مدوناتدين وحياة

رمضان بنكهة بريطانية

 

بين ساعات الصيام الطويلة، وسويعات الإفطار القصيرة، يحاول الصائمون في بريطانيا تقسيم الوقت بين العبادات والعادات، ساعين إلى إرضاء الله في أجواء رمضانية، تذكّرهم بما حُرموا منه في ليالي رمضان الساهرة في القاهرة وبغداد ودمشق والرباط وغيرها من المدن العربية.

 

وكأنهم يبلسِمون مرارة غربتهم ببركات رمضان الكريم، ونفحاته الروحانية، مع ما لذ وطاب مما رزقهم الله من خيراتٍ وطيبات. على الرغم من اختلاف البيئة، وما فيها من عاداتٍ وتقاليد غربية غريبة، إلا أن مسلمي بريطانيا، على تباين مشاربهم وجنسياتهم ومذاهبهم، حافظوا على ممارسة شعائرهم الدينية ‏وعاداتهم الاجتماعية خلال شهر رمضان المبارك، تماماً كما كانوا يؤدونها في بلادهم. إذا ما ساقتك أقدامك إلى أحد الأحياء ذات الأغلبية المسلمة في لندن، ستجد “رمضان الكريم” يتجلى بنكهة صومالية أو تركية أو بنغالية أو باكستانية أو إيرانية، ولن يفوتك رمضان بمختلف النكهات العربية.

 

يُقبل رمضان هنا بصمت، ويمضي من دون ضجيج، فلا صوت لمدفع الإفطار، ولا مسحراتي يطوف الأزقة لإيقاظ العباد لتوحيد الله والتزود بسحور يقيهم من عطش أو جوع. هنا لا صوت لمؤذّن يعلو داعياً إلى صلاة الفجر، أو مُكّبراً عند الغروب لتبتلّ العروق. وتزداد معاناة الصائم في بلد غير مسلم مثل بريطانيا، عندما يستيقظ صباحاً متوجهاً إلى العمل أو المدرسة أو حتى لقضاء حاجيات الحياة اليومية، فتلاقيه المقاهي والمطاعم والشوارع مفتوحةً على أفواه مليئة بكل ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات، بينما هو يتجرّع صبر الصيام، ويأمل أجرا من الله يساوي مشقة صيامه. بكثير من الصبر والإيمان، يتزود مسلمو بريطانيا، أيام شهر رمضان الطويلة، حيث تزيد ساعات الإمساك عن 18 ساعة، ولا يبقى من أطراف الليل إلا سويعات قليلة يتقاسمها الناس بين الإفطار والصلاة والتسامر.

 

على الرغم من ساعات الإفطار القصيرة التي لا تزيد عن خمس ساعات، يحاول الصائمون في بريطانيا اغتنام الدقائق من أجل قضاء بعض الوقت في جلسات تسامر داخل المنازل، أو في المقاهي العربية التي تنتشر في أرجاء المدن البريطانية الكبرى، مثل لندن ومانشستر وغيرهما. تقدم المقاهي والمطاعم العربية لروادها الشاي والقهوة والمرطبات التقليدية، مثل الخروب وعرق السوس وعصير الزنجبيل والكركديه إلى جانب النرجيلة، ليستريح الصائم من عناء يوم طويل، في أجواء قد تعوّض المهاجرين واللاجئين عن بعض ما فاتهم من ليالي رمضان وطقوسه في أوطانٍ كأنها تطاردهم بعدما طردتهم.

 

في نهارات رمضان، يبدو شارع العرب في العاصمة البريطانية، إيدجوار رود، بلا طعم ولا لون ولا رائحة. هادئاً، وقد خلت المحال من روادها الذين انصرفوا إلى أعمالهم، أو خلدوا للنوم والراحة، بانتظار انقضاء ساعات الصوم الطويلة. قبيل المغرب، تبدأ الحياة تتسرب في عروق الشارع، حيث تتسارع خطى الصائمين لحجز ركن في أحد المطاعم بانتظار رفع الأذان. وعلى الرغم من ساعات الإفطار القصيرة، إلا أن رواد الشارع يصرّون على قضاء كل الوقت في مناخ يعوضهم عما تركوه هناك في أوطانهم الأصلية. تُبدع المطاعم العربية على جانبي الشارع في تقديم الأطباق والوجبات التي تمتد عبر خريطة المطبخ العربي، من الكسكسي القادم من المغرب وتونس والجزائر وليبيا إلى الكبسة السعودية، مروراً بورق العنب والمخللات والمعجنات وأطباق الفول والحمص والمتبل والمقبلات والسلطات اللبنانية والشامية، إلى جانب المسخن الفلسطيني والمنسف الأردني.

 

عند نقطة تلاقي “أكسفورد ستريت” مع “بارك لين”، مقابل قوس “ماربل آرش”، تبدأ العتبة الأولى من “إيدجوار رود”، أو “شارع العرب” كما يسميه أهل لندن الأصليون والمهاجرون والأجانب، وحتى السياح العابرون. لا حاجة للاستعانة بخريطةٍ سياحيةٍ للوصول إلى الشارع، حيث سحب الدخان المتصاعد من النراجيل وسياخ المشاوي ترشد الضالين والغرباء. وتهدي أصوات أم كلثوم وراشد الماجد وكاظم الساهر الصادحة من المحلات والمقاهي والسيارات المكشوفة الزوار إلى مضارب بني يعرب في عاصمة الضباب.

 

نواف التميمي

أكاديمي وإعلامي فلسطيني، أستاذ الصحافة في معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.