مدونات

النَّاجون من اليأس

على حافّة اليأس يجلسُ الكثيرون ممّن خذلتهم الحياة وكسرتهُم حدّ التشظّي وقلّبتهم كأنّهم أعجازُ نخلٍ مُنقعر، وأحرقت بواطنهم فالتهمتهُم المشاعر السّلبية كالنار في الهشيم، قد اعتادوا طعم المرارة وزحفت تجاعيد الجبين المقطّب لمساحات أرواحِهم فشاخت وهم ما بلغوا بعد من العُمر عِتِيًّا، وتحوّلت أحزانهم إلى فقاعة تبتلع كل فرحةٍ وبسمةٍ تُباغتهم شيئًا فشيئًا، تفزعُهم الأقدار بما تُخفيه لهم من أحداثٍ ما استعدُّوا لها ولا حتى أعدّوا لها العدّة.

فتجدهم منها كلّ يومٍ في شأنٍ، يخافون الرَّوْح وكأنّه فخٌّ مدركهم فيلذعُ قلوبهم بقلقٍ مبهمٍ ينغّص عليهم أفراحهم، يتّكئون على رفِّ الانتظار، وينتعلونَ الحيرة وفقدان الأمَل، يوشّح بسمائهم غيمة سوداء، لم تمطر شيئًا منذُ سبعٍ عجافٍ أو ربّما أكثر. تملّكهم القنوط، فاستيأست أرواحهم من انقشاعها، وكأنّهم ما أدركوا العبرة من انجلاء الليل الدّاكِن، وما رأوا كيف يغدو اللون الأسود أبيضًا، ولا كيف ينهمِر الغيث فيسقي البلدة تلو البلدة حتّى يروي الأرض أجمع، ولا كيف يبلّل النَّدَى سطح الزُّجاج!

وبين اليأس والنّجاة منهُ، مساحة ضيّقة فاصلة يعرفها أهلُ العافية، وحبلٌ رفيعٌ هو حبلُ الله المتين، بدايته الصّبر فالرضا والاحتساب… وحدهُ ينتشل اليائسين المستمسكين به من البئر ويُنجيهم من الغرقِ في عتمة الثّقب الأسود الذي قد يبتلعهم، حين يعلو النّواح وتغري دموع اليائسين البعض بمشاركتهم البكاء. وهو الله سبحانه من لم يترك لنا شيئًا ممّا يمرُّ بنا أو علينا في معتركاتِ الحياة إلاّ وضربَ لنا فيه مثلاً: رَوْحٌ وشجن، حقٌّ وباطل، كسرٌ وجبرٌ، خوفٌ وإقدامٌ، ظلمٌ وقِصاصٌ، عسرٌ ويسرٌ… في سياق كلّ منها قصَّ لنا حدثًا وموقفًا يبقى أثرًا يُخلَّد فنعتبر به.

الصدِّيقة مريم بنت عمران:

 

المتأمّل لقصّة السيّدة مريم سيرى كيف أنّها نجت من يأسٍ كاد يلتهمها؛ بعد صبرٍ طويلٍ انفلتت رباطة جأشِها فأنهكت قلبها حُزنًا ويئِست وانفجر ضعفها الذي كانت تُخبّئه، فبلغ بها أنْ تمنّت الخلاص من كل ما هي فيه، لأنّها لم تقوَ على مواجهته: آلام المخاض، غُربة بلا مُؤنس، وِحشَة بلا رفيق، وفضيحة في نظر قومها لن تُغتفر… فلم تجد مفرًا من كل هذا إلاّ الموت، فتمنّته في لحظة انكسارٍ ووحدةٍ وضعفٍ نادتْ في قوله تعالى: “يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا”!

وإنّه لمشهد مُوجع، ولموقفٌ جلل، عندما تعلم أنّه لا مفرّ لك من مواجهة الفواجع، وأنّ هذا القضاء الذي كتبه الله عليك سيحدث “وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا” وإن تألمت منه، وإن ضاق له صدرك وانقطعت أنفاسك… هنا ستُدرك فعلاً أنّ الشجاعة والمواجهة لا تتطلّب بالضرورة دائمًا موقفًا ملحميًّا أسطوريًّا ومعركة طاحنة تخوضها، بل قد تكون أحيانًا شجاعة مواصلة الحياة وتحمُّل النتائج وتقبّلها بدلاً من الاستسلام والقفز في الثقب الأسود!

وفي اللحظة الفاصلة، قبل الركون إلى اليأس وافلات حبل النجاة جاءها الفرج، في اللحظة التي كانت أحوج ما تكون فيه إلى الله، طمأنها وأنزل سكينته عليها: “فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا”. من هُنا تبدأ سلسلة التّعويض الإلهي لكل الصّبر والعناء، لكل تلك اللحظات الموحشة القبيحة، ليربط على قلبها ويُطمئنها بأنّ ما هي فيه ليس سوءًا أصابها إنّما رسالة من الله بالحق، أنّه معجزة! فهل كانت تعلم أنّ الله عزّ وجلّ سيقرّ عينها بنبيّ؟ “ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ”. وتستمرُّ العطايا والكرامات الإلهيّة: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا… فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا”.

