تقارير

تمكّن “شاهد تونس” وعسكرة الأنظمة العربية

 

تعددت تحاليل وتأويلات الخطاب الأخير لرئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، تحاليل أطنبت بشكل ومضمون الخطاب وتوقيته، لكن تغافلت عن أهدافه على المستوى المحلي والعربي والدولي، وإن لامست بعض التحاليل ذلك.

ظهر الشاهد كعادته بصورة ذلك الشخص الهادئ وجّه كلماته بثقة، فُهمت من خلال خطابه المباشر الذي استغنى فيه عن نصه المكتوب كما جرت العادة في أغلب إطلالته، تحدث عن محاور ثلاث، في وقت لم يتجاوز الربع ساعة، تعهد فيها بانقاذ القدرة الشرائية للتونسي التي تدهورت في السنوات الأخيرة، واقترح خارطة طريق لستة أشهر، ودعا إلى إنشاء ميثاق أخلاقي يلتزم به السياسيين، خاصة وأنّ العد التنازلي للانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول القادم، بدأ.

الخطاب وإن كان خاطفاً، على عكس ما انتظره التونسيون ومخيباً لأمال الكثرين كما كان متوقع، فإن هدف الشاهد منه بدا واضحاً، وهو صرف النظر عن فشله أولاً وتوجيه الأنظار نحو الانتخابات ثانياً والظهور الإعلامي الذي يخدم صورته إلى حد كبير لدى التونسيين ثالثاً.

وإن أجمع الكل على فشل حكومة الشاهد على المستوى اقتصادي والاجتماعي، وخير دليل في ذلك ما يعيشه اليوم التونسي من أزمة جعلته يكابد الأمرين، فإنه بلا شك نجح على المستوى السياسي، جاعلاً من ذلك الشاب الذي جيء به من غياهب سفارة الولايات المتحدة بتونس ومن الصفوف الأخيرة لحزب نداء تونس سنة 2016، رجلاً يعي جيداً مناورة حلافائه السياسيين قبل خصومه.

عاشت تونس في صيف 2016 أزمة سياسية حادة نتجت عنها مطالب بضرورة إقالة حكومة الحبيب الصيد، لأسباب مازالت مجهولة، وإن راجت أنباء عن رفض الأخير لصفقات لصالح العائلة الحاكمة الجديدة، ورفض الانصياع لأوامرها، فتقرر التخلي عنه.

الأزمة السياسية دفعت بالرئيس الباجي قايد السبسي حينها بالبحث عن اسم تتوافق عليه الأطراف السياسية ورجل يحظى بقبول شركائه بالحكم وأبرزهم حزب حركة النهضة، واستقر الأمر بأن أتى بوجه جديد إلى الساحة السياسية وإن كان يشغل حينها وزيراً للتنمية المحلية، إلا أنه لم يكن من القياديين البارزين، وهو ما حصل في أوت/أغسطس 2016 حيث منح الثقة للشاهد ليكون أصغر من شغل هذا المنصب.

حصل الشاهد على ثقة الأغلبية بالبرلمان، وماهي إلاً أشهر، حتى بدأت صولاته وجولاته في عالم السياسة، فشن حملته الشهيرة على الفساد التي سماها “الحرب على الفساد”،  بدأت بإيقاف رجل الأعمال شفيق الجراية، والعديد من رجال الأعمال وشخصيات أخرى مثل المرشح الرئاسي السابق ياسين الشنوفي والإعلامي سمير الوافي، كما تم مصادرة أموال وأملاك السياسي ورجل الأعمال سليم الرياحي، هذه العملية التي كان يحضر لها سراً منذ أشهر، لاقت ترحيباً ودعماً كبيرين من قبل التونسيين، رغم حملات التشكيك فيها.

حملة سرعان ما تراجعت وتيرتها لتتعزز الشكوك بمدى جديتها، لكن من خلالها أثبت الشاهد للأطراف الداخلية أنه ليس بالرجل السهل وقادر على تطبيق القانون مهما كانت الأطراف وأثبت للخارج أنه رجل دولة يمكن المراهنة عليه.

الحرب مع السبسي الابن

رسائل الشاهد عززتها الأزمة التي بدأت في حزب نداء تونس والتي خرج فيها منتصراً ظافراً بتأييد العديد من قيادات النداء وكاسباً جزءاً من تعاطف الشعب، تاركاً خلفه ابن رئيس البلاد، حافظ قايد السبسي يجتر طعم الهزيمة النكراء، زادتها مرارة أنباء تقول بأنه من بين الذين طرحوا الشاهد كبديل للصيد.

