مدونات

طرت فوق القمر.. و صافحت العقاد

 

في مارس استقبلت مكالمة هاتفية رسمية، بنبرة جدية انقبض لها قلبي لوهلة، حياني باسمي الثلاثي، فزادت حيرتي واستغرابي. ثم أخبرني جملة واحدة حينها طارت روحي فوق القمر وراقصت النجوم الدبكة.  

 

أخبرني صاحب دار نشر نصًا :

” مبروك نرحب بنشر روايتك”

حينها رأيت مريد البرغوثي يُخبر رضوى: “الحقي عم يحكيلي يا شاعر راح نطبع الك الديوان.”

و صافحت العقاد ذا السادسة عشر عاماً عندما أحضر أول عمل أدبي صُدر له في جريدة الى رب عمله الذي طالما استهزأ من شغفه بالكتابة و يلحق بالعقاد الأذى و يدني من مركزه الوظيفي لأنه منشغل بالمقال و البيان. حينها جاء العقاد الي المكتب مزهوًا معلناً استقالته!

أمي مسحت على رأسي في صغري بحنان و اعتلت البسمة شفتاها فانفرجت عن ينابيع سعادة تبشر بالدرب الجديد قالت ان كتاباتي تشبه عمود مواقف لأنيس منصور  بأسلوبه السهل الممتنع كعادة الأمهات يشجعن ابنائهن لكنها فتحت لي البداية من دون أن اشعر.

  أتذكر كافة التفاصيل كيف اقتادتني أمي الى مكتبة دار الشروق بالدقي و طافت بي بين الكتب كنت فتاة في الحادية عشر كتبت قصيدة ركيكة الاركان بسيطة المعاني دافئة الاحاسيس و قد تملكني هوس الابيات تجري على اللسان و تشعل الرأس بمختلف الألحان والأوزان و افكار افكار يجب أن تدون و لكن أين لي من الحصيلة اللغوية ما يسعف؟  

 

 

ابتاعت لي أمي حينها ثلاثة كتب أولهم لعبد الوهاب المسيري والثاني لبهاء طاهر واحة الغروب و الثالث عزازيل ليوسف زيدان.

بعد عشر سنوات أثارت واحة الغروب الدراما العربية و احدثت ضجة إبداعية و ازدادت طبعات عزازيل بعد أن صارت من افضل الروايات العربية.

و نُشرت لي رواية الحب و الكرمل في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2019.

 

 

من قريب مررت بذات الشارع افتش عن تلك المكتبة السحرية لاستثير الذكريات  التي جذبتني الى عالم القراءة و قارنتني بالقلم فوجدت مقهى حديث الصيحة يقدم الكابتشينو و الكرواسون الفرنسي بالشوكولا على انغام الميتال و ضوضائها العجيبة بحثت و بحثت ربما اخطأت الشارع او البناية لكن اختفت المكتبة!

أقف في المنتصف تمامًا لا أدري أأحسنت البداية أم أنها رؤيا سراب؟

أقف في البداية تمامًا لا أدري هل أبلغ أم أنها محاولات كملايين أخرى طمستهم الأيام في خانات اللا جدوى.

الاستفهام يلازمني على الدوام لم أعرف إجابة قط.

و إن وجدت إجابة شافية تغافلت عنها لأبدأ دورات البحث التي لا تنتهي. كيف تنجو صدفة صغيرة بين تلك الأمواج الراسخات التي لا تعرف مدًا و لا جزرًا. تجرف فقط! متى أبلغ الشاطئ؟ فقد تعبت التجديف في بحار الأدب بلا بوصلة و لا وجهة ترضيني.

الآن أو لا مطلقاً هذه فلسفتي و مع ذلك لا أجد تناقضاً في الكثير من القرارات المؤجلة، الكثير من التوتر التشكك التذبذب. الكثير من الخطط اللامدروسة. نفحات البدايات الجديدة مؤرقة. تكافئنا الأيام ببعض الانتصارات الصغيرة فتهون الأيام المتشابهة.

أدق ابواب النجاح بحذر و يخفق قلبي مخافة التخبط. انظر شذرًا للمجهول و في روحي فتيلة أمل ترتعش الانطفاء في عتمات اختفاء القمر.

لا أريد أن أبذل جهوداً سبقني غيري بها. يخيفني مستقبل قطعة دومينو مكررة لا تظهر وسط العشرات جميعها أمسي على طاولة حانة او قهوة بلدي في زقاق ضيق قديم عفا عليه الزمن يقف شاب يترنح يزج إحداها و تتساقط تباعا الا الأصل شامخة. تصيب و لا تخيب، تزهر و لا تشيب!

