فيديوالرئيسياختيار المحررينثقافة

الشيخ إمام: صوت الجماهير الغاضبة

This post has already been read 88 times!

 

يُقال إن “الإبداع يولد من رحم المعاناة”، وفي الحقيقة كثر من جسدوا هذه المقولة، ليخلفوا روائع في العديد من الأسلاك الفنية سواء الموسيقية أو الشعرية أو الروائية وغيرها من الإبداعات التي حيكت فأثرت وأعجزت.

وما من شك أن صاحب العود والحشرجة الجميلة، الشيخ إمام عيسى، كان من بين المبدعين بشهادة النقاد والتاريخ الذي ما يزال يحدثنا عن أغانيه التي كانت ضد السائد وضد التيار نابعة من واقع المصري ليتجاوزه نحو تصوير الحالة العربية بطرق غالبة عليها الاستهزاء والنقد الاذع الذي لا يقبل مهادنة ولا مداهنة.

ولد الشيخ إمام أحمد عيسى في 2 يوليو 1918، 7 يونيو 1995، في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة المصرية لأسرة فقيرة، كما تقول في ذلك أعلب المراجع، والتي أخبرتنا أيضاً عن سبب إصابته بالعمى فقالت أنه أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه.

فقدان بصره لم يمنعه من تنمية بصيرته فحفظ القرآن الكريم صغيراً على يد الشيخ عبد القادر ندا رئيس الجمعية الشرعية بابى النمرس، وأرهف سمعه خلسة للراديو، نظراً لأنه كان من البدع في ذلك الوقت ويمنع الاستماع له إلا إذا كان يبث القرآن، فكلفه ذلك الفصل عن الجمعية.

امتهن إمام الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم وساعده في ذلك ذكرته القوية، وكسائر أحداث حياته التي شكلتها الصدفة التقى الشيخ إمام بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به وتولى تعليمه الموسيقى، وقرر تعلم العزف على العود، وبالفعل تعلم على يد كامل الحمصاني، وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين حتى إنه ألف كلمات ولحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن وتحول لمغن واستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية.

أحمد فواد نجم

كان لقاءه بأحمد فؤاد نجم نقطة تحول مفصلي في الحياة الفنية لكلا المبدعين، فالتقاء الهرمان سنة 1962، مثل تزاوجاً فنياً أنجب الروائع، ورغم بداية الثنائي التي اكتفت بالأغاني العاطفية والوجدانية.

وذاع صيت الثنائي نجم وإمام والتف حولهما المثقفون والصحفيون خاصة بعد أغنية “أنا أتوب عن حبك أنا؟”، ثم “عشق الصبايا”، و”ساعة العصاري”، واتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع محمد على، فكونوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء ساهم فيها العديد من شعراء أمثال: فؤاد قاعود و سيد حجاب ونجيب سرور، وتوفيق زياد، ونجيب شهاب الدين وآدم فتحى وغيرهم.

يقول الشيخ إمام “في أوائل الستينيات التقينا أحمد فؤاد نجم وأنا. كلانا كان يبحث عن طريقه. كلانا كان متململا من الأغنية المطروحة، يجدها تجارية، لا تقول شيئا ولا تضيف شيئا”، إلى أن كانت النكسة 1967، حيث زلزلت هزيمة حرب يونيو أركان المصريين كما فعلت بالثنائي، وسادت نغمة السخرية والانهزامية بعض أغاني إمام مثل “الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا – يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار”، و”يعيش أهل بلدى وبينهم مفيش – تعارف يخلى التحالف يعيش”، و”وقعت م الجوع ومن الراحة – البقرة السمرا النطاحة”.

كلف ذلك إمام ورفيق دربه نجم حريتهما وحكم عليهما بالسجن المؤبد في عهد جمال عبد الناصر، وكان بذلك الشيخ إمام أول فنان عربي يدخل السجن بسبب أغانيه الناقدة واللاذعة للسياسة، وبعد موت الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أفرج عنهما، لكن ذلك لم يمنعهم من نقد خلفه أنور السادات بّأغاني أشد حدة وأكثر جرأة، ليلقيا نفس المصير السجن.

يقول نجم في أحد لقاءاته التلفزيونية عن مرحلة السجن “حبوا يعزلونا فادونا فرصة جميلة جداً. إن أنا أقعد مع دماغي، ومفيش قلم ولا ورقة أكتب القصيدة، أكتبها أحفظها. اللي يقع يتنسي خلاص مليش دعوة بيه ده مش شعر، وبعدين في الفسحة بقى اعدي عالزنزانة بتاعة إمام، اقوله اسمع ياض يا إمة، يقولي هات ياض، اروح قايله القصيدة، وهو يلحن”.

مثلت المرحلة السجنية في حياة المبدعين فرصة ذهبية لمزيد الإبداع والانفتاح على قضايا إقليمية ودولية أخرى نتيجة الاحتكاك بسجناء رأي آخرين يمثلون مختلف التيارات الفكرية الموجودة في ذلك الوقت، ومنها أبدعوا “جيفارا مات” ومصر يمة يا بهية وغيرها من الأغاني الملتزمة.

شهدت علاقة الثنائي في فتوراً قيل أنه بسبب شخصية أحمد فؤاد نجم التي تميل للقيادة وفي منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذي جاوز السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفي في هدوء في 7 يونيو 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة يُغنى إلى اليوم.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.