مجتمعمدونات

الديمقراطيات الغربية في مرمى نيران التطرّف

أثار حادث إطلاق النار من شاب نرويجي على مصلين في مسجد في ضواحي أوسلو في العاشر من أغسطس/ آب الحالي، الكثير من النقاش، والتحليلات، والمواقف المتباينة إلى حد التناقض.

وطالب مهتمون وباحثون عديدون بضرورة التحسّب لما يجري راهناً، وسيجري مستقبلاً، ضمن المجتمعات الاسكندنافية تحديداً، والأوروبية عموماً. واللافت أن الموضوع لم يقتصر هذه المرة على المختصين والمتابعين للتيارات المتطرّفة وحدها، بل وصل إلى حد أن رئيسة وزراء النرويج، إرنا سولبرج، حمّلت التيار النازي الجديد في السويد مسؤولية تشجيع مثل هذه الظواهر، الأمر الذي نفاه سياسيون سويديون.

ومن بين ما ذهب إليه المتابعون المهتمون بقضايا استفحال التوجهات العنصرية في الغرب، أنه بعد هذا الهجوم الذي لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، لم يعد من المقبول عزل مثل هذه الهجمات عن سياقها العام، لتظهر وكأنها تعبير عن نزعاتٍ أو عقد فردية، لأن طريقة التناول هذه لا تمكّن المعنيين من رؤية الصورة الكاملة لحقيقة ما يجري في الواقع، فهناك حملات منظّمة موجهةٌ عبر وسائط التواصل الاجتماعي، تنشر ثقافة الكراهية، وتدعو إلى مواجهة تزايد أعداد المسلمين في أوروبا.

وغالباً ما تكون الجوامع هي الهدف، لرمزيتها، والخشية من دورها المستقبلي في تنظيم المسلمين الملتزمين، ونشر الميول المتشدّدة.وما يدعم هذا التوجه، ويعزّز حجج مروجي الإسلاموفوبيا، انخراط عديد من الأئمة والجماعات القريبة من الجوامع في عمليات تنظيم المتطرّفين، ونشر ثقافة التطرّف الإسلاموي بين تجمعات المسلمين في مجتمعات أوروبية عديدة؛ بل هناك من يدعو المهاجرين المسلمين، صراحة، وعبر وسائط التواصل الاجتماعي، إلى عدم الاندماج مع المجتمعات الجديدة “الكافرة” التي لاذوا بها؛ ومقاطعة الحياة السياسية فيها، وعدم المشاركة في الانتخابات. هذا إلى جانب التشدّد المبالغ فيه في مظاهر اللبس، وتحديد الحلال والحرام من الطعام والسلوك.


ويتحوّل ذلك كله إلى مادة دعائية جذّابة بالنسبة إلى اليمين المتطرّف الأوروبي، والغربي عموماً، يستخدمها لمحاربة الإسلام والمسلمين بصورة شمولية، من دون أي تمييز، ويستخدمها كذلك ضد الأحزاب الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية الغربية بصورة عامة، متهماً إياها بأنها بسياساتها الخاطئة، وعدم تحلّيها بروح المسؤولية الوطنية، هي التي أوصلت المجتمعات الأوروبية إلى حالةٍ باتت هويتها العرقية مهدّدة؛ حتى أن بعضهم يسوّق أحياناً أحكاماً شعبويةً تدغدغ المشاعر الجمعية، من قبيل: إن العيون الزرقاء في خطر، وكذلك الشعر الأشقر أو البشرة البيضاء.


وهناك عوامل عدة تغذّي هذه التوجهات، بعضها ما يتصل بالأوضاع المضطربة التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية بصورة عامة، ولبعضها الآخر علاقة بأوضاع الجاليات المسلمة في الغرب، ومنها ما يعكس التحولات التي طرأت على المجتمعات الغربية نفسها، والتحدّيات التي تواجهها، فالحروب المذهبية والدينية، والعمليات الإرهابية التي تستهدف  

المدنيين على نطاق واسع، ترسّخ تصوراً قاتماً في مخيلة الناس في المجتمعات الغربية بشأن واقع المجتمعات العربية والإسلامية، فهي مجتمعات تعاني من انعدام حرية التعبير، وتقييد صارم لحرية المرأة، وعدم القدرة على التفاهم واحترام الآخر المختلف، واستحالة التعايش بين مكوّناتها المجتمعية، كما أنها مجتمعاتٌ تتميز بالفساد المزمن، وتصدير قوافل اللاجئين الذين يشكلون، مع الوقت، عامل تهديد لقيم الغرب وثقافته، وإنجازاته الحضارية، وذلك وفق منظور أيديولوجية اليمين المتطرّف.


أما على صعيد الجاليات المسلمة، فإنها منعزلةٌ عن مجتمعاتها الجديدة، تعيش في مناطق وتجمعات سكنية لا يوجد فيها سوى الأجانب، لأسباب كثيرة، منها ميول المهاجرين، ورغبتهم في أن يكونوا معاً؛ ومن بينها أيضاً عدم القدرة على الانتقال إلى المناطق السكنية المفتوحة، إذا صحّ التعبير، نتيجة وجود عوائق مادية لها علاقة بالقواعد التي تضعها شركات السكن، وفي مقدمتها وجود دخلٍ ثابت يمكّن صاحبه من شراء أو استئجار مسكنه بحرية.


