مجتمعمدونات

كيف نبدأ عاماً دراسياً ناجحاً؟

بدأ العام الدراسي الجديد في عدة دول عربية، وليس مؤكدا ما إذا كانت هناك استعدادات له، وإن تجهز المؤسسة الرسمية أدواتها ومكانها، والمؤسسة الأسرية تستجيب لمتطلبات المؤسسة الرسمية. ولكن الأكثر أهمية لم يتم الاستعداد له ولم يفعل، فالمجتمع عادة ما يبقى محايدًا سوى من حركة تجارية بسيطة، وكذلك الطلبة أنفسهم يبقون في انتظار العودة إلى المدرسة من دون العناية الكافية بحاجاتهم النفسية، وحتى المادية.

قد تكتفي المدرسة ومعلّموها بما فعلوه من نظافة المدرسة وسلامة مرافقها، إضافة إلى تجهيز الأدوات والمواد والبرنامج الدراسي، وخصوصا قواعد التأديب والعقاب. وقد يكتفي الأهل بما جهّزوه من أدوات وكتب وشراء بعض المستلزمات، وهذا أقصى ما يقدّم من الأسرة لأبنائها. وعادة ما لا يهتم أحد بما عليهم فعله لبدء عام دراسي جديد متفائل.

فما المطلوب فعله؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من سؤال آخر: ما الذي تحتاجه المدرسة والمجتمع والأسرة لتقديمه للأطفال؟ معروفٌ أن الطلبة الجدد يلتحقون بمدرسة، وهم يحملون عنها ذكريات أو معلومات ليست مشجعة! فهي مكان يقضي فيه إخوانهم عددا من السنوات مع معلمين كثيري التطلب. يتعاملون بقسوة، وربما استعلاء، وقد يتآمرون مع الأهل لمحاصرة الطلبة في الدراسة والواجبات والعقوبات.

ونادرًا ما ينقل الطلبة إلى الأسرة أي ذكرياتٍ إيجابية، فالمدرسة في ذهن الطفل المستجد مكانٌ لا تغمره السعادة: نظام، قسوة، جدّية. وتسوده قيم غير شعبية، مثل الجد والاجتهاد. وعدم إضاعة الوقت والأصحاب الأشرار وعدم اللعب بغير ذلك. كما تسوده قيم من قبيل “في الامتحان يكرم المرء أو يهان”، و”من جد وجد ومن زرع حصد”. إنها قيم المسؤولية التي لم يعد أطفالنا لها، ولذلك يعتمد المستجد أنه ذاهب إلى مكانٍ غير مرغوب فيه.

أما الطلبة الذين خبروا المدرسة وحياتها، فإن خبراتهم بها مباشرة، لم يسمعوا عن المدرسة، لكنهم عاشوها، وعرفوا معنى البرنامج المدرسي والهدوء والجلوس من دون حركة، والامتحانات والواجبات والممنوعات التي تملأ ساحات المدرسة وغرفها الصفية، فقد أنتج المعلمون، على مدى تاريخهم، ثقافة مدرسية قليلة البهجة. وليس سرًا أن الطلبة يبتهجون بأي مناسبة تبعدهم يومًا عن المدرسة، حتى لو كان مرضًا حصلوا بسببه على إجازة طبية، كما ليس سرًا أن معظم الطلبة يمزّقون كتبهم بعد تقديم الامتحان. ومن المؤسف أن أي نظام لم يسأل نفسه لماذا يمزّق الطلبة كتبهم. 


إذن، المشكلة أننا نتعامل مع طلبةٍ لا يرون في مدارسهم المكان المناسب للمتعة والحياة المطلوبة، وقد يرون في بعض المدارس خلاف ذلك من صنوف القهر والكبت. المرجو هنا أن تكون السطور أعلاه قد نجحت في توصيف المشكلة: طلبة ابتعدوا عن مدارسهم في عطلة صيفية ثلاثة أشهر، وعليهم أن يعودوا تسعة أشهر إلى حيث لا يرغبون. هذه هي المشكلة، وقديمًا قالوا إذا عرفنا المشكلة عرفنا طريق الحل، فما المطلوب عمله لإدماج الطلبة في حياة مدرسية جادّة، بعد أشهر من الحياة التي قد تكون أفضل؟ إذا اعترفنا بالمشكلة، فإن مواجهتها تتطلب تضافر الجميع، الأسرة والمدرسة والمجتمع. 


