مدونات

المجلس العسكري وتفخيخ مسار نقل السلطة للمدنيين في السودان

في الوقت الذي توصلت فيه مكونات الثورة متمثلة في قوى الحرية والتغيير لإنجاز الاتفاق السياسي مع المجلس العسكري بعد مخاض عسير وتجاوز العديد من العقبات في صياغة الإعلان الدستوري في طور القراءة النهائية الذي يعد الخطوة الأخيرة للانتقال لمرحلة الحكم الانتقالي في ظل كل هذه الخطوات الإيجابية لإنجاز أهداف ومطلوبات الثورة أعلنت لجنة النائب العام التي شكلها المجلس العسكري نتائج التحقيقات في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي جاءت مجافية للحقائق التي رآها العالم عبر الشاشات حيث وثقت الصورة لانتهاكات قوات المجلس العسكري بحق المعتصمين السلميين.

لتأتي اللجنة وتبرئ المجلس العسكري من المسؤولية وتحملها لملثمين اثنين مجهولين هما من قتلا كل أولئك الضحايا لينفجر الشارع رفضا لتلك النتائج رغم التهدئة المعلنة من قوى إعلان الحرية والتغيير ممثل الثورة.



بالنظر إلى مجزرة فض اعتصام القيادة العامة من قبل المجلس العسكري في الثالث من يونيو المنصرم التي ارتقى على أثرها 127 شهيد ومئات المصابين وعشرات المفقودين حتى الآن مجهولين المصير وعدد من حالات الاغتصاب التي شملت حتى الرجال كل هذه الإنتهاكات خلفت جراحا لم تندمل لدى الشارع السوداني خصوصا مع الخوف من إفلات الجناة من العقاب ليجيء إعلان نتائج تحقيق النائب العام الذي برأ المجلس العسكري ويفجر الشارع والاحتجاجات في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات.

من الناحية الأخرى جاءت مواقف قوى إعلان الحرية والتغيير متسقة مع الشارع حيث رفضت نتائج تحقيقات اللجنة جملة وتفصيلا وأعلنت عدم إعترافها باللجنة من الأساس بإعتبار ان قرار تكوينها جاء بأمر من المجلس العسكري المتهم بإرتكاب الجريمة وأن تشكيلها جاء من النائب العام الذي اختاره أيضا المجلس العسكري مما يطعن في حيادية ونزاهة اللجنة.

كما استنكرت إعلان النتائج باعتبار أن الاتفاق السياسي الذي أبرمته مع المجلس العسكري خصص فصلا كاملا لتشكيل لجنة وطنية مستقلة بدعم من مفوضية حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الإفريقي للتحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة والأحداث التي تلتها مما يعني اعترافا ضمنيا من المجلس العسكري بعدم حيادية وقدرة لجنة النائب العام في تحقيق العدالة.



استطاع المجلس العسكري أن يبقى لأكثر من ثلاثة أشهر حاكما منذ أن أطاحت ثورة ديسمبر من العام الماضي بنظام حكم البشير الذي حكم البلاد لثلاثين عاما لينتقل الحكم للمجلس العسكري منذ الحادي عشر من أبريل الماضي ومنذ ذلك التاريخ يفخخ المجلس العسكري عملية التفاوض كلما اقتربت المفاوضات من إنجاز اتفاق يسحب السلطة منه للمدنيين ففي مايو المنصرم علق المفاوضات لثلاثة أيام بدعوى انحراف الثورة عن السلمية في خطوة استفزازية للشارع لكن قيادة الثورة ممثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير استطاعت تجاوز ذلك الفخ.

ليأتي في الثالث من يونيو بعد إنجاز اتفاق سياسي مع قوى الثورة ويفض اعتصام القيادة العامة ويعلن تنصله عن ذلك الاتفاق ثم يعود مجددا للمفاوضات تحت ضغط الشارع والضغط الدولي ورغم إنجاز اتفاق سياسي يقضي بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة يعلن عن نتائج لجنته المستفزة للشارع ليتخذها ذريعة للتصعيد الأمني وينسف الاتفاق ويبقى في السلطة لمدة أطول.



أعلن المجلس العسكري منذ استلامه للسلطة بالتتابع عن خمسة انقلابات عسكرية في صفوف القوات المسلحة للإستيلاء على السلطة كان آخرها بقيادة رئيس الأركان المشتركة كان الإعلان عن هذه الانقلابات في كل مرة ذريعة لإحالة العديد من قيادات الجيش للتقاعد وإلقاء القبض عليهم وتعيين آخرين موالين للمجلس العسكري وقادته.

كما أن المجلس العسكري يتخذ تلك الإنقلابات وسيلة لصناعة قرارات وفق أحكام الطوارئ بإعتبارها تهدف لحماية الدولة وفزاعة لتخويف الثوار وقيادتهم من أي انقلابات تعيد النظام القديم للمشهد أو تأتي بآخرين ضد الثورة وأهدافها. بالنظر إلى سلوكيات المجلس العسكري خلال الفترة الماضية يتضح أنه غير جاد في نقل السلطة للمدنيين ويتحجج ويصنع الأسباب ليبقى في الحكم أطول فترة لكن حكمة الثوار وقادتهم وإرادة الثورة ستنتصر في تحقيق قيم الحرية والسلام و العدالة و المدنية التي كانت ولازالت شعارات لثورة ديسمبر في انتظار التحقق.

بسام الرشيد

مدون سوداني وناشط سياسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق