مدوناتاختيار المحررين

مات مرسي فهل مات الشعب المصري؟

أسبوع مرّ على رحيل الدّكتور محمّد مرسي، أوّل رئيس مصري يختاره شعبه عبر انتخابات حرّة ديمقراطية لم تشهدها مصر طوال تاريخها الممتدّ، وفاة، تحوم حولها الشّكوك وتفوح ريبة، لرجل سعوا إلى التخلّص منه بكلّ الطّرق وعملوا على كسر إرادته فوقف صامدا شامخا ليدفع حياته ثمنا لثباته، قتل مرسي مع سبق الإصرار والترصّد ومن المتوقّع أن يفلت منفّذوها من العقاب في طلّ تواطئ الجميع وضمير إنساني ميّت سريريّا، فهل كانت ردّة الفعل الشّعبية والرّسمية في مستوى الحدث الجلل؟

جريمة مكتملة الأركان

في السّابع عشر من يونيو من سنة 2019 خرّ الأسد صريعا داخل القفص البلّوري العازل للصّوت الّذي وضع فيه خشية زئيره، كان يختنق كما خاشقجي حينما حشروا رأسه في الكيس، ليهمس ببعض الكلمات المعبّرة عن شعوره بالاختناق المتقاطعة مع أخرى فيها بوح بعشقه الدّفين لوطنه، ثمّ يدخل في غيبوبة ويترك لشأنه لمدّة عشرين دقيقة أو يزيد فيلفظ أنفاسه ويرتقي بإذن الله شهيد.

هي جريمة متكاملة الأركان ترتقي إلى مستوى الجرائم “الكاملة” ارتكبت بكلّ ذكاء ودهاء على عكس جريمة فرم الأستاذ خاشقجي الّتي تنمّ عن كمّ من الحمق والغباء، عمليّة اغتيال مبرمجة، خطّط لها مع سبق الإصرار والترصّد، ابتدأت فصولها منذ اختياره رئيسا عبر الصّندوق منذ سبع سنوات، ليُنقلب عليه ويعزل ويسجن ويمنع من العلاج والدّواء بغية انتزاع اعتراف له بباطل فتمسّك بالحقّ وأبى وظلّ صامدا شامخا وراسما أسطورة للنّضال ستتوارثها الأجيال، متحوّلا إلى أيقونة ومثال به يحتذي.

هو موت بطيء قطرة قطرة كان يمارس عليه منذ سنوات وربّما رأوا أنّ اللّحظة مناسبة لإتمام المهمّة وإطلاق رصاصة الرّحمة، سمّ مدسوس أو أيّة وسيلة أخرى تنهي القصّة، كان السّيناريو محبوكا ومسرح الجريمة مهيّئا وبقي توقيت التنفيذ رهين بعض الشّروط، كضوء أخضر من المشغّل وتسليط مزيد من الإلهاء والتّغييب لجمهور مخدّر اتّقاء ربّما لردّة فعل لا تتوقّع.

كانت المحكمة أفضل اختيار لمكان الجريمة، تمّ تحديد موعد على عجل لأجل جلسة محاكمة في غير موعدها السّابق مع برمجة مفاجئة لزيارة للسّيسي لبلّاروسيا، في مناخ مسابقات إفريقيا للأمم حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، معركة الوهم واللّهث وراء كرة منفوخة بالهواء.

  اتّخذ قرار التخلّص من أول رئيس منتخب في مصر منذ لحظة فرز الصناديق ومنذ أن سعى لأن يكون لمصر القرار والدّواء والغذاء فتنادى الجميع في الدّاخل والخارج لوأد تجربة واعدة تمثّل خطرا وجوديا لمنظومة الاستبداد والاستغلال والإذلال، تجربة أرعشت العروش وأرعبت “إسرائيل” وأحرجت غربا منافقا يتشدّق بالدّيمقراطية والقيم الإنسانية ويتجاهلها حينما تفرز الإرادة الشّعبية من لا يرتضيه.

كانت الحسابات الضيّقة والمقاربات الإيديولوجية والزّعاامتية والتّشرذم للقوى الثورية، عوامل حاسمة لإطفاء جذوة ثورة 25 يناير المجيدة إلى جانب طبيعة المؤسّسة العسكرية المصرية وموقع مصر الجيوستراتيجي وامتداد صحراء التسلّط والاستبداد العربي الّتي سرّعت باغتيال ثورة فتيّة ليوزّع دمها بين القبائل ويجرّ الشّعب المتطلّع الى حياة كريمة إلى إسطبل الدّواب مرّة أخرى بعد كذبة 30 يونيو.