الأسرة أولاً مطالبةٌ بتهيئة ظروف العمل، فالطالب عامل، يحتاج إلى مكان هادئ وأدوات العمل وظروف العمل، وظروف عمل مريحة من ألوان وإضاءة وتهوية ونظافة واستقلالية.. هل هذا يتوفر في منازلنا؟ يحتاج إلى مكتب خاص، ومكان خاص لتنظيم أدواته، هذا على المستوى المادي. وتتفاوت إمكانات الأسر لتوفيره، ولكن المطلوب: ماذا يمكن أن تقدّم الأسرة نفسيًا لأبنائها الطلبة؟ وهل لدينا مجلس للأسرة لمناقشة قضايا تهمها؟ سواء وجد هذا المجلس أم لا، فإن المطلوب اجتماع أسري لوضع قواعد تتعلق بمواعيد عامة للجميع، مثل مواعيد الطعام، والزيارات والاستقبالات، ومشاهدات، ولقاءات.. إلخ.

وقواعد تتعلق بمواعيد النوم والصحو. وقواعد تتعلق بمواعيد الدراسة والواجبات، ولقاءات الأصحاب، والخروج والعودة. ويمكن أن تترجم هذه القواعد في ما تسمّى خطة الطالب الأسبوعية، بحيث يتمكّن الطالب من وضع خطة أسبوعية، تتحدد فيها أوقات الصحو اليومي، والاستعداد، والفطور الصباحي، ووقت انتظار “باص المدرسة” أو الخروج إلى المدرسة، ووقت العودة من المدرسة، وأوقات الغذاء، والاستراحة والعناية الشخصية، كالاستحمام وغيره، وأوقات الدراسة والواجبات المدرسية واللقاءات العائلية والهوايات الشخصية (رياضة، لقاءات اجتماعية، التسلية …)، ووقت النوم.


وتنطبق هذه القواعد على أيام الدراسة من الأحد إلى الخميس. أما وقت عطلة نهاية الأسبوع فيمكن أن يخطط بعناية أيضا بتوزيعه إلى وقت خاص للطالب إنسانا له حاجات اجتماعية ونفسية. ووقت الطالب مع الأسرة: زيارات، استقبالات، اجتماعات. ووقت الطالب كطالب: واجبات، دراسة، استعداد. وهكذا، يجب أن توضع هذه الخطة قبل بدء العام الدراسي، وبالتشارك، ويكون للطالب دور أساس في وضع محتوياتها وتنظيم أوقاتها. ومن المهم أن تنفذ هذه الخطة ما أمكن، وتشرف الأسرة على التزام أبنائها بها، كما تراجع هذه الخطة باستمرار للوصول إلى خطة قابلة للتنفيذ. 


والدور الثاني هو دور المدرسة، فالطلبة يأتون إليها بعد أشهر من الابتعاد، فهم بحاجة إلى معرفة قواعد العمل المدرسي، واحترام القيم الدراسية. ولذلك تكون الأيام الأولى، ربما قبل بدء العام الدراسي، توجيهية لتهيئة الطلبة للعمل الجاد، ربما تستمر هذه الفترة أسبوعًا: يوم للفرح وللبهجة والنشاط، وإثبات الذات والتعبير الحر عن الذات. طبعًا هذه ما يجب أن يمتد عبر جميع أيام السنة الدراسية، فالمتعة ليست موسمية، والنشاط التعليمي الممتع هو الذي يجعل الحياة المدرسية فاعلة.

يوم لوضع القواعد والإجراءات، مدرسية أم صفّية، وتوضع هذه القواعد بمشاركة الطلبة، وبرضاهم عنها. يوم للتدريب على احترام القواعد والإجراءات، فالمسألة ليست مجرد قواعد نظرية. يوم لاختيار الأنشطة التعليمية، وتشكيل المجتمعات الطلابية. يوم احتفالي عام. .. هذه بداية الدراسة، وهذا ما يوفر متاعب كثيرة، فالدراسات تفيد بأن 10% من جهد المدرسة يصرف على معالجة مشكلات ناتجة عن سوء الفهم أو عدم الفهم. كما أن وقتًا مماثلاً من كل حصة دراسية قد يصرف على قضايا ضبط الصف أو إدارة الصف. 


والدور الثالث للمجتمع، والذي يمكن تحديده بالاحتفال بالعام الدراسي وإقامة فعاليات خاصة: إعلامية وفنية وثقافية قبل العام الدراسي، توجه لتحفيز الأسرة والمدرسة والطلبة على بدء عام دراسي جديد. 
هكذا نبدأ عامنا الدراسي، فليس هناك مجال للارتجال.

ذوقان غبيدات

خبير تربوي أردني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.