 

 

لا تهزها رياح الترندات المتجددة و لا تذبلها فوضى اللايكات الزائفة و لا تشيب أوراقها و لا تخيب  عباراتها عن الماضي الرشيد و لا توقعاتها عن المستقبل البعيد.. او كسارق نصوص يكسب رزقه بمحاكاة اسلوب قديم و يتسلطن القراء لأنه يعيد عليهم ما كان و فات على الرغم من أن أقلام الأدباء العظام باقية خالدة تباع بملاليم الجنيهات.

في فبراير الماضي  ابتعت كلاسيكيات الرافعي  بـ 20 جنيه جنيهًا و رأيت كاتب يتصدر قوائم الاكثر مبيعا  تعتلي كتاباته وسائل التواصل الاجتماعي تتعدى قيمة الكتاب السبعين جنيها و اعماله لا تفيد و لا تسمن و لا تغني!

يدهشني اهتمامات الجماهير. فاختيارات العناوين البراقة الناجحة التي تخطف عين القارئ و لبه هي القائمة قولًا و مضمونًا بالهزل

من يضحي بساعة قد يفوز فيها بمباراة في بابجي بالقراءة عن مي زيادة التي ودعت ايامها الادبية في مشفى للأمراض العقلية.

أو مأساة كافكا مع ابيه و يثيره معاناة العقاد من التنمر في صغره.

و لعلك لاحظت الطفرة العجيبة التي اجتاحت السنة الشباب كالوباء لا سيطرة عليه. يرددون  ضاحكين مازحين خلف خوستيقه التريند الشبابي الحديث الذي يدمر اللغة بكل ما فيها من املاء بخفة دون انتباه!    

ما أسهل الشهرة بالهزل و ما اطول طريقنا اذًا!

يؤرقني سؤال و إجابته تفزعني، احاول انكاره لأتفاداه لكن سرعان ما تستجديني بكل الحيل و الطرق. صدقني ليس تذبذبًا و لا هو وسواس قهري ولا اكتئاب المنتصف!

كلما تقدمت خطوة يتبرع السؤال بطرح نفسه من العدم قائلًا كاتبة أخرى، كاتبة أخرى في طابور الأدب المزدحم الملئ. استريحي قليلًا فالمسرح بأسره حجزته طائفة الساخرين المستهزئين و ذوي العبارات الرنانة و أحاديث الحب و الدجل الرخيص.

و لو كنت من أصحاب النفس الطويل و تقنعين بالمجاز و اللفظ البليغ المتين فانتظري بضع سنين لعمر الستين. حينها قد ندبر حفل توقيع كبير من يدري؟

كما قلت لك تراودني الكثير من الأفكار تجري خلفي فألاعبها الغميضة و اخفي نفسي بهموم أخرى اصغر حجمًا او اكبر لا أدري. المهم ألا أصارحني بصعوبة الامر في عالم صار امتهان الكتابة حرفة من لا صنعة له و شغلة من لا شاغل له. ومع ذلك فالقلم لن يستقيم الا لأصحابه. و أن الموهبة تلك المنحة المبتغاة، شبح البيان الخفي الذي يتسلل من خلايا عقلك فتنتفض له أطراف أصابعك. البيان الذي ميز بين أديب و فقيه كلاهما يؤرقه المعرفة كلاهما يحمل رسالة،  و بين شاعر و باحث كلاهما يفتش عن أسرار الكون و النفس.

لكن دعنا نعود للواقع. للشارع للبسيط، لربة منزل وعامل و طاهي و مراهقين لا يهتمون البتة بأحاديث جادة و ترهات الكبار السخيفة هل يهتمون اذا توقفت مكاتب الصحافة عن طبع الجرائد و نشرها  توفيرا لجهود كتابها و توفيرا للمال المهدر في خبر لا يقرأه احد؟ لربما تأففت ربة المنزل ألن تلمع الزجاج بالجلانس.

أو ثار بائع الفول كيف سيجفف البطاطس والباذنجان و الطعمية من الزيت! و لاعترض الاطباء لأن نسبة تسمم العامة بحبر جريدة -قد تحمل مقالًا عن إبداعات الكاتب أنيس منصور أو عن سيرة يوسف ادريس مثلًا- ستقل إلى الحد الذي لن يؤكلهم عيش !.

أوجدت حلًا لتساؤلاتي؟

 

نوران الراضي

كاتبة وطالبة بكلية الطب بالقاهرة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.