأصلت في نفسي كراهية ذلك الشخص وخوفي من الأماكن المغلقة.

ونضجت وغدوت شابة ترفض الذكور تماماً وترفض كل ما يمت لهم بصلة، حتى فكرة الزواج كانت هاجساً يؤرقني ويسبب لي الخوف الدائم من أن أُضطر للرضوخ لضغوط والدتي وإلحاحها عليَّ بأن أقبل الزواج ممن كانت تراهم يناسبونني.. وأيضاً دون أن أعلم لماذا..

وشرعت في دراستي الجامعية في علم النفس حين رحت أربط سلوكياتي من رفض للذكور وكوابيسي الليلية المتكررة. كانت أحلاما مختلفة، أرى فيها وجوه رجال يقتربون مني، نظراتهم تخيفني وتربكني، يحاولون لمس جسدي. استيقظ، أصرخ، أبكي…

وانتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي بالزواج، دون أن تتوقف تلك الكوابيس، ودون أن أتوقف عن الاستيقاظ مذعورة باكية في جوف الليل، ليستيقظ زوجي باذلاً ما بوسعه ليطمئنني ويهدئ من روعي.. وأيضاً دون أن أدرك السبب وراء ما يجري.

وفي ذات يوم، فجأة ومن دون مبرر منطقي، استعدت ذكريات ذلك اليوم الطفولي، فعادت تحتل جزءاً من وعيي، ورحت أفندها، وأحللها، فربطت بين ما حدث لي في طفولتي وبين كوابيسي الليلية المرعبة، والرجال الذين يطاردونني ويحاولون لمس جسدي فيها. علمت أنني وبلاشعور مني، قمت بإزاحة تلك التجربة إلى الجزء اللاواعي من عقلي، لأوهم نفسي بأني نسيت، أو أنها لم تؤثر بي، بيد أن ذلك لم يكن الحقيقة.

أدركت في وقت متأخر جداً مدى تأثير ما حدث معي في تلك المرحلة من عمري في نفسيتي، فالأذى لم ينتهِ بخروجي سالمة من المكتبة، وإنما امتد ليؤثر فيَّ لسنوات طويلة تعذبت خلالها دون أن أعلم أين يكمن الخلل.

وأقول قبل أن أترككم: لو أن تلك المرأة تلقت علاجاً نفسياً في ذلك الوقت، لربما انتهى التأثير السلبي لما حدث، واقتصر على الأيام الأولى.