مدونات

هل يحتاج الناس إلى أن يكونوا أحرارًا أم سعداء؟

بسردٍ منمّق يمزج في سطوره بين الخيال العلمي والفانتازيا وفوضوية المدينة الفاسدة، انطلق ألدوس هكسلي، عام 1931، ساردًا أحداث روايته الجديدة حينها التي تتحدث عن مجتمع مستقبلي متخيل، حيث يسيطر العلم على حياة البشر، وتختفي المشاعر الإنسانية.

وفي ظل الديستوبيا التي تسود المجتمع، تتم السيطرة على الناس من خلال السيطرة على التكاثر، حيث يتم إنتاج أطفال محددي الوظائف والرغبات، وهو ما يسلبهم حريتهم مستقبلًا ويضعهم تحت رقابة منهجية وموضوعة سلفًا. صحيح أن المجتمع في الرواية يحظى فيه الجميع بالسعادة، وهو على عكس ما اعتدناه في أدب الديستوبيا أو أدب الواقع المرير، لـكن هكسلي هنا يضع الإنسان مخيّرًا بين أمرين: هـل يحتاج الناس إلى أن يكونوا أحرارًا أم سعداء؟

على الرغم من أن رواية (عالم جديد شجاع: Brave New World) قد كُتِبَت ونُشِرَت في بدايات القرن العشرين، حيث لم يكن التقدم العلمي قد وصل بحياة البشر إلى ما هو عليه الآن، فإن الرواية تعبّر عن الخوف من سيطرة العلم والتكنولوجيا على الحياة، حيث تتحدث عن عالم لا توجد فيه أي عاطفة، كل شيء يتم بشكل آلي ومؤتمت، لدرجة أن البشر قد وصلوا إلى حد التخلي عن الزواج من أجل الإنجاب، حيث يكون صنع الأجنة بطريقة علمية بدلًا من تكونها في الأرحام.

في هذا العالم الجديد، لا وجود للفردية أو الاختلاف الشخصي، إذا أراد الفرد شيئًا فإنه لا يفكر فيه ولا يسعى إليه، وإنما يكفيه أن يضغط على زر أو أن يدير مقبضًا، كي يتحقق له ما يريد. وعلى الرغم من هذه السهولة المطلقة فإن الشعور بالملل والخواء العاطفي والديني يسيطر على نمط حياة الأفراد.

أحداث الرواية تبدأ عام 2500 بالتقويم الميلادي، لكنها تعرف هنا بعام 635 بالتقويم الفوردي (طبقًا للرواية)، حيث يبدأ الكاتب بوصفه للبناية الرمادية التي لا يزيد ارتفاعها عن أربعة وثلاثين طابقًا، وقد كُتِبَ عليها “مركز وسط لندن للتكييف والتفريخ”. هذا هو الوصف المبدئي لمصنع البشر، حيث يتم توليد الأجنة في أنابيب زجاجية بواسطة تقنيات متطورة، وحيث تتم عملية (بوكانوفيسكي) للنمو والتكاثر من خلال تقسيم البويضة الواحدة إلى ستة وتسعين برعمًا.

فينمو كل برعم ليشكل جنينًا مكتملًا، وبعد التحكم الجيني يأتي التدريب المخصص لكل طبقة كي تناسب وظائفها فيما بعد، وهي سعيدة وراضية بدورها الذي تقوم به، في ظل هذا المجتمع المؤتمت، حيث يتم تقسيمها إلى 5 طبقات طبقًا لاحتياجات المجتمع، هي: ألفا (وهي الطبقة الأعلى، والأكثر ذكاءً وجمالًا)، بيتا، جاما، دلتا، وأخيرًا.. إبسيلون (وهي الطبقة الأقل في كل شيء). هذا التقسيم يحيلنا إلى ما ظهر لاحقًا عبر فكرة العرق المتفوق، وهذا ما تأكد بعد سنوات من نشر الرواية، حيث ظهرت النازية، ثمَّ تبلورت فكرة الداروينية الاجتماعية.

من أجواء المصنع، ينقلنا هكسلي إلى شخصية “برنارد ماركس” الذي يقرر اصطحاب الفتاة (لينينا) -وكلاهما من الفئة ألفا- في رحلة إلى مقاطعة شعوب البدائيين الذين ما زالوا يعيشون حياة طبيعية، بعيدًا من تأثيرات التكنولوجيا وتطبيقات العلم الحديث. هناك يلتقيان بـ “جون” وهو شخص مثقف، قرأ جميع كتب شكسبير، وينحدر من أبٍ من العالم الجديد، يدور بين ثلاثتهم حديث شيق ينتهي باصطحابهم له إلى عالمهم.

