منوعاتمدونات

التوحد وأنا.. هكذا اكتشفت علاماته المبكّرة لدى طفلي

ليس من عادتنا نحنُ معشرَ الآباءِ أن نُمعِن في التعبير والوصفِ، والحلقةُ الأصعبُ هي أن نُطلعَ غيرَنا على ما جال في خاطرنا.. غير أنني لحجمِ الألم الذي عايشتُه والسعادةِ كذلك وللفائدةِ أكتب.. وأرسمُ علاماتٍ على طريقٍ لعلّ من يمرّ به من بعدي يجد في خطواتي فانوسًا يُضيء له عتمتَه، يرشدهم وهم الحَيارى فأنا أعرف ماذا يعني شعورُ الهائمِ على وجهه باحثًا عن “شِبه” حل! ستُ سنواتٍ بالضبط تفصلُ بين توقيتِ الطائرة التي حطَت رحالَها بي في ستوكهولم حيث درستُ واستقررت وبين والشهقةِ الأولى لابني الذي منحني وسامَ “الأبوة”.

أجل لقد صرتُ أبًا وصار تاريخُ الثامنَ عشرَ من آب لعام 2014 ذكرى سنويةً لا أدري هل هي لاحتفائي بأبوتي أم بذكرى مولدِ أجملِ طفلٍ وقعت عليه عيناي.. طفلي! داود كان الاسمَ الذي اخترته له وعلّقت به أجمل الأمنيات كنت أسمع كلامَ أصدقائي الآباءِ عن الحالة الروحيةِ الغريبة التي تعتريكَ عندما تُصبح أبًا.. أتفاعلُ معهم ولا أفهم مقصدَهم، غير أني شعرت أن كتلةً صغيرةً بطول سنتمتراتّ عند رؤيتِها تحملني لعالمٍ أجهلُه. ما المعنى الذي تقدمهُ لي هذه الدميّةُ البشرية حتى أجدَ نفسي أسيرًا لقضاء الوقتِ في مراقبتها؟ هناك قيمة متعاليةٌ على المادة في أنْ تكونَ أبًا قيمةٌ تُشعرك بالكينونة والسعادة لأن تبذل وتعطي وأنت في قمة فرحك.

أذكر ذاتَ مرةٍ كنا في المشفى لعملِ إجراءٍ روتيني اقتربت منه الممرضةُ فاستطاع دفعَها بقوته كلِّها ممّا أخافَها وتركَنا مندهشين مما فعل، إذ كيف يمكن لطفل صغير لا يبلغ سنة ونصف أن تختزن فيه كل تلك القوة!
هذه القيمةُ الروحية هي ما حوّلت المفكرَ عبد الوهاب المسيري حين رُزق بابنته الأولى من الإلحاد إلى الإسلام، ستُ شهورٍ مضت كالحلم في عالمٍ سماوي، بعد بلوغ ابني شهرَه السادسَ بدأت ألاحظ انطفاءَ عينيه، ليس ثمةَ التقاءٌ مباشرٌ بين عينيه وعيني.. غير أني لم آبَه لذلك. داود كان متأخرًا في كل شيء.. في تحريك أطرافه، في زحفه، في محاولاتِه للمشي بهامشٍ زمني يتراوحُ في المتوسط بين شهر وستةِ أشهر. لكنْ قلت: لكلِ طفلٍ سجيتُه، أبعدُ مَن يفكرُ في شرٍ أو مرضٍ يَحيق بطفله هما أبواه!

في السنِّ الذي يجب أن تبدأَ الحروفُ تتراقص على شفتيه ثم الكلماتُ تتقاطر غنَجًا كان متأخرًا كذلك
وأقول “متأخرًا” أي أنه كان يقوم بالأمور ولكن ليس بالشكل ولا بالوقت الأمثل. شهرٌ وآخر.. كانت فجوةُ التواصلِ البصريِّ بيننا تزيد، شكلٌ من أشكالِ العذاب التي خَبِرتُها وقتها هي أن أُحرمَ من بريق عينَي طفلي الوحيد، مرارةٌ لا أتمنى أن يذوقَها أحد! مرّ الوقت حتى صار عمرُ داود سنةً وثلاثة شهور حين طرأ لي سفرٌ وغبت عنه أولَ مرةٍ، ولمّا عدت على غير عادةِ المشتاقين من الأطفال لم يَهرعْ إلي رغم أن ملامحَه كانت فرحةً بقدومي، أسرعت إليه وحضنته غير أنه أبدى انزعاجَه وأفلت نفسَه من بين ذراعي وغاصَ في أركان البيت وتركني غارقًا في دهشةِ ما فعل!

مَضت شهورٌ قليلةٌ لاحظتُ فيها أن داود على غير عادةِ الأطفال في عمرِه لا يمرضُ، إذ إنه لم يمرضْ منذ ولادته إلا مرةً واحدة رغمَ تبدُّلِ الطقس والسفر. وكصيدلاني وباحثٍ متخصصٍ في الطب الحيوي أقلقني ذلك، فتلك إشارةٌ على أن جهازَه المناعيَّ يعمل طولَ الوقت ومتحفزٌ على الدوام وهي حاله ليست طبيعية! كنتُ منخرطًا في عملي الذي يستنزفُ أغلب نهاري وما تبقى منه أحاولُ التقربَ من داود والتفاهم معه، كنت أسمع أنّ التعاملَ مع الأطفال في سنٍ مبكرةٍ صعبٌ وقد ظننت أنّ التعاملَ الصعبَ معه أمرٌ طبيعي، لكنه بنفسِ الوقت يختلفُ عن الأطفال في قليلٍ أو كثير من الصفات فهو قوي البنيةِ عن أقرانه.

أذكر ذاتَ مرةٍ كنا في المشفى لعملِ إجراءٍ روتيني اقتربت منه الممرضةُ فاستطاع دفعَها بقوته كلِّها ممّا أخافَها وتركَنا مندهشين مما فعل، إذ كيف يمكن لطفل صغير لا يبلغ سنة ونصف أن تختزن فيه كل تلك القوة!؟ في السابق.. كان ثمّةَ فكرةٌ شيطانيةٌ تومض وتختفي أو بالأحرى أطردُها غير أنها صارت تُلحُّ كثيرا.. أنني أبٌ لطفلٍ أحاول كلَّ الوقت فَهم شيفرته فلا أُفلِحْ، طفل يحتاج “رعايةً خاصة” ووقتًا أطولَ من أي طفل.. أنني أبٌ لطفلٍ متوحد.

أحمد دويدار

صيدلاني وباحث

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.