فيديوثقافةدين وحياة

سلطان العلماء الذي عرف بـ”بائع الأمراء”

قال عنه الذهبي: “بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب -أي المذهب الشافعي- مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين”. 

في موقف اصطدم فيه القاصي العز بن عبد السلام مع السلطان نجم الدين أيوب نفسه خلال إقامته في مصر، وبعد اكتشافه أن الولايات العامة والإمارة والمناصب الكبرى كلها يتولاها مماليك اشتراهم نجم الدين أيوب، أصدر فتوة تحرم عليهم تولي شؤون المسلمين لكونهم في حكم الرقيق والعبيد، ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار. وكان كلما جاءته رقعة فيها بيع أو شراء أو نكاح أو شيء من هذا للمماليك الذين لم يحرروا أبطلها وقال: “هذا عبد مملوك حتى لو كان أميرًا وكبيرًا عندهم أو قائدًا في الجيش يَرُدُّه إذ لابد أن يُبَاع ويحرَّرَ وبعد ذلك يصحح بيعهم وشراءهم وتصرفاتهم كلها أما الآن فهم عبيد”.

وذلك ما اشتعل غضب الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة حتى كان نائب السلطان مباشرة من المماليك وجاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى ثم حاولوا تهديده ولكنه رفض كل هذا. فرُفع الأمر إلى الصالح أيوب فاستغرب من كلام الشيخ ورفضه. فقرر الشيخ العز بن عبد السلام خلع نفسه من منصبه في القضاء. وركب الشيخ العز بن عبد السلام حماره ليرحل من مصر وخرج خلف الشيخ العالم الأمة كلها حتى ذكر المؤرِّخون أنه خرج وراءه العلماء والصالحون والعباد والرجال والنساء والأطفال وحتى الذين لا يؤبه لهم.

ووصلت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب فأسرع بنفسه خلف الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه فقال له العزُّ: إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم فلا بد أن يباعوا أولاً ثم يعتقهم الذي يشتريهم ولما كان ثمن هؤلاء الأمراء قد دفع قبل ذلك من بيت مال المسلمين فلا بد أن يرد الثمن إلى بيت مال المسلمين. ووافق الملك الصالح أيوب. وفعلاً فَعَلَها العز بن عبد السلام – رحمه الله – قام وجمع هؤلاء وأعلن عنهم وبدأ يبيعهم وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار فلا يبيعه تَحِلَّةَ القسم وإنما يريد أن يزيل ما في النفوس من كبرياء فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني وقد حكم مجموعة من العلماء والمؤرخين بأن هذه الواقعة لم يحدث مثيل لها في تاريخ البشرية كلها.

نشأته

هذا ليس سوى موقف لبائع الأمراء كما كان يلقب، أو لعبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم مغربي الأصل، ودمشقي المولد، ثم مصري الحياة والوفاة، تبنى الشافعية مذهباً، يكنى بأبي محمد ولقب بألقاب عديدة منها: سلطان العلماء لقبه به تلميذه الإمام ابن دقيق العيد كما لقبه بشيخ الإسلام، ولقب أيضاً بعز الدين، وشاع بين الناس الإمام العز. ولد بدمشق. قيل سنة 577هـ، عاش في أسرة فقيرة مغمورة لم يكن لها مجد أو سلطان أو علم، نشأ عفيفاً شريفاً، ذا نفس أبية، إذ لم يعرف أنه امتهن مهنة تزري بصاحبها أو تحط من شأنه.

تعليمه

كان والده فقيراً في أول أمره ولذلك لم يشتغل بالعلم إلا على كبر، فقد قصد العزّ فطاحل العلماء في عصره، وجلس في حلقاتهم، ونهل من علومهم، وتأثر وبأخلاقهم، فقد قال عن نفسه: “ما احتجت في علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيت عني، فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه عليه في العلم”.

ملامحه

كان الشيخ عالمًا حقيقيًّا يدرك أن دور العلماء لا يقتصر على إلقاء الدروس والخطابة وتعليم الطلاب، فاشترك في الحياة العامة مصلحًا يأخذ بيد الناس إلى الصواب، ويصحح الخطأ لهم ولو كان صادرًا من أمير أو سلطان، كانت نفسه قوية امتلأت بحب الله ولم يعد فيها مكان للخوف من ذوى الجاه والسلطان، فهو لا يخاف إلا الله، ومن خاف الله هابه الناس واحترموه.

وفاته:

بعد عمر ناهز الثلاثة والثمانين عاماً في الجهاد ونصرة الإسلام ونشر دعوته توفي العز بن عبد السلام في العاشر من جمادى الأولى سنة 660هـ، وصلى عليه “الظاهر بيبرس”، وحضر جنازته الخاص والعام.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.