مدونات

هل يمكن للإنسان أن يصبح اختصارا للوطن؟

هذا السؤال إشكالي جدا خصوصا حين ننظر إلى السياق المعقد للثورة السورية، إذ يحتاج الموضوع منا أن نعرّف الوطن، وأن نحدد ما يجمعنا كلنا مع قطعة أرض يمكن أن نسميها وطنا!


لكن لنأخذ الموضوع ببساطة قليلا، فليس الوطن إلا امتداد أبنائه فيه، وهذا الامتداد يعني بالضرورة أن تكون العلاقة بين الطرفين قائمة على الأخذ والعطاء، على الحب بينهما لا من طرف واحد، فحين يكون العطاء أو الأخذ أو الحب من طرف واحد، تتحول العلاقة إلى استنزاف، ويصبح الوطن عبئا على أبنائه، أو الأبناء عبئا على وطنهم، وقد عاش السوريون في اغتراب كامل عن أرضهم وهم فيها في سنوات الاستبداد الطويلة، إلى أن بدأت الثورة فصار سعيهم المطلق أن يبنوا ليغيّروا علاقة الاغتراب تلك، وتغيرت في نظرهم كل المفاهيم وأعادوا تعريف الوطن من جديد!


كان عبدالباسط الساورت ذو الـ19 ربيعا حين بدأت الثورة، واحدا من أبناء هذا البلد البسطاء، والذي لم يعرف كثيرا عن الحياة سوى أنه يجب أن يحمي ذلك المرمى على أرض الملعب من أن تخترق شباكه كرة الخصم، وهو الذي كان حارس منتخب الكرامة الحمصي للشباب، كان ككل السوريين، لا يُعنى بالسياسة ولا يعرف ما تعنيه الثورة، ولا ما قال منظرو علم الاجتماع والسياسة عنها، لكنه وقف أمام السؤال الأخلاقي، إلى أي طرف يجب أن انحاز فيما يحصل في البلاد التي قاست من حكم الاستبداد طويلا؟


لم يأخذ الموضوع من الساروت تفكيرا أبدا، وهو ابن الأرض التي ينتمي إليها ويحبها ببساطة البدويّ وشغف المتجذر، فسرعان ما انتشرت صوره في ساحات وشوارع حمص من الخالدية إلى بابا عمرو والبياضة وباب دريب وباب سباع، محمولا على الأكتاف أو منتصبا على منصات المظاهرات يغني الثورة بصوته الشجيّ الذي يحمل شجن الأرض وحنان المنتمي، وقوة المدافع، وأصبح رمزا للثورة تنتقل أغانيه عبر الحناجر متجاوزة كل العقبات الاجتماعية التي فرضها نظام الأسد طيلة عقود من حكم الاستبداد، كاسرة كل حدود الجغرافيا المليئة بالحواجز ونقاط التفتيش.

غنى عبد الباسط باسم كل السوريين للحرية التي يحنّون إليها “حانن للحرية حانن” وللأرض التي كانت تعني له كلّ شيء، حتى صارت بالنسبة له “جنة جنة جنة، والله يا وطننا” ، رغم أن هذه البلاد ذاتها التي حوصر فيها عبدالباسط أشهرا طويلة، وفقد فيها إخوته ورفاق السلاح جميعاً وغنى لهم “يا يمة بثوب جديد.. زفيني جيتك شهيد” في عملية المطاحن حين قاموا بعملية انغماسية أشبه بالجنون المطلق في محاولة لإدخال الطحين إلى المنطقة المحاصرة، وغنى بعدها باكيا: “يا من خذلت الخاي ترا جاي الموت جاي” وهو الذي غنى بعدها بكل عنفوان الثائر وصبره “لأجل عيونك يا حمص ونقدم لرواح… ما أطلع منك يا حمص لو هالروح تروح”.

إلا أنه أجبر مرغما على مغادرتها تاركا قلبه معلقا على أسوارها ودموعه تغسل جدرانها التي احتضنته ودماءه التي شربتها الأرض بعد كل إصابة له فيها، فأزهرت حرية، وأغان وهتافات، لكنّ كل ذلك لم يدفع الساروت إلى الانكسار، بل مضى في حربه التي اختارها راضيا.