ورغم انحياز الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لابنه في خطة لتوريثه الحكم، والمطالبة بضرورة إقالة الشاهد بحجة فشله بحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، في سيناريو مشابه لما فعله بالصيد، فإن الأمر باء بالفشل خاصة وأن الحليف السياسي الأكثر ثقلاً، حركة النهضة، عارض الأمر ووقف بوضوح بصف الشاهد بحجة دعم “الاستقرار السياسي”.

فهم السبسي الأب، بذكائه المعروف وحنكته السياسية، أن الأمر أفلت من يده، ووعى بأنّ ابنه لا مستقبل سياسي له في الساحة السياسية (على الرغم من انتخابه منذ أسبوع رئيساً للجنة المركزية لحزب نداء تونس)، وأنّ لا حاظنة شعبية له، وهو ما دفعه مؤخراً، للمطالبة برفع تجميد عضوية الشاهد من نداء تونس، خلال المؤتمر الانتخابي الأول للحزب المنعقد بمدينة المنستير، والذي قال فيه بأن الشاهد ابن النداء، وأن طلبه هذا لمصلحة الحزب وتونس، ليتابع “أتمنى منكم الموافقة على طلبي”.

الدهاء السياسي للرئيس التونسي ونظرته الثاقبة، قيمت وضعية الشاهد الذي أكد في كل معركة خاظها أنه يتعلم سريعاً ويشتد عموده الفقري صلابة مع كل حرب، وأنه حاز على رضا أطراف سياسية وشعبية في تونس ورضا الأطراف الدولية خاصة التي تراقب المشهد.

 الشاهد والانتخابات

مازال الشاهد لم يحسم موقفه بعد من الرجوع لحزب النداء وسط أنباء مؤكدة بأنه الأب الروحي للحزب الذي أنشئ حديثاً “تحيا تونس”، وأنّ المسألة ليست سوى وقت ليعلن انتماءه للحزب وترشحه للرئاسة في الانتخابات القادمة، ويبدو أنّ الشاهد سينتظر الأمتار الأخيرة في سباق الانتخابات ليحسم انتماءه لاستغلال أكثر ما يمكن منصبه لخدمة مستقبله السياسي، وللحد من نفوذ خصومه السياسين، وأكبر دليل على ذلك مهاجمتهم من حين إلى آخر، والتذكير بأن الأزمة التي يعيشها التونسيون اليوم ليس سوى نتيجة لسياسات سلفه.

وتقول مصادر عسكرية موثوقة أنّ الشاهد يعمل على اتفاقية تقضي بأن يتولى الجيش التونسي حماية ومسؤولية الثروات الباطنية للبلاد، خطوة تؤكد مصادرنا أنها في اللمسات الأخيرة، وهو إن صح فإنها ورقة ستخدم الشاهد على مستويين محلي ودولي، فهي ستزيد رصيد الشاهد الانتخابي وهي ضربة أخرى لبارونات الفساد والتهريب بالبلاد ولا شك أنها ستقطع موارد هائلة للسياسيين قد يستغلونها ضده بالانتخابات، كما أنها ستثبت للخارج كفاءته لتولي أعلى المناصب بالبلاد.

تصرف الشاهد سيطرح تساؤل عميقاً آخر عن دور الجيش التونسي في المرحلة المقبلة إن زُج به في هذه اللعبة السياسية، التي ظل طيلة 8 سنوات بمنأى عنها؟
كما يطرح إشكالية كبرى عن الدور الذي سيلعبه في ظل عسكرة أنظمة الدول العربية من حوله؟

عسكرة الأنظمة العربية

لا يخفى أنّ تحرك الصفائح التكتونية الشعبية في البلدان العربية، زلزلت الأنظمة الاستبدادية الجاثمة منذ عقود على عروشها، لتكون بعض هذه الأنظمة جبهات مضادة، حشدت من خلالها الموارد والعتاد لوقف تحرك الاحتجاجات، فتفننت في طرق وأدها واستنباط السبل للإجهاضها، مجندة كل فكرها ومخططاتها لإفشال التحول مرة والانقلاب عليه أخرى والالفاف عليه مرة ثانية واحتواءه طوراً ومحاربته طوراً آخر، مستغلة الأمر لتطويع صعود العسكر لسدة أنظمة البلدان الثائرة، وتتحين الفرصة للسيطرة على مجريات الأحداث بما يخدم مصالحها وأجنداتها، حتى تأمن من أن السيل الجارف لن يحمل جاهاها وسلطانها.

