مدوناتاختيار المحررين

المدرسة العربية مصنع طوب إسمنتي

يوجد تلازم متين بين طبيعة التكوين الدراسي وسلوك المتعلم في الحياة اليومية، ولا نحتاج استعراض آراء دوركهايم عن التنشئة الاجتماعية.

وأجزم أن ميل التعليم الحديث إلى صناعة الخبرات التقنية بحجة تسيير الدول والشركات (السوق) قد أفقد المتعلمين القدرة على الجمع بين سلوك المواطنة وممارسة الخبرة، فانتهى كل متعلم إلى ذات فردية تعيش بلا خيال خلاق ضمن الكتلة البشرية التي تفقد بسرعة خاصية الاجتماع الإنساني.

لقد تحول التعليم إلى مصنع أفراد فاقدين لكل مقومات التعايش الإنساني، وأبلغ ما يتجلى ذلك في المدرسة العربية الحديثة، والمدرسة التونسية عيّنة منها. سأقارب الأمر من قراءة سلوك النخب التقنية والسياسية التي تزعم ممارسة الخبرة التقنية والعمل الوطني في الوقت ذاته، لكنها تمارس سياسة التسيير لا سياسة التأسيس بعد ثورة.

كان هناك تلازم بين التربية والتعليم

في تاريخ التعليم كان هناك مزج تأسيسي بين التربية على جملة من القيم الأخلاقية والإنسانية وبين التعليم. ولا تزال آثار هذا التلازم ظاهرة في المسميات، فوزارة التعليم هي وزارة التربية، لكنها تتكفل بمهمات التعليم دون التربية منذ فترة طويلة، بما وفر للدولة خريجين يعرفون الكثير ولكن لا يسلكون سلوكا مواطنيا.

ومن عجيب ما حصل في تونس، وهي مثال للدراسة والتعميم على المدرسة العربية، أنه مع بداية فصل التربية عن التعليم صار اليوم الدراسي يبدأ بعزف النشيد الوطني (بدأ ذلك مع بن علي ضمن إصلاحات محمد الشرفي). ثم تحول درس التربية الوطنية إلى درس تربية مدنية، ولكن كانت هناك مقاييس أخرى تناقض كل دروس التربية على أخلاق التعايش المدني وعلى الأخلاق الدينية. لقد تم تخفيف ضوارب المواد التربوية، بما فيها العلوم الإنسانية، لصالح ضوارب المواد العلمية، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة، بما صرف جهد المتعلمين إلى التركيز على المادة ذات الضارب العالي لضمان النجاح، فنتج عن ذلك متعلم يتقن الرياضيات والعلوم ولا يهتم لدرس التربية، الديني منها والمدني.

من النتائج الفرعية لهذه السياسة، أن رجل التعليم الذي يقدم درس التربية هو الأقل مكانة اعتبارية بين المعلمين المتعلمين وبين الناس؛ لأن مادته غير مجدية في سوق النجاح، فضلا عن أن التكالب على المواد العلمية قد مكن زملاءه من التمتع بتقديم الدروس الخصوصية لتحسين دخلهم، فارتفعت مكانتهم بين المتعلمين وفي المجتمع. وتوجد عبارات سخرية وتحقير في أوساط التلاميذ عن أستاذ التربية.

كانت حجة الدولة منذ تأسيس المدرسة الحديثة هي توفير الكادر التقني لتسيير الإدارة، فركزت على العلوم والتقنيات، وصار لديها أكثر من حاجتها من المهندسين والأطباء وخبراء القانون (تقني النص الترتيبي).

كان هذا مُبرًّرا في بداية دولة تستقل عن الإدارة الاستعمارية، ولكن لم تحصل لحظة التعديل إلى درس العلوم الإنسانية والتربية على المواطنة. فلم تطرح الأسئلة عن الزاد المعرفي والتربوي والثقافي الذي يؤهل المهندس أو الطبيب لإدارة الحياة الاجتماعية ضمن جماعة اجتماعية، فكان تقنيا منكبا على ذاته يستعمل خبرته لمصلحته فقط لا غير.

المهندس التونسي يعرف تقنيات البناء ولكنه يفتقد ثقافة المعمار (إلا من ثقف نفسه بنفسه)، لذلك نجده يتقن البناء بالزوايا الحادة، وينسى أن المعمار تاريخ لا إسمنت مسلح، لذلك لا نجد في المدينة التي بناها روح تراثها المعماري ولا هويتها التي تشكلت في زمن ما قبل المدرسة الحديثة.

وحتى لا نرمي كل العيوب على المهندس، نقول إن الدولة تساهم في ذلك عبر الضغط على كلفة المعمار العمومي تحت إشرافها، لكن المهندس الفاقد للثقافة المعمارية لا يفلح في تعديل رأي الدولة ليوفق بين التراث والكلفة، فيماشي الدولة في السهولة وينتج مباني أقرب إلى علب الكرتون. لم نسمع بمبان تنهار سريعا، لكن عندما نسير في طرقات تونس لا نجد هوية معمارية واحدة. نحن بين يدي مهندس يتقن الإسمنت، تلك ثمرة المدرسة التونسية.

ويمكن أن نوسع الحديث إلى الطبيب، فالطب في تونس مهنة مدرة للربح، لكن قلة من الأطباء يرون المريض إنسانا، بل هو زبون، حتى إن بعضهم يستعمل اللفظ الفرنسي “client” عوض “Patient”. لعبة الضوارب في المدرسة تنتهي إلى تقني بناء وتقني علاج بلا روح.

النخب السياسية تفكر بشكل تقني

نوسع النظر إلى السياسة ونقرأ ما يمكن اعتباره برامج أحزاب، فنجد حديث المؤشرات التقنية، حيث يدخل صنف آخر أفرزته الضوارب؛ هو خبير التجارة وإدارة المؤسسات (خريج معاهد التصرف) وتقني النص الترتيبي، أو ترزية القانون. جميع هؤلاء خبراء ضغط على الكلفة (وهو طلب الحكومات الفاقدة للثقافة)، لذلك يقترح المتصرف مطارا على مزارع القمح الأكثر مردودية، ويعاضده المهندس الذي يعرف كيف يخطط طرقات أقصر، فيفرح السياسي بالخطة التي لا تكلفه كثيرا لأنه لم يحسب مردود الأرض الزراعية للأجيال القادمة التي ضحّى بها.

إن درس التنمية الذي تقدمه الجامعة يعتمد مؤشرات تقنية بحتة، ولا يفكر أن التنمية للإنسان وبالإنسان. لذلك، لا يزعج تقني التنمية التجارية أن يكون في مساحة ضيقة مطاران وميناء مياه عميقة، بينما تقبع مناطق أخرى معزولة عن كل وسائل التواصل الاقتصادي مع القطر. لقد حسبها التقني وقدم عرضا اقتصاديا، ووافق السياسي دون أن يقدر كلفة عدم التوازن الجهوي في اقتصاد منتج للبطالة والاختلال الديموغرافي.

السياسي التونسي ابن المدرسة التونسية؛ مشغول بالآني العجول لحل إشكالات قائمة (التسيير)، لكنه لا يريد أن يراجع حلولا اتخذها فتحولت بسرعة إلى مشاكل تقتضي حلولا أخرى. المثال الساطع على ذلك هو مترو العاصمة؛ الذي روعيت فيه كلفة الإنجاز وسرعة حل مشاكل النقل الحضري، فتحول بعد عشر سنوات إلى معطل للنقل الحضري. ويمكن أن نعدد الأمثلة عن تفكير قصير المدى؛ اجتمعت فيه خبرة تقنية وجهل بالتنمية يحبذها سياسي بلا خطة ولا أفق، سوى أن يكون في السلطة، وهذا جوهر المشكل الذي يولد مشاكله من ذاته. هنا نعود إلى الحديث عن التربية والتعليم (غياب فكر التأسيس).

التربية ليست فقط إفشاء السلام بين الأفراد

التفسير الاختزالي للتربية أنها مجموعة ضوابط أخلاقية تنظم السلوك اليومي بين الناس؛ ننسبها نحن إلى الدين مجملا غير مفصل. هذا جزء منها، ولكن ما أعنيه بالتربية هنا هو بناء صورة للإنسان في حياة اجتماعية تتجاوز زمنه إلى زمن الوطن (أو الأمة)، فيكون تكوينه وعمله موجها إلى بناء هذه الصورة، فيجسدها في سلوكه اليومي كما في مهنته.

فعندما يطلب من مهندس أن يخطط بناء مدرسة، وجب أن يفكر أن المتعلم الذي سيدخلها ليس مبتور النسب عن ثقافة معمارية متجذرة، فلا تكون مدرسة شبيهة بقن دجاج أو إسطبلا لتربية الأبقار. هذا الدرس يلقى في المدرسة على المتعلم، فينتج مخطط بناء أصيل عندما يصل إلى سن العمل. لا مكعبات إسمنتية متلاصقة قد تقي من الحر والبرد، ولكنها لا تطور خيال المتعلم فيواصل تطويرها متجاوزا، بل متحديا عقل السياسي النفعي المباشر.

في غياب هذا الجانب التربوي الاجتماعي يسقط بالتبعية الجانب الأخلاقي، إذ يصير درس النجاعة عبر تخفيض الكلفة مقدما على هوية المعمار. يمكن توسيع التعميم إلى الطب وإلى التصرف الاقتصادي وإلى درس القانون. إن التربية المقصودة هي عدم التعامل مع الناس بصفتهم روبوتات تتحرك لأداء مهمة واحدة.

هذه التربية هي التي تنعكس بالضرورة على عقل السياسي ضمن ديمقراطية فتطور الديمقراطية، ولا تعيد إنتاج السياسات الاختزالية التي مارستها الدكتاتوريات التفكير التنظيمي العسكري ذاته.

في ما نطالع من المشهد السياسي التونسي الآن، لا نرى إلا نسخا من تفكير الدكتاتورية الزوايا الحادة والخطوط المستقيمة ذاتها، والمريض (فأر التجربة) الذي يعادل ثمن الفحص فقط، وخبير القانون الذي يسوق الناس بالنص كما يسوق قطيعا إلى زريبة.

لقد صنعت مدرسة الدكتاتورية ربوتات متحركة تتقن الحساب ولا تعرف الحياة؛ لأنها عرفت أن التربية صناعة خيال يرى المستقبل ضمن الجماعة، وبها لا على حسابها، ففضلت الخبير التقني الذي يخرس خارج اختصاصه الفني فلا يزعجها بالاقتراح. ونرى أن السياسيين الجدد ضحايا الدكتاتورية يعيدون إنتاج مدرسة الدكتاتورية، بل يفرطون في تضخيم ضوارب المواد العلمية على حساب التربوي والإنساني والفلسفي. الجميع حتى الآن يصنع منا طوبا لجدار أملس.

بقلم: نور الدين العلوي
كاتب تونسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.