وهناك يتعرف إلى نمط المعيشة في لندن، وتتطور الأحداث عبر شخصيات جديدة تدخل على خط الحكاية، لكنه سرعان ما يشمئز من انحلال الأخلاق في ذلك المجتمع، فيتحمل مسؤولية تصحيح المفاهيم الخاطئة، ويدعو الناس إلى التحرر وترك حبوب السوما، وهي حبوب يتناولها الناس كي يشعروا بالسعادة، فيدعوهم لاسترجاع الفضائل والقيم وعيش حياة طبيعية بعيدًا من هذا العبث، لكن محاولاته تبوء في النهاية بالفشل ليقرر الانعزال في جزيرة نائية.

الرواية التي تم نشرها بعد عام من كتابتها، وتحديدًا في العام 1932، صُنِفَت تحت ما يعرف بأدب ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد اقتبس هكسلي الاسم من عبارة في مسرحية (العاصفة) للكاتب ويليام شكسبير.

ألهمت رواية (عالم جديد شجاع) العديد من الأدباء وصناع الأفلام السينمائية، مثل: The Island، وHunger Games، وكذلك نرى أثرها في روايات عدة، منها “الجامحة” و”الواهب” لـ “لويس لوري”. وقد تم تجسيدها تلفزيونيًا مرتين، أولاهما كانت في عام 1980، في فيلم تلفزيوني من إخراج بيرت برينكرهوف، والثانية في عام 1998، في فيلم تلفزيوني آخر من إخراج ليزلي ليبمان ولاري وليامز. كما أن تأثير رواية “هكسلي” نجده واضحًا في رواية 1984 لجورج أورويل، التي نُشرت عام 1949.

وهنا تجدر الإشارة إلى المقارنات العديدة التي عُقِدَت بين روايتي هكسلي وأورويل، فكلاهما تشترك في توقع مستقبل تهيمن فيه الحكومات المركزية على المجتمعات، لكن ثمة اختلافًا جوهريًا بينهما، ففي حين كانت رواية (عالم جديد شجاع) تتحدث عن الأنظمة التي تخضع مجتمعاتها عن طريق المخدرات وسبل الإلهاء الجالبة للسرور والسعادة، فإن رواية 1984 لأورويل، كانت تتحدث عن الهيمنة باستخدام القوة الغاشمة والتعذيب والتحكم في الذهن بغرض الإخضاع. وقد أرسل هكسلي، في تشرين الأول/ أكتوبر 1949، رسالة إلى أورويل بعد أن قرأ روايته، أخبره فيها بأنه يعتقد أن حكام المستقبل سيكونون أكثر كفاءة في الإمساك بزمام الحكم.

إذا أحجموا عن استخدام القوة الغاشمة وسمحوا للمواطنين بالبحث عن المتعة بأنفسهم، مما يمنحهم شعورًا زائفًا بالحرية، وتابع: “أعتقد أن زعماء العالم في الجيل التالي سيكتشفون كفاءة التنويم المغناطيسي بالمخدرات، وما إليها كأدوات سيطرة يستعيضون بها عن الهراوات والسجون، وأن شهوة السلطة لها إغراء يجعل العامة يتغنون بروعة عبوديتهم من تلقاء أنفسهم..”، ويمكن القول إن نبوءة كلا المؤلفين قد تحققت الآن بالفعل بالنظر إلى المجتمعات المعاصرة، فرؤية هكسلي قد تحققت في المجتمعات الغربية، في حين أن تصور أورويل قد شاع في الدول الشيوعية السابقة، وقد تمت الإشارة إلى ذلك في مقالات عديدة، منها مقال لـ “هكسلي” نفسه بعنوان “إعادة نظر في عالم جديد شجاع”.

المستقبل المتخيل في رواية هكسلي متطور ومعقد، لكنه في الوقت ذاته قاتم ومخيف، تتم فيه سيطرة الحكومة العالمية -التي أنشئت بعد حرب السنوات التسع الكارثية والانهيار الاقتصادي الكبير- على العقول بطرقٍ علمية وأساليب نفسية وسلوكية متطورة، كي يتلاءم الأفراد مع وظائف حُدِدَت لهم داخل المجتمع. أما المجتمع فهو نفسه مجتمع مجحف، نادر القيم البشرية وخال من النظم الاجتماعية كالأسرة والخصوصية، وكل محاولة لكسر هذا الواقع تُقابل بردات فعلٍ رافضة، حيث يرفض الجميع التخلي عن السعادة مقابل مفهوم دخيل يدعى الحرية، فالحكومة العالمية تقوم على تأكيد مفهومها الفائق “المجتمع والهوية والاستقرار”، حيث يتم التضحية بالفن والأدب والحرية لضمان تحقيق الهدف النهائي المنفعي، وهو تعظيم السعادة المجتمعية، التي تشكل سبيلًا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وهو أعلى فضيلة اجتماعية طبقًا للقيم السائدة في ذاك المجتمع.