إنّ مسك الجيش بزمام الأمور في مصر والجزائر والسودان والدفع بحفتر في ليبيا نحو محاربة الحكومة المعترف بها دولياً لعسكرة ليبيا هي الأخرى، ستدفع عرّابي الثورة المضادة لاستغلالها أحسن استغلال، ولعل الوفود المصرية والسعودية والإماراتية التي “حجّت” إلى السودان يصب في هذا الاتجاه.

في مصر حُسم الأمر، فقد سارعت البلدان الخليجية لدعم الانقلاب العسكري الذي شنه عبد الفتاح السيسي على الرئيس الشرعي محمد مرسي، ورغم الانتقادات الدولية والحقوقية لما ارتكبه من مجازر في حق المتظاهرين، إلا أنه وجد حاظنة دفعته بإرساء حكمه، على حساب أحلام وتطلعات الشباب المصري الذي قاد ثورة 25 يناير ضد الظلم والاستبداد، ليطبق على أنفاسها بما أوتي من قوة استمدها من تغاضي دولي على انتهاكاته مرّة ودفع أثمان سكوتهم طوراً آخر من حساب التاريخ والأرض المصرية مرة أخرى.

أما الجزائر وإن كان الأمر مختلفاً نظراً لقرار الجيش الذي رفض الزج بنفسه في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ 22 شباط/فبراير الماضي، بسبب خروج مظاهرات بالمدن الجزائريّة للمطالبة بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، نتيجة تدهور حالته الصحية، واختار الإشراف على فترة انتقالية للبلاد والسهر على الخروج من الأزمة بضمان تطبيق الدستور للوصول بالبلاد لشاطئ الانتخابات، إلا أن رفض المحتجين لكل الوجوه السياسية المرتبطة بنظام بوتفليقة كمشرفين على المرحلة الانتقالية، ورفض الرجوع إلى عرونهم والتشديد على رحيلهم “كاع” (جميعاً)، دون تقديم بديل سياسي منهم، يكون قادراً على تحقيق مطالبهم، قد يدفع بالجيش لسد هذا الفراغ السياسي ولو مكرهاً.

سيناريو السودان ليس ببعيد عن الجزائري فما إن أعلن الجيش الجزائري تحمل مسؤولية المرحلة الانتقالية ببلاده، حتى استلهم الجيش السوداني الأمر وشجعه ذلك على الانقلاب على الرئيس عمر البشير الذي تعيش بلاده هي الأخرى احتجاجات منذ ديسمبر/كانون الأول مطالبة باصلاحات بادئ الأمر لتتحول سريعاً للمطالبة بإسقاط  نظامه، ومع تواصل رفض المتظاهرين للمدة الانتقالية التي حددها المجلس العسكري بسنتين، يبقى المجلس في إمتحان كبير خاصة مع هرولة أنظمة مجاورة لاحتوائه وتدعيمه بغاية بأنفسهم.

لليبيا سيناريو مخالف لكن عنوانه الرئيسي محاربة الجيش برئاسة خليفة حفتر، لحكومة منتخبة ومعترف بها دولياً، والانقلاب على الشرعية الدولية تحت مظلة “مكافحة الإرهاب”، فشن حرب على العاصمة طرابلس، بهدف السيطرة على الحكم بدعم ودفع من عرابي الثورة المضادة، مازال الكر والفر لم يحسم معركتها بعد، وسط مؤشرات بتكبد حفتر لخسائر فادحة دفعته للاستنجاد بتغطية جوية من قوات أجنبية قال إنها “صديقة”، لتكشف تقارير بأنها قوات فرنسية تدعم حربه بالاستشارة والعتاد.

يبقى النموذج التونسي بوجود أنظمة تكتسي من حوله حلة عسكرية، في رهان حقيقي، خاصة وأنّ البلدان العربية التي يحكمها الجيش تواجه انتقادات بنقص الحريات واتهامات باستفحال الاستبداد واستياء من تعمق الانتهاكات التي ثارت الشعوب يوماً ضدها.

كما تبقى عسكرة المنطقة العربية والحرص على احتوائها وتدعيمها من أطراف مجاورة، يدفع بالتساؤل عن ارتباطها بـ”خطة سلامهم” وبما بات يُعرف “بصفقة القرن” الذي أعلن مستشار رئيس الولايات المتحدة، جاريد كوشنر قبل أيام أنها ستكون “عيدية” المسلمين لهذه السنة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.