وفي هذه البيئات المغلقة، المنطوية على ذاتها، تتراكم الصور والانطباعات السلبية لدى قاطنيها، ويعيش الأطفال حالة اغترابٍ حقيقية، ويعانون من ضغط هائل لاضطرارهم إلى بذل الجهود الكبيرة من أجل تحقيق التوازن بين ثلاثة أنواع من المنظومات القيمية: أولاً، قيم المجتمع الجديد التي يعيشونها في المدرسة والنوادي والأسواق، وغيرها من الأماكن العامة. ثانياً، قيم المجتمع الأم التي غالباً لا يعرف الجيل الجديد شيئاً عنها على الصعيد العملي المعاش، ولكن مفروض عليهم أمر مراعاتها، والالتزام بها. ثالثا، المنظومة القيمية الهجينة، وهي التي لا تخصّ المجتمع الأم، ولا المجتمع الجديد، وإنما هي قيم مصطنعة، تشكّلت في أحضان تجمعات المهاجرين التي تعيش على هامش المجتمع الجديد، فيزيائياً ونفسياً وروحياً، ولا تتفاعل معه، على قاعدة المحافظة على الخصوصية في إطار مراعاة العام واحترامه.


ولكن العامل الأهم الذي يعرقل تفعيل دور الأجيال الشابة من أبناء المهاجرين، ولا سيما الذين ولدوا في المجتمعات الغربية، هو العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية، سواء من خلال الانتساب إلى الأحزاب الوطنية الموجودة، أم المشاركة الفاعلة في الانتخابات والنشاطات المجتمعية، الأمر الذي يهمّش دور هؤلاء الشباب والأجيال المقبلة بصورة أكبر. هذا بينما يعتبر النشاط السياسي، إلى جانب التحصيل العلمي والعمل، من الأدوات القوية التي تمكّن المهاجرين من الدخول إلى المجتمع، والتفاعل معه بصورة عضوية، والتأثير على آلية اتخاذ القرارات، وتغيير المواقف المسبقة عبر الاندماج المتزن الذي يحترم الخصوصية، من دون أن يجعلها خصماً للمجتمع العام.


وبالنسبة إلى العوامل الخاصة بالمجتمعات الغربية نفسها، باتت بفعل الثورة المعلوماتية، والتطور المستمر المذهل لوسائل التواصل، والقدرة على التنظيم والتأثير، مجتمعاتٍ مفتوحة، لا تستطيع حكوماتها التحكّم بأمزجة الناس ومواقفهم، عبر توجيه الرأي العام والتأثير فيه. بل على العكس، لقد أصبحت الحكومات المعنية تتحسّب لنتائج الانتخابات، فتحرص بكل السبل على كسب ود الجمهور عبر اتخاذ القرارات والتدابير التي يُعتقد أنها تقطع الطريق على تيارات اليمين المتطرّف التي وصلت حتى الآن إلى برلمانات نحو 20 دولة أوروبية من أصل 38، 

 وهناك مؤشراتٌ جدّية تبين إمكانية حصولها على المزيد، سواء من ناحية عدد الدول، أم أعداد المقاعد.
الديمقراطية الغربية، والأوروبية تحديداً، تعاني من أزمة عميقة، نتيجة تراكم جملة من المشكلات، والعجز عن التكيّف المطلوب مع التحدّيات الجديدة. وهناك خشية حقيقية من استفحال هذه المشكلات، خصوصا التي ترتبط بتراجع نسبة النمو، واضطراب أجواء التجارة العالمية، خصوصا بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، والعلاقة غير المستقرة بين أوروبا والولايات المتحدة، وإمكانية حدوث انكماش شديد جديد في الاقتصاد العالمي؛ ومن شأن ذلك كله تشجيع النزعات الشعبوية التي غالباً ما تتّخذ من ورقة المهاجرين وسيلةً لبناء شعبيتها، وغالباً ما يكون “الخطر الإسلامي الداهم” محور التركيز بالنسبة إلى التيارات المتطرّفة التي تدعو إلى ضرورة المواجهة، تحاشياً للأصعب.


وتأتي العمليات الإرهابية المتبادلة من المتطرّفين على الضفتين، من جانب الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، ومن جانب الذين يزعمون أنهم يدافعون عن حاضر الحضارة الغربية ومستقبلها، تأتي هذه العمليات لتضفي مزيدا من التعقيد والسوداوية على الوضعية القاتمة المعقدة أصلاً، وهذا كله ينذر الجميع، ويضعهم أمام مسؤولياتهم، ويلزمهم بالتحرّك من أجل اتخاذ الخطوات الضرورية الإسعافية في طريق المعالجة التي ستستغرق وقتا وجهدا كبيرين، وذلك قبل فوات الأوان.

عبد الباسط سيدا

كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق