مدونات

كثير من الحب

قال نيلسون مانديلا، مخاطبا مريديه الكثر في أنحاء المعمورة: لا أحد منا يولد وهو يكره الآخرين، بسبب لون بشرتهم، أو معتقدهم الديني، أو انتمائهم السياسي. الكراهية يتم تعلّمها فيما بعد. تضطلع بذلك السلطات الغاشمة والموروث الثقافي العنصري الذي يتغذّى على مشاعر الكراهية المظلمة، كي يطيل أمد بقائه. كذلك الأمر بالنسبة للحب، إذ يمكن تعلّمه مهما بلغت ظروف حياتنا من قسوة وظلم، بل إن تعلم الحب أسهل بكثير، لأنه أقرب إلى غريزة الإنسان وفطرته القائمة على قيم المحبة والجمال.

يستدعي ما قاله هذا المعلم الكبير التأمل والإدراك العميق، وهو الذي بذل سنوات طويلة من عمره خلف قضبان السجن، محروما من عائلته ومحبيه، ثابتا على مواقفه، مدافعا عن حق شعبه في الحرية والعدالة، متحملا بصبر الأنبياء عنجهية حرّاس السجن الذين اعتادوا مناداته ورفاقه، صائحين بصلافة: إلى العمل، أيها القرود السود، ألا يكفي أن علينا أن نشتمّ رائحتكم الكريهة كل صباح. 

سلك مانديلا دربا طويلا باتجاه الحرية، وصفه بالموحش والطويل، معتبرا نفسه رجلا مسالما غير عنيف، اضطر في مرحلة ما إلى حمل السلاح في مواجهة رعونة ووحشية المحتل العنصري الذي هيمن على مقدرات البلاد والعباد، ومارس أبشع أشكال التمييز العنصري بحق المواطنين السود. ولكن ذلك، كما يكتب مانديلا في مذكراته، لا يمثل طبيعته المنحازة إلى الحياة، هو الذي واجه جبروت حكم الأقلية البيضاء الغاشم بمزيدٍ من الثبات والصبر والتصميم على نيل الحقوق المشروعة.

وحين قال له آمر السجن، بحقد مجاني متوارث: أنت وصحبك أكثر الرجال خطورة في أفريقيا، على الرغم من أنكم مجموعة حيوانات برية، لا بد من سحقها.. عاد إلى الرفاق قائلا بهدوء: علينا أن نعلمهم أن يحترمونا. يحتاج الأمر وقتاً، ونحن معنا كل الوقت. سنبدأ بمطالب بسيطة، سراويل طويلة تقينا لدغات الحشرات والزواحف. الفرق بيننا أنهم مذعورون ليقينهم أنهم راحلون، بينما نحن لدينا الشجاعة في سبيل صراعٍ طويلٍ من أجل العدالة، وسوف نحظى بها في نهاية الأمر. 


بقية الحكاية معروفة، إذ نال شعب جنوب أفريقيا ما صبا إليه طويلا من عدالة وحريه وحقوق دينية وسياسية، كانت حكرا على أقلية مستبدة، بفضل قيادة هذا الرجل الاستثنائي الحكيم. ولعل درس الحب هو من أهم وأبلغ الدروس التي تمكّن من بثها في أرواح أبناء شعب عانى من شتى أصناف الظلم والقهر والاضطهاد والاستعباد ومصادرة الحقوق والقتل والتعذيب والزج في السجون، والرغبة في الانتقام الذي يطفئ نيران القلوب ويشفي غليل الصدور، ولذلك يسمونه بالإنكليزية الانتقام الحلو.

غير أن مانديلا لم ير أي حلاوة في الانتقام، بل اعتبره استمرارا لحلقة الكراهية الجهنمية التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوحش. وقد نعرض للوم بعضٍ من أبناء جلدته الذين اعتبروا ذلك ضعفا واستكانة، وهم لا يدركون أن الرجل أكثر صلابة مما يتصوّرون، ومضى إلى النهاية مسكونا بهمومهم، مراهنا على مستقبلٍ أفضل لأبنائهم، معتنقا شعار المحبة صليبا لا يقوى على حمْله إلا قلة عليا نادرة من البشر، قُدر عليهم تغيير مسار التاريخ، متعالين على جراحهم الشخصية، زاهدين في أبسط حقوقهم الفردية، خدمة وحماية لمصالح المجموع غير المدرك تماما قوة الحب المرادف لكل القيم النبيلة في الحياة، من بذلٍ وعطاء وإنكار للذات في مواجهة مشاعر الكراهية السلبية وتبعاتها، من قسوة وحقد وطمع وحسد وأنانية وانعدام ثقة وضيق أفق، وحاجة مؤسفة لارتكاب الظلم والعدوان التي تنزع عن صاحبها إلى الأبد صفة الإنسانية التي لا يؤكدها سوى كثير من الحب.


بسمة النسور

كاتبة أردنية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق