مدونات

في مصفوفة الظلم

ا يزال تلميذ ابن خلدون، محمد بن أحمد الأسدي، يستخدم مفردات المدرسة الخلدونية على سنة أستاذه؛ فيتوقف عند مسيرة الظلم والظلمة، ليؤكد من خلال نظريته عن الفساد الذي يشكل، مع انتشاره، بيئة خصبة للظلم، ومصفوفة آثاره والنتائج المترتبة عليه، إن المقولة المفتاحية لابن خلدون “الظلم مؤذن بخراب العمران” كانت شعارا لسنة ماضية، وجدت تنويعات من تلامذة المدرسة الخلدونية، فيشير الأسدي إلى أثر الظلم وما يخلّفه من مصائب وحوادث تعصف بالمجتمع.

وتودي بكل مظهر من مظاهر العمران فيه؛ إن تزايد الظلم وتراكمه يعدّان مؤشرين على خراب العمران، ليشكل الظلم بحق عملية تخريب ممنهجة ومنظمة بحق الناس والمجتمع من هؤلاء الذين اعتادوا الظلم والعدوان والطغيان.يشخّص الأسدي هذه الأحوال في ما يرى من أزمات، انطلاقا من الآية القرآنية: (ولنبلوَنّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات).

فقد “وقع الوباء ونقص الأنفس بالطاعون في مبتدأ وقوع هذه الحوادث والآفات، ثم أعقبه الغلاء والجوع ونقص في الثمرات؛ ونقصت الأموال من أصولها، وعظمت مصائب الحوادث من كثرة المظالم وتفريعها، ووقعت موجبات الخوف بعد الأمان، وطالت مدة البأس والغلاء، وعظمت الشدة من الجهد والبلاء.

وانكشفت أحوال كثير من الناس في كثير من البلدان، ومع ذلك لم يحصل الارتداع، ولا الرجوع عن الطغيان، من أقوام هم الأصول في إنشاء أنواع الظلم والعدوان”. فعلى الرغم من وقوع موجبات الخوف، وطول مدة البأس والغلاء، وعظم الأزمات واستمرار حال الشدة والبلاء، وانكشاف أحوال الناس من جرّاء الجهد العظيم والظلم المقيم، فإن حال الأزمة واستحكامها لا يشفعان لدى المستبدّين والطغاة فيستمرون في مزيد ظلمهم، وتتراكم أحوال استبدادهم وطغيانهم، فلا يرتدعون أو يراجعون أو يتراجعون، بل هم منخرطون في صنوف ظلمهم وممارسات طغيانهم. ببساطة شديدة، لأنهم من استمراء تلك الحالة المفعمة بالظلم التي صارت ديدنا لهم وأسلوبا فهم على حد تعبيره “من أقوام هم الأصول في إنشاء أنواع الظلم والعدوان”، ارتبطوا بالظلم وتعلق الظلم بهم.


الكوارث بوقوعها، والأزمات باستحكامها، تفترض من أهلها الاعتبار بها ومنها، إلا أن ذلك لا يقع لغفلةٍ تحكمت ومفاسد استحكمت “وإذا لم يحصل الاعتبار والرجوع بما حدث من البلاء وحصول الطواعين والأسقام والآلام، وشدة الجهد، والجوع والغلاء، فلا يحصل الاعتبار إلا بأعظم حادث وأشد ابتلاء، لأن الغفلة قد تحكّمت، والمفاسد قد استحكمت، والمخاوف قد ازدحمت، لا سيما وقد طمعت واستطالت الأعداء، وحصل الإنذار والإرجاف، وتفاقمت الحروب والفتن في الأطراف، وخرجت الأعداء.

وإنما ذلك لضعف الأمر، ولنقص الحكم، وفساد السياسة، وسوء التدبير، وظهور أسباب الأذى عن تعمد لكثرة الإهمال، وعدم التفقد ووجود التقصير، ألا إلى الله تصير الأمور، وهو بكل شيء بصير، ولا تخفى عليه خافية ويجازي على القليل والكثير، وهو عليم بذات الصدور”. إنها السنن تفعل فعلها لا تحابي أحدا، وتعطي إلا من وعى بها وسعى لها سعيها، فالضعف البادي وقصور الحكم وفساد السياسة وسوء التدبير والتسيير وكثرة الإهمال والتقصير، ذلك كله لا يكون معه صلاح أو فعالية في عمليات تغيير.