غزوة حُنَيْن:

في غزوة حُنَيْن، حين وقع المسلمون في كمين المشركين، وانقسم المسلمون بين ثابتٍ ومدبرٍ، قال تبارك وتعالى: “وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ”، لم يثبت منهم إلاّ قلّة قليلة، أمّا البقيّة فلاذوا بالفرار من الرّوْع، وامتلأت قلوبهم خوفًا ويأسًا، فلَم يبق لهم في الأُفق مجالاً للأمل بتحقيق النّصر، وهذا في قوله: (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ). لكن في تلك اللحظة بين هزيمة مؤكّدة ونصرٍ بعيدٍ، بين قنوطٍ ويقينٍ، أكرَم الله نبيّه والقلّة التي ثبتت معه بنصرٍ من عنده؛ قال تعالى: “ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ”.

غزوة الأحزاب:

وأنت تقرأ قول الله تعالى ووصفه لحال المسلمين في هذه الغزوة، سترى كيف أنّه صوّر بشكلٍ رهيبٍ بواطنهم وكل تلك المشاعر التي انتابتهم وهم محاصرون لا حول لهم ولا قوّة، من خوفٍ وفزعٍ، وجوعٍ وتعبٍ، وصفٌ لمشاعر صادقة لا اختلاق فيه لبطولاتٍ ولا لأمجادٍ ولا لمثاليّة زائفة، لتكون ميزانًا إنسانيًّا صادقًا فنتأسّى بهم، فقال: “إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا… هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا”. قد طوّقتهم المحنة زلزلت قلوبهم وأفجعتهم حتّى كادوا يركنون إلى اليأس، ثمّ جاءهم النّصر من حيث لم يحتسبوا لأنّهم ثبتوا وقاوموا مشاعر الرهبة فيهم: “وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا”.

هؤلاء هم النّاجون من اليأس، وأمثالهم كُثر؛ قد جلسوا على حافّته وكادت الدنيا أن تهزمهم، لكنّهم ثبتوا فصنعوا التاريخ كلٌّ من موقعه… قد جلدتهم الحياة بكلّ سياط الفقْدِ والخسارة، صغيرة كانت أم كبيرة، وحتّى تلك الموجعة التي لا يُردّ بأسها، فما استثنتهم ولا على طول سيرهم قد سرّتهم، فتجرّعوا الخيبات بشتّى أنواعها حتّى أصابهم التبلّد، وأعرضَ عنهم الأمل مرارًا وتكرارًا حتّى كادوا يركنون إلى القنوط لولا أن آتاهم الله رحمةً من عنده فثبّتهم… الذين حين طوّقهم اليأس من كلّ جانبٍ، انفلقت لهم الحياة وأدركتهم بغيثٍ متأخرٍ بعد جدب ونفخةٍ في الرّوح على غير موعدٍ، فكشف الله ما بهم من ضُرّ… الذين انتزع القُبح أفئدتهم بمخالبه، فسئموا المتاع واكفهرت وجوههم حتّى ما استطاعوا رسم ابتسامةٍ خفيفةٍ عليها علّها تُنجيهم من أسئلةٍ قد تفترسُ دواخلهم بضراوة، لولا أن ربط الله عليهم. فلم يروا في بأسهم دعوة للقعود وانتظار الموت مع تقدّم العمر، بل نظروا في أطوار رحلتهم ومنعطفات الطريق، وتذكّروا أنَّ “إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰٓ”، فثبتوا وتابعوا المسير.

فلا تبتئس بمصائب الدنيا إن هي اجتمعت، وإنما قل لها: “بَلْ أَلْقُوا!”، وَتَلَقَّ عن الله كلماته بقوة، وبادر إلى إلقائها كما تلقيتَها بقوة: “وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا”؛ وهو ذا كلامُ الله إذا تُلَقَّى حقَّ التلقِّي، وأُلْقِي بقوة أزال كل فاقةٍ وروْعٍ. وكُنْ موقِنًا أنّ الفرج يأتي بعد أن تظلم السّماء وتنعقد الشدائد، كالأمطار تهطل على قلوبنا بعد أن تتلبّد غيوم الهموم من فوقها، ثمّ إنّ بعض المواقف لا تحتاجُ منّا شيئًا سوى صبرًا وتجلّدًا حتّى تمرّ وتنجلي، وختامًا فرّق جيّدًا بين أوجاعك وأوهامك، فبعضُ الأوجاع إيحاءٌ يزدادُ أنينك بفعلها وما بك من ألم، لكنّه التوهم؛ فالشيطان يوسوس لابن آدم بالهمّ ليُوهن عزيمته على الحياة فييأس.

خولة مقراني

     مدوّنة جزائريّة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق