منوعاتمدونات

مسلسل جن والصدمة الشعبية

عاصفة شديدة من الاستياء اجتاحت مواقع التواصل في الأردن، عقب بث أولى حلقات مسلسل أردني بعنوان “جن”. القصة ركيكة، بالغة الضعف والسذاجة، خيالية تدور أحداثها بين عمّان والبتراء، ويؤدي الأدوار فيها طلاب وطالبات من مدرسة ثانوية خاصة، يتعرّضون لمواجهة مع الجن، في أثناء رحلة مدرسية إلى البتراء، وهو من إنتاج شركة نتفليكس الأميركية العالمية.
المسلسل من خمسة أجزاء، وفي موسمه الأول، ولا يختلف كثيراً عن سياق اللغة الفظة الخشنة التي تتميز بها حوارات معظم مسلسلات الشركة الأميركية التي تعتمد بشكل ملحوظ على ممثلين في سن المراهقة، يقدمون في العادة مشاهد جنسية فجة، لا تخضع لأي رقابة، وتكتفي الشركة بوضع عبارة تحذير وتحديد السن المناسبة للمشاهد، والأمر متروك له، كي يقرّر ويحدّد ويختار، ويُشرف، إذا استطاع، على ما يشاهده الصغار كذلك. والحق أن المسلسل الأردني موضوع السخط والغضب يختلف تماماً.
وبالقياس إلى تلك المسلسلات، فإنه على عكس المزاعم، لا يحتوي على مشاهد إباحية صادمة، يعرفها تماماً متابعو “نتفليكس” الكثيرون في المملكة، ولا يجدون غضاضة من متابعتها، على الرغم من فجاجة الحوار، وفرط إباحية المشاهد الجنسية التي تؤذي الذائقة الجمالية أولاً. صحيح أن مسلسل جن الذي بات ذائع الصيت، لأسباب ليست فنية، احتوى على مشهد قبلة محلية، لعلها الأولى في تاريخ الدراما الأردنية المحافظة التي كانت، حتى عهد قريب، تصور لهفة الأم بعودة ابنها، بعد طول غياب، بمصافحة جافّة عن بعد. طيب، حدثت الطامة الكبرى، واحتوى العمل على قبلة. أدت الفتاة المشهد/ الصدمة، برضاها وموافقة ذويها، في ممارسةٍ حرّة لقناعتهم ونمط تفكيرهم، وهذا شأنهم الخاص، لم يفرضوه على أحد، تضمّن كماً هائلاً من العبارات النابية التي نسمعها في كل مكان يومياً على الإشارة الضوئية، وفي الأماكن العامة. لم تضف للعمل إلا مزيداً من الفشل.
كان ذلك محاولة غير موفقة من كاتب النص لتصوير الواقع كما هو، على الرغم من أنه يعتمد على قصةٍ من صنع الخيال، ليس لها أي صلة بالواقع. وليست المشكلة هنا بطبيعة الحال، لو تمتع الجمهور بشيءٍ من العقلانية، غير أن ردود الفعل التي عبّر عنها الشارع الأردني المحتقن، المحبط، جاءت بلهجةٍ عنيفة، مستثمرة الفرصة غير الذهبية، لتوجيه انتقادات لاذعة إلى الحكومة، فاتهمتها برعاية الفسق والفجور، مع أن دورها اقتصر على الدعم اللوجستي. ولا أظن أن أحدا من الجهات الرسمية اطلع على المحتوى، أو باركه. وقد تطرّف نفرٌ مؤسف، وكشف عن أمراض نفسية خطيرة، حين غمز من قناة المشاركين وأصولهم غير الأردنية.
في المحصلة، العمل ببساطة من الضحالة والرداءة، بحيث لا يستحقّ حتى المتابعة النقدية، غير أن حجم التنديد والشجب الذي صاحبه، وحالة القلق الهستيرية التي تم التعبير عنها بأقسى العبارات، أثار فضول كثيرين، ودفعهم إلى البحث، ليجدوا أن القصة أقلّ من عادية، وهي مطروقة مرارا في أعمال سينمائية كبيرة، وأن أداء المراهقين الصغار الذين لا تنطبق عليهم جميعا صفة ممثلين كان مخيبا وغير مقنع البتة. وهنا بالضبط، كان يجب أن تنتهي القصة التي تم تضخيمها. مجرّد إخفاق في عمل فني سبقته دعاية كبيرة، مع ضرورة الإشارة إلى أن تطبيق “نتفليكس” اختياري، يستطيع حرّاس الفضيلة شطبه، ومتابعة مجريات حياتهم النقية الطاهرة، من دون أي تشويش!
بسمة النسور
كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة “تايكي” المتخصصة بالإبداع النسوي.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.