لقد سجل هكسلي شكوكه ومخاوفه من أن يتمكن التقدم العلمي من السيطرة على حياة الناس وتحويلهم إلى أتباع له، مسلطًا في الوقت نفسه مزيدًا من الضوء على السلبيات الموجودة في بعض المجتمعات التي تبدو ناجحةً في ظاهرها.

في العام 1958؛ نشر هكسلي كتابًا جديدًا جعل عنوانه (زيارة عالم جديد شجاع، مرة أخرى)، معتبرًا أن هذا الإصدار الجديد ضروري لسبب منطقي، وهو أن الكتاب الأول وضع تنبؤات لتصوراته لما سيكون عليه العالم بعد أكثر من خمسة قرون، كانت توقعاته مملوءة بالأبعاد السياسية والإسقاطات الرمزية، فإن العالم -بحسب ما قاله هكسلي في الكتاب الثاني- قد سار فعليًا في اتجاه ما كان قد تخيّله له، وبأسرع بكثير مما توقع، لذا حمل الكتاب الجديد نوعًا من التعليق على الرواية الأولى.

لكن هكسلي هذه المرة كان أقل تشاؤمًا، وكان علميًا أكثر مما هو روائي، فراح يحلل بشكل منطقي الأسباب التي جعلت عالم أواخر الخمسينيات في القرن العشرين، يبدو شبيهًا بما كان العالم سينتظر خمسة قرون أخرى حتى يصل إليه، وأعطى أمثلة على التزايد المرعب في عدد السكان، وبداية ابتكار وسائل للحد من هذا التزايد، وكذلك التقدم المرعب للعلوم والتكنولوجيا، وانهيار الأيديولوجيات الخيالية، إضافة إلى موضوع انتشار العقاقير والمخدرات التي تنتزع المرء من إنسانيته، وتحوله إلى آلة تدار، وما إلى ذلك من توقعات صارت حقيقة.

لقد نشأ هكسلي في مناخ ووسط أسري، أهّله للتميز والتفرد في كتاباته، فهو ابن الكاتب والمدرس ليونارد هكسلي، وحفيد عالم الحيوان توماس هنري هكسلي، كان مهتمًا بالموضوعات الروحية والتصوف الفلسفي والباراسيكولوجى، كان ضد الحرب، وقد اعتُبر في بعض الدوائر الأكاديمية قائدًا للفكر الإنساني الحديث، ورُشِحَ سبع مرات لجائزة نوبل.

تعدّ رواية (عالم جديد شجاع) أهمّ وأشهر أعمال هكسلي، وقد كتبها خلال فترة عيشه بين فرنسا وإنجلترا، وقد أُدرجت في عام 1999 في المرتبة الخامسة في قائمة أفضل 100 رواية باللغة الإنجليزية في القرن العشرين، كما أنها كانت مدرجة في الرقم 87 على قائمة (بي بي سي) لاستطلاع القراءة الكبرى حول العالم. وعُدّ هكسلي واحدًا من أعظم الكتاب الإنجليز وأحد أهمّ الأصوات الأدبية والفلسفية في القرن العشرين.

لقد نجح “ألدوس هكسلي” في أن يختصر السلبية في المجتمع البشري عبر روايته، وبيّن كيف يمكن أن تبدو الأمور ناجحة والكل يبدو راضيًا، لكنهم داخليًا يرفضون الأمر، لأن السعادة في الرواية تتطلب مصادرة حرية الإنسان، فهي سعادة آلية محضة، لا توجهها الميول الشخصية أو الرغبات، وإنما تُفرض على النفوس فرضًا، وهنا يبرز التساؤل: هل يحتاج الإنسان أكثر إلى السعادة أم إلى الحرية؟ وما هو تعريف السعادة؟ ماذا سيحدث عندما يصل الإنسان إلى درجة التوقف عن التفكير، لأن الآلة تفكر عنه؟ وهل ستنتصر مساوئ التقدم العلمي حتمًا على فوائده، ويصير العلم سلاحًا لعبودية الناس؟!

أحمد مصطفى الغـر

كاتب وناشط مصري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق