مدونات

الحراك في الجزائر والخروج من الانسداد

من المسلّم به، بشأن الحراك في الجزائر، أنّه منعرج تاريخي ومفصلي للقطيعة مع مرحلة زمنية بائدة، بكلّ ما تحمله من رصيد السلبيات والفشل، والانتقال إلى مرحلة زمنية أخرى، محمّلة بآمال التّغيير وميلاد عقلية جزائرية جديدة.

بيد أنه ما من بد للوصول إلى ذلك من التأكيد على مرجعيات هذا الحراك التي تجعله إلى النجاح أقرب منه إلى الترنّح، وهي مرجعيات متنوّعة تجمع، في ثناياها، بين معطيات العقل والدّين والتّاريخ، لتجعل منه حراكا، ليس كما قال بعضهم إنّه مجرّد شعلة جديدة ينبعث بها “الرّبيع العربي” في نسخته الثانية، بل هو حراك صلب يتقوّى بتوافق الفصائل المعنية بالحوار/ التفاوض والممثّلة لكل مكوّنات الجزائر ومناطقها المختلفة، بكلّ ما تحمله من ثوابت جامعة وخصوصيات تمييزية في إطار التنوّع المثري للحوار، وليس الكابح له، والمحفّز لتفردّه بالنجاح، وليس الشبيه لما سبقه من حراك.

يحتاج الحراك إلى تلك المرجعيات، حتّى لا يكون حدثا عابرا في حاضر الجزائر ومستقبلها. وهي مبثوثة في العقل الجزائري الذي صقلته تلك المرجعيات صقلا، لن يجعل منه إلاّ حراكا ناجحا، باعتبار أنّ الجميع متأكّد من خلفيته الحيوية، من حيث مؤشّر الزّمن الذي يحدث فيه، تماما مثل الذي حمل إلى البلاد حراك أكتوبر/ تشرين الأوّل لعام 1988، والذي، لأسباب عدة، انقلب فشلا كاملا وجرّ الويلات على الجزائر. ولعلّ هذا الأمر يشكّل، بالنّسبة لقراءة تلك المرجعيات، مرجعيةً بذاتها، إذ إنّنا أمام درس نتعلّم منه، حتى لا نقع في الأخطاء نفسها، وهي مرجعية ليست متوفرّة للتجارب العربية الأخرى، سواء الفاشلة منها أو المترنّحة.


تشير، بالنتيجة، المرجعية الأولى، مرجعية العقل، إلى خيارين استراتيجيين، هما المنعرج المفصلي لمستقبل البلاد، من ناحية، والاستفادة، قدر الإمكان، من درس الفشل السابق، واستخلاص العبر لتوفير فرص النجاح للحراك الحالي، باعتباره فرصة لتغيير بوصلة المسار على الصعيدين، الداخلي، بتجسيد التغيير والخروج من دائرة الفشل الهيكلي، على كل المستويات، والخارجي، بتحقيق مشاريع انبعاث الجوار المغاربي والتفكير في مكانة الجزائر في الإقليمين المشكّلين للفضاء الجيوسياسي الجزائري: غرب المتوسط والمنطقة الساحلية – الصحراوية.


كما تشير مرجعية العقل إلى المكاسب التي سيخرج بها الجميع (الحراك، بكل مكوّناته والنّظام الحاكم ممثّلا في المؤسّسة العسكرية والرّئاسة المؤقتة)، إذ من شأن نجاح الحراك، بأداتي الحوار والتفاوض، ثم باستراتيجية خيار الوفاق، في القضاء على الانسداد الحالي، أن يكون قوّة لمكوّنات الجزائر، جميعها، الحراك بأن ينال المواطنة ومنظومة الحقوق التي ستجعل منه متفرغا لتجسيد نمو البلاد وتطورها، والنظام بأن تنقل الجزائر من هرمية التبعية إلى مصاف الفعل الاستراتيجي على مستوى الجوار والإقليمين المشار إليهما، إضافة إلى مكاسب الجيش من تحوّل الجزائر إلى قوة إقليمية بمصالح حصرية لدولة متوسّطة.


ربّما يتساءل الجزائريون عن المكاسب التي يمكن أن يستفيد منها الجيش إذا نجح الحراك؟ قد يكون لمرجعية العقل، هنا، النصيب الأكبر من رصيد الإجابة، إذ إن مسار المؤسسة العسكرية، منذ انطلاق الحراك، ومحاولة بقائه في مجاله الدّستوري، يؤهّله، في حال الوصول، سريعا، إلى الوفاق، من خلال خيار الرّئاسيات المقبلة، للبقاء في تلك الدائرة، معزّزا برصيد المرافقة للحراك، الحفاظ على احترافيته، نجاحه في تأمين الجزائر منذ 2011، ثم طوال مرحلة الحراك، يؤهله للقبول بالدور المحوري في مشروع جزائر المستقبل، فالرجل العسكري يحبّ النّصر والتّمجيد، والطّريق الموصلة إليهما يمرّ، حتما، عبر المشاركة، في مقاربة تعاضدية، في تجسيد ذلك المشروع. وعندها سيكون الجيش الجزائري الحامي لجزائر ديمقراطية، قوية اقتصاديا وقويّة إقليمياً.


تتمثّل المرجعيتان الأخريان في الدّين والتاريخ، وكل منهما يوفّر قاعدة الصّلابة للحراك، إذ إن الدّين، بمرجعية المذهب المالكي، المنتشر في المغرب العربي، يمكن، بالاسترشاد بتعامل الإمام مالك مع الاستبداد السّلطوي والخلاف، أن يثمر نبراس المتابعة للتجسيد الفعلي لذلك الخلق الرفيع المالكي. أمّا التاريخ فهو كتاب مفتوح على دروسٍ لا تنتهي من تعامل حصري مع آلام التسلّط الاستعماري – الاستيطاني، بما يمكن من تولد طاقةً للصمود قلّ نظيرها في بلدان أخرى.