اتّهم الرّئيس مرسي بولائه لجماعته مع أنّه مدّ يده للجميع، يمينا ويسارا، علمانيين وإسلاميين فلم يلق منهم سوى رفضا وامتناعا وسعيا لإفشال المرحلة وإسقاطه، كان الدّكتور مرسي نعم الوطني الشّريف الّذي حمل همّ وطنه وسعى جاهدا لبنائه، تمكّنت مصر في عهده من تحقيق اكتفاءها الذّاتي من الحبوب وكان قاب قوسين أو أدنى من انجاز مشروع نووي حقيقي كما صرّح بذلك مؤخّرا العالم النّووي عبد القادر خان.

كان صوته يصدح بالحقّ حيثما مرّ ومازال صداه يتردّد في الأمم المتّحدة حينما دافع عن رسولنا الكريم أو في طهران وهو يمتدح الصّحابة الكرام أو في القاهرة وهو يدفع الأذى عن غزّة وسوريا وفي كلّ مناسبة كان نصيرا للقضايا العادلة والمستضعفين، كان الدّكتور مرسي منتوج إرادة شعبية ومشروع استرداد لإرادة حقيقية تنهي حلقة الاستباحة والإذلال وهو ما يعتبر خطّا أحمر لا تسمح به منظومة الاستبداد الخارجية وأدوات تنفيذها الوظيفية الدّاخلية لذلك كان لا بدّ من التخلّص منه بأيّة طريقة كانت.

هل ماتت الشرعية وهل انتهى المشروع؟

طالما تحدّث الدّكتور مرسي عن الشّرعية ملمّحا إلى أنّه مستعدّ لأن يضحّي بحياته لأجلها وقد اتّخذت تلك كنقطة خلافية حادّة أدّت إلى مزيد من الفرقة والتشرذم، وكأنّما البعض ما زال يصرّ على تجاهل قصد ومعنى الشرعيّة المرجوّة، شرعية الصندوق والتّداول السّلمي على السّلطة، شرعية صوت الفرد المؤثّر القادر على تغيير الواقع واختيار ومراقبة ومحاسبة من يحكمه، شرعية المواطنة الحقيقيّة في وطن حيّ بمواطنيه وشرعيّة الإنسان في تحقّق إنسانيته، تلك هي الشّرعية وذاك هو المشروع: بناء للوطن والانسان.

لم يستشهد مرسي لأجل كرسي كان من الممكن أن يفاوض عليه وأن يخرج بنصيب له من بعض الكعكة! استشهد لأجل فكرة، ستبقى كبذرة تسقيها الدّماء والدّموع لتروى حتّى تينع زهرة وتتحوّل إلى ثمرة ليأكلها هنيئا جيلا لنا لا نريد له أن يعيش ما عشناه من هوان ومذلّة.

بين صوت مرسي وصوت السّيسي

وضع الدكتور مرسي وراء قفص بلّوري عازل للصّوت خشية أن يصل صوته الصّادح بالحقّ لشعبه، ووضع السّيسي في قفص مشابه مضاد للرّصاص خشية من شعبه ومن ظلّه. همس مرسي الخافت اخترق الجدران والبوّابات واستقرّ في الوجدان مستجلبا مزيدا من التّقدير والاحترام لذاك الإنسان.

وصوت السّيسي المضخّم وهو يقرأ من ورقة وهو يتلعثم كمن كان تحت تأثير مخدّر أو ركبه جانّ كان دليلا إضافيا على مدى الانحطاط الّذي تعيشه مصر ولم تعرفه على مرّ الأزمان، السّيسي الّذي سعى لتلك اللّقطة تحوّل كالعادة إلى مسخرة ونكتة، سعى السّيسي الى طمس جريمته بدفن الشّهيد تحت جنح الظّلام بحضور مقتصر على ابنيه ومراسل لقناة “إسرائيلية” نقل البشرى مباشرة وحصريا.

منعت صلاة الجنازة ومواكب العزاء وصلوات الغائب بل وحرّم الترحّم عليه وجرّم وخوّن حتّى إظهار مشاعر الحزن في بلد أعدمت فيه الحياة واختطف الفرح، وما منع عنه في بلده ناله أضعافا مضاعفة لتقام صلوات الغائب على الفقيد شرقا وغربا ولتستدرّ عليه الرّحمات بقدر ما أصابت ظالمه من لعنات. من يبكينا حقّا ليس مآل الدّكتور مرسي فكلّنا ميّتون وهو نال ما سعى اليه وحقّق ما تمنّاه، عاش حرّا كريما أبيّا ومات على ما هو عليه.

من يبكينا حقّا هو حال الشّعب المصري الّذي برغم توحّش وضراوة آلة القمع المسّلطة عليه وتأثير سحرة فرعون فلا يمكن تفسير درجة خضوعه للإذلال ورضاءه بالضّيم، فهل مات الشّعب المصري أم هي غفوة قد يصحو منها قريبا؟.

فتحي الشوك

طبيب وناشط حقوقي و سياسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.