كان الساروت في كلّ جلسة يغني: “حلم الشهادة يابا حلمي من سنين”، لكنه لم يكن يقصدها حرفيا بقدر ما كان يقول: هل على الإنسان أن يخشى الموت في طريق الحياة، وما الذي يبقى من الحياة إن لم تكن كما يجب؟

لم يكن الساروت وهو المحب بكل ما في قلبه للأرض أن يقوى على ترك هذه الأرض دون أن يكون حارسها، لذلك لم يكن يسعى في سبيل الموت، بل كان يمشي واضحاً كالشمس، نقيا كنسمة، هادئا كنهر، في طريق الحياة كما يحب، غير أنه كان يعي أن هذه الحياة التي اختار محفوفة بموت يتربص به في كل زاوية، لكنّه كان راضيا جدا بذلك مرتاحا به، إذ إنه كان يعرف أن النقائض تعرّف بعضها، فالحياة التي يحب يُعرّفها الموت الذي قد يأتي، والسعادة التي عاشها حين انفجرت أو صرخة “الشعب يريد إسقاط النظام” من حنجرته يعرفها الحزن على خسارة كلّ رفيق درب أو أخ، والهدوء الذي يعرفه الآن عرّقه له من قبل أزيز الرصاص وصوت المدافع والطائرات وصراخ جنود الأعداء من خلف متاريسهم حين يعرفون أن الساروت قريب جدا غيظا منه وكرها لكل ما يصنعه الرجل حين يكون بطلاً.

لا يمكن أن يمتلكهم الغيظ والغضب وهم المحتمون بوابل الصواريخ وغطاء الطيران حتى يتمكنوا من الوقوف في وجهه بينما هو “بقميصه الداخلي الأبيض” وبنطاله المدني وبندقيته الكلاشينكوف الغير متطابقة يواجه جيشا كاملا وجحافل من الأعداء غير المنتهين، ويغني حتى وهو مصاب “ودعت أمي عالباب”، كان في كل مرة يودّع الساروت أمه “عالباب” ويعود إليها إما منتصرا أو آملا بنصر مقبل، لكن ليس منكسرا ولا مهزوما، إلا هذه المرة فقد ودّعها لكنه لم يعد.


يرحل عبد الباسط الساروت كما يليق بمن تعّلق بتراب الأرض، مثقلا بغبارها وبرغبتها في أن تكون أرضا تحضن أبناءها الأحياء فوقها لا أمواتا تحتها، مدافعا عن كلّ شبر منها ما استطاع بجَلد الثائر ورغبته العارمة وحبّه الكبير للحرية، حاملا فوق ظهره قضية أحنت ذلك الظهر الشاب لكنها لم تكسره بل زادته استقامة على الطريق. 

يرحل الساروت اليوم تاركا وراءه ذاكرة ستثقل السوريين حتى الأبد، ومثلا لا يمكن أن يتكرر أمام هذه الفرادة الاستثنائية، والحضور الصارخ والرحيل المرهق لكل من تبقى بعده.


يغمض الساروت عينيه بهدوء إغماضة أخيرة، مصحوبا بصخب الثائر الذي لا يهدأ، فصوته المتردد الآن في كلّ الفضاءات يشعل القلوب، ويملأ العيون دمعا من الفقد والفجيعة، ويحمل الباقين على المضي في طريق الحرية المقدس بدماء كل الشهداء الذين نعرفهم أو لا نعرفهم، ودمائه.


مضى الساورت الذي تقمّص الثورة بكلّ حالاتها، وصار جزءا منهما لا ينفصل، حتى تماهى معها بشكل مطلق، واخترق وجوده الكثيف بيوت وقلوب الثائرين، رغم كل الأخطاء التي لم ينجُ منها سوري واحد، وقد يختلف كثر مع الساروت في جزئيات محددة من حياته خلال الثورة، لكنهم لا يمكن إلا أن يجتمعوا جميعاً على حبه عند النظر إلى السياق العام، الذي يشبه الثورة حدّ التطابق، وهو ما جعل من الساروت حقا اختصارا للوطن والثورة.

يوسف موسى

كاتب عربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق