مدونات

كيف يوظف النظام المصري سيناء لحماية إسرائيل؟

كان من عواقب هزيمة مصر في حربها ضد إسرائيل عام 1967، أن وقعت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي لمدة خمسة عشر عاما. وباستثناء “طابا” التي استردتها مصر عام 1989 بالتحكيم الدولي، تم تحرير سيناء ورفع العلم المصري عليها في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982.

وتحتفل مصر في نفس اليوم من كل عام بعيد تحرير سيناء. وبالإضافة إلى كون ذلك اليوم عطلة رسمية، فقد جرت العادة على تقديم التهنئة للجيش المصري الذي حقق نصرا على إسرائيل عام 1973، ومن ثم تحرير سيناء وفقا لجدول زمني تضمنته اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 والمعروفة ب “كامب ديفيد”. كما تشهد مصر في نفس اليوم احتفالا رسميا يحضره رئيس الجمهورية ويلقى فيه خطابا، كما يتضمن الاحتفال عددا من الفقرات الغنائية الوطنية. ومن أشهر الأغاني المرتبطة بتلك المناسبة ما غنته المطربة الراحلة “شادية” بعنوان “مصر اليوم في عيد”، ومن كلماتها “سينا رجعت كاملة لينا”. فهل كان ذلك صدقا؟ وهل عادت سيناء حقا للسيادة المصرية منذ ذلك التاريخ؟

إن القراءة الموضوعية للتاريخ تثبت أن السيادة المصرية على سيناء تناقصت بشكل متوالي لصالح إسرائيل منذ قيام دولتها في الرابع عشر من مايو 1948. فقد كان من توابع هزيمة الجيش المصري في حرب تحرير فلسطين في نفس العام، أن احتلت إسرائيل قرية “أم الرشراش” المصرية في مارس عام 1949 وأطلقت عليها لاحقا اسم “إيلات”. وعلى الرغم أن تناسى الكثيرين لمصرية “أم الرشراش” وعدم الإصرار على استعادتها، إلا أن مصريتها بقيت حية في وجدان المصريين.

فعلى المستوى الرسمي، ذكر الرئيس السابق “محمد حسنى مبارك” عام 1997- على استحياء- أن أم الرشراش مصرية. كما صرح مستشاره للشئون السياسية “أسامة الباز” عقب استرداد طابا بالتحكيم الدولي، أن مصر سوف تلجأ إلى استخدام ذات الأسلوب لاستعادة أم الرشراش. فضلا عن وثائق بريطانية أعلنت عام 2000 تؤكد تنازل الرئيس السابق “جمال عبد الناصر” عنها لإسرائيل، وهو نفس الأمر الذي أكده قائد قوات حرس الحدود اللواء أركان حرب “أحمد إبراهيم محمد إبراهيم” في السادس من أكتوبر عام 2013، حين أكد مصرية أم الرشراش وبرر التنازل عنها لإسرائيل لكونها المنفذ الوحيد لها على البحر الأحمر.

وعلى المستوى الشعبي، فقد نشرت صحيفة اليوم السابع المصرية في الرابع والعشرين من أبريل عام 2011 مقالا للكاتبة هناء أبو العز نوهت فيه إلى قيام عدد من القوى السياسية والمدنية بتكوين جبهة لاستعادة ام الرشراش، إلا أنه – وفقا للمقال – تم التعتيم على الأمر وسط تهديدات من أمن الدولة. وفى عام 2012 اعتصمت الجبهة بميدان التحرير في الذكرى الثالثة والستين لاحتلال أم الرشراش، كما أثار البرلماني صابر أبو الفتوح نفس القضية بمجلس الشعب في العام ذاته.

ولم يقتصر الأمر على أم الرشراش وحدها، فقد انتقصت اتفاقية “كامب ديفيد” من السيادة المصرية على سيناء. حيث نصت في المادة الرابعة منها على محدودية التسليح المصري في سيناء، وعلى تولي قوات تابعة للأمم المتحدة مهام التأمين بها. كما نصت على عدم سحب هذه القوات إلا بموافقة مجلس الأمن، بما في ذلك التصويت الإيجابي للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك. بالإضافة إلى القيود التي فرضتها أجهزة الأمن المصرية على دخول وإقامة وعمل المصريين بسيناء، مقابل التسهيلات الكبيرة التي منحت للإسرائيليين فيما يتعلق بحريتهم في السفر إليها والتنقل بها.

وقد ازداد الأمر سوءا وتناقصت السيادة المصرية على سيناء وخليج العقبة عقب الانقلاب العسكري عام 2013، حيث تنازل نظام الانقلاب بقيادة الرئيس “عبد الفتاح السيسى” عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية. الأمر الذي وثقته محكمة القضاء الإداري في حكمها التاريخي في يونيو 2017 بمصرية الجزيرتين وببطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية. وبذلك فقدت مصر سيادتها على خليج العقبة والملاحة في البحر الأحمر لصالح إسرائيل بفعل تدويل مضيق تيران.

أما الداخل السيناوى فقد ناله الكثير من الدمار من جانب قوات نظام الانقلاب العسكري من ناحية، ومن الجيش الإسرائيلي من ناحية أخرى. وقد اعترف السيسي في لقائه مع قناة “سى بى سى” الأمريكية أن إسرائيل تقوم بهجمات عسكرية في سيناء بموافقة النظام في مصر. كما قام نظام الانقلاب بتدمير جزء كبير من سيناء، وبإخلائها من أهلها إما بالقتل خارج نطاق القانون أو بالتهجير القسري مستخدما ذريعة محاربة الإرهاب. لكن واقع الحال يدل على قيام النظام بذلك تمهيدا لإتمام صفقة القرن التي يدعمها بشدة، وذلك على حد تعبير السيسى أثناء أحد لقاءاته بالرئيس الأمريكي “دونالد ترمب”. تلك الصفقة التي تتنازل فيها مصر عن جزء كبير من سيناء لإقامة دولة فلسطينية.

وهكذا يمكن القول إن سيناء لم تكن أبدا تحت السيادة المصرية الخالصة منذ قيام دولة إسرائيل، وأن نظام الحكم العسكري في مصر منذ 1952 وحتى الآن قد أبقاها ظهيرا استراتيجيا مفيدا لإسرائيل، وحرمها من أي تنمية حقيقية تذكر، بل قام بتدمير وإخلاء جزء كبير منها تحقيقا لأهداف إسرائيل التوسعية. وبقراءة مجريات الأمور وتحليل تطوراتها ومع اقتراب إتمام صفقة القرن، فإن الاحتفال بعيد تحرير سيناء 2019 قد يكون الأخير من نوعه إذا ما تمت تلك الصفقة.

 

أبوالفتوح قنديل

  باحث و كاتب مصري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.