ومن الظلم البادي ألا تقوم الدولة بجوهر وظائفها، أو ربما تقوم بعكس مقصودها، وبالضد من الاضطلاع بأدوارها الحقيقية والجوهرية، فقيام الدولة بوظائفها مسؤولية يجب أن تنهض بها، ويجب أن تضع نصب أعينها مصلحة رعاياها وشعبها المتعارف عليها “فلا بد من التفقد لأحوالهم، والتطلع إلي أخبارهم، وما يصدر منهم، وما يجب من تعديل ميلانهم، وتثبيت قواعد أركانهم، والنظر في أمورهم، وإصلاح شؤونهم، والذبّ عنهم، والشفقة عليهم، وإظهار البر والإحسان إليهم”. ويري أيضا ضرورة مد يد العون والمساعدة للأفراد الذين لا يستطيعون التكفل بأساسيات الحياة لأسرهم، لسوء أحوالهم الاقتصادية. يقول الأسدي: “ولا بد من حسن النظر في حال من له عيال وليس له مال”؛ ضرورة قيام الدولة بوظائفها التي تخدم من خلالها مصالح رعاياها، وتدعم أسس شرعيتها واستقرارها. 


فإذا فرّط من كان مسؤولا، وأهمل من تولى، فقد ارتكب ظلما وفسادا عظيما، ذلك “أن إهمال المسؤولين كان السبب في حدوث الفساد، لأنهم انشغلوا بجمع الأموال، وأقبلوا على الدنيا، وانشغلوا عن النظر في شؤون رعاياهم، وتتمكّن هذه الحالة من الظلم والفساد بتأثيرها الطاغي على القيم والسلوك داخل المجتمع، حيث إنه يؤدي إلى فساد القيم وفساد السلوك، ويفسد الفطرة النقية.

“ومن الأسباب المتقدّم ذكرها، وقوع الإهمال في كثير مما يجب من الأعمال، اغتراراً بسعة الإمهال، وتشاغلا بالزهرة الفانية، (أي الدنيا) وجمع الأموال، مع تعطيل كثير من الأسباب المانعة من العمارة، وعدم الالتفات إلى نتائج الحكم، وطمع النفوس، مع تطلّع الأعين إلى استمرار ما وجد من سوابغ النعم، فمن هذه الحوادث والأسباب اندرس ما اندرس من المحاسن والفضائل، وانبجس ما انبجس من معينات المعايب والرذائل، وطلب كل طامع ومغرور، ما أمكنه من تحصيل العاجل، وأرسلت هوام الشهوات، ألا وأنهن قواتل..”. حال خطيرة تتغلّل في بنيات النفسية المجتمعية.


وإن ظهرت أسباب الفساد فإنها بإذن الله تخفي، لأنه سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل”..”فالحوادث المخالفة للدين، إذا حدثت في هذه الأمة، فهي داء، والقيام بالحق ـ كما جاء عن الله ورسوله ـ هو الشفاء، فالتذكرة محققة، والنصيحة واجبة، لا سيما في هذا الزمن الحاضر، كما يقال إن الأحوال والأفعال في ما بين متناقض ومتقاصر، قد غلب الفساد، وقلت العمارة وكثر الخراب، لما هو معلوم من حدوث الحوادث التي هي للفساد أسباب،… لأنه قد تقرّر عند أولي الألباب، أن من علامات الفساد والخراب والعذاب، نفوساً متغيرة، وأخلاقاً متنكرة، ومعاصي مستكثرة، إن أشير إليها بلام تعريف جاءت بكل نكرة، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)”. سنة الله الماضية والقوانين الحاكمة القاضية.

“ومن الأسباب والعلامات المقدم ذكرها، عقول بليدة، وأفهام جامدة، وأهوال شديدة، وأحوال شاردة، وأفعال مردودة، ونفوس باردة”. حالة ثقافية ومجتمعية بائسة. 


أحوال بائسة ووظائف مهملة وأدوار ضرورية مغفلة،…”وإذا تم للملوك ما يجب على الرعايا من السمع والطاعة، وجب عليهم الاجتهاد في الأحكام…، والاحتياط في الاجتهاد على ما يجب عمله وتعديله من مصالح العباد والبلاد، والاستمرار على المراعاة، ودوام التفقد للأحوال واللوازم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المظلوم وردع الظالم، وتوسعة النظر في إصلاح ما مضى وواجب الحال، وما يتوقع في المستقبل والمآل، لاحتمال خلل يطرأ، أو حادث يحدث، أو طامع يطمع، أو ظالم يظلم، أو ناكث ينكث، أو عامل يهمل، أو فساد يحصل، مع عدم الركون بالكلية إلى كل أحد،.. (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا). 


بين مسيرة الظلم وبيئة الفساد وتجاهل الإصلاح والغفلة عن معاش العباد وعدم القيام بالوظائف الأساسية وشؤون الرعية في عموم البلاد؛ تزداد مساحات الظلم المفضي إلى خراب العمران، بما كان من عدوان وطغيان.

سيف الدين عبد الفتاح

كاتب وباحث مصري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.