ومن ذلك تعامل الإمام مالك مع قضية طلاق المكره، والذي اعتبره الخليفة أبو جعفر المنصور خروجا على إجماع سلطوي في الفتوى، بل واعتباره أنّ ذلك قد يمتدّ، مستقبلا، إلى بيعة المكره، فما كان منه إلا أن أمر أمير المدينة بجلده ومنعه من الفتوى فترة. ولكن ذلك لم يكن ليثني الإمام مالك عن التمسّك بفتواه، وهو ما يوفّر مرجعية الوقوف أمام الاستبداد، عندما يجاوز حدوده، ويعبر إلى مجال التهجم على منظومة الحقوق، التخصّصات والحريات العامة. 


أمّا في مجال التّعامل مع الخلاف، فإن المذهب المالكي يوفر مرجعية هائلة من العبر، لعل أكبرها تعامل الإمام مالك مع الليث بن سعد، فقيه مصر، في الخلاف الشهير بقاعدة “عمل أهل المدينة”، الأساس الركين في بناء المذهب المالكي، حيث حمل لنا التاريخ الجدال الكبير بين الرّجلين إلى أن بلغ الأمر بمالك بإرسال رسالة إلى اللّيث، يعاتبه فيها على عدم فهمه القاعدة المذكورة، وانتقاده المستمر لها. ولكن، وهنا الشاهد، بقي التعامل مع الخلاف في دائرة الفقه، ولم يجاوزه إلى التنطع، السّباب أو القطيعة، كما يحدث بين المخالفين/ المختلفين للرأي، في أيامنا هذه، ودليل ذلك قصة هدايا الليث بن سعد لابنة الإمام مالك في زواجها، وتصدقه (الليث) على الإمام مالك، كونه كان ثريا في مصر.


وقد يتساءل المرء عن الاقتصار هنا، في مرجعية الدّين، على ذكر الإمام مالك، من دون الولوج إلى باب السياسة الشرعية الواسع كثيرا، والجواب إنّ المغاربيين، جميعهم، يقدّس ميراث المذهب، ويتخذّه نبراسا في حلّ المعضلات الفقهية، ويمكن لذلك أن يمتدّ إلى باب السياسة، باعتبار أن التّراث المالكي يحمل تلك العبر، كما توفّر مرجعيته قاعدة صلبة يمكن اعتبارها ضمانةً ذات منحى روحي مقدّس، للتوجّه نحو الحلّ التّوافقي، للخروج من الانسداد الحالي. 


وتعود فائدة مرجعية الدين في التعامل مع الاستبداد السلطوي والاختلاف إلى أن كوابح التوافق في الجزائر تدور في إطار تدافع هذين العاملين، إذ تعمل السلطة على توجيه الدفّة، حتى لا ينقلب الأمر عليها بالكلية، خصوصا أن ذلك كان، دائما، ديدن موجتي الربيع العربي، من خلال المطالبة الصريحة بالتخلي عن رموز النظام التسلطي، حيث أنّ الاختلاف داخل دائرة الحراك والطبقة السياسية يمثل، من جهته، كابحا على إعادة التوازن في العلاقة بين السلطة والحراك، بكل مكوناته، في إطار الحوار/ التفاوض الذي قد ينطلق في الأسابيع المقبلة، بعد تسمية القائمين عليه من خارج النظام (شخصيات من المجتمع المدني ومن الحراك).


أما مرجعية التّاريخ، وهي التي لا يمكن للجزائريين أن يتجاوزوها، باعتبار رصيد التّاريخ المشترك بين كلّ أبناء وطنهم، سواء كان ذلك ضدّ المستعمرين الفرنسيين أو قبل ذلك، في إطار ذاكرة دحر الغزاة الرومانيين والونداليين والإسبان، في حروب طويلة، كانت دروسا للوقوف ضدّ الاستبداد الاستعماري – الاستيطاني، وصولا إلى إثبات أنّ الإرادة نفسها تلهمهم، بالسلمية، بالنظر إلى أن الخلاف، الآن، داخلي وشأن جزائري خالص، لمحاربة الفساد والاستبداد، معا، باعتبار أن الآفتين سبّبتا الكوارث التي لا يمكن النظر إلى من اقترفها، ناهبا للمال العام ومستبدّا، إلاّ من خلال رؤية أنّ الجينات نفسها التي حالت دون فناء الجزائر، خصوصا في أثناء الاستدمار الفرنسي، ثم محنة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي (قتل المستعمرون الفرنسيون نحو عشرة ملايين جزائري في 130 عاما) ما زالت تجري في الجزائريين، وتدفعهم إلى النظر صوب اليوم الذي يجدون أنفسهم قد تحرّروا من الاستبداد، ليتفرغوا لبناء الوطن والإنسان.


يجد الحراك، نفسه، بالمرجعيات الثلاث، قويّا وصلبا، كما يجد نفسه قريبا من النّصر قصد الوصول إلى تجسيد التغيير مع الحفاظ على مؤسساته، وبلاده، وسعيه الدّؤوب نحو المواطنة التّوافقية الحاملة كل مكونات التنوّع الذّي استطاع تجاوز الخلاف والشقاق منذ زمن، معتمدا على عقله ودينه ومرجعية تاريخه. .. إنّها مسألة وجودية، ودونها الفشل الذي لا نريد تخيّل مداه، ولا تداعياته.

محمد سي بشير

أستاذ جامعي وباحث جزائري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.