ثقافة

أغاني السمسميّة: فنّ عريق وشعبي ومقاوم‎

 

تتميّز المدن المجاورة لقناة السويس (بورسعيد والإسماعيليّة والسويس) بأغانٍ فريدة من نوعها، تقوم أساسًا على عزف آلة “السمسميّة” ورقصة “البمبوطيّة”.

وقد مرّ هذا الفنّ بأطوار عديدة، في ظلّ التغيّرات الحضاريّة والسياسيّة، لكنّه حافظ على بعض المميّزات الأساسيّة الّتي جعلته فنًّا متفرّدًا يعبّر عن هواجس سكّان هذه المدن ويؤرّخ لعاداتهم وطريقة عيشهم والأحداث التاريخيّة الّتي عاصروها.

 

ويقوم هذا الفنّ بالأساس على أغاني “الضمّة” وأغاني “السمسميّة”، ولكن رغم امتزاجهما في أواخر القرن العشرين؛ إلّا أنّ هذان النمطان من الغناء مختلفان نسبيًّا.

فأغاني الضمّة هي عبارة عن تواشيح وأغانٍ صوفيّة، تقوم على الارتجال وقد ترعرعت في حلقات المتصوّفين الليليّة بعد أن يفرغوا من أعمالهم الدنيويّة، وتتميّز كلماتها بالطابع الحكمي والقصصي وتنزع نحو التأمّل والوعظ.

وفي بعض الدراسات الأخرى، يرجع بعض الباحثين أغاني الضمّة إلى فترة حفر قناة السويس، حيث يجتمع الفلّاحون المجلوبون من كلّ أنحاء مصر على قطع من الخبز بعد يوم شاقٍّ ورهيب من العمل المضني تحت لهيب الشمس القاتل، في شكل حلقات صغيرة (الضمّة)، ويتقرّب بعضهم من بعض من خلال الحكايات الشعبيّة والغناء. ويكون اجتماع العمّال حسب انتماءاتهم الجهويّة، فشكّل الصعيديّون ضمّة، وأهل دمياط ضمّة، والنوبيّون ضمّة. وما يؤيّد هذا الاتّجاه، هو شيوع أغاني الضمّة في مناطق عديدة من مصر، مع اختلافات في القوالب الموسيقيّة. ولكن في كلّ الحالات، وُلدت أغاني الضمّة في المنطقة المحيطة بقناة السويس.

وبقيت الضمّة فنًّا متأصّلًا في منطقة قناة السويس، حيث يجتمع العمّال والبحّارة عقب صلاة العشاء للغناء والعزف.

 

 

 

وفي ثلاثينيّات القرن العشرين، قام عازف من أصل سوداني يُدعى عبد الله كبربر بإحضار آلة السمسميّة إلى الإسماعليّة وبورسعيد والسويس، (السمسميّة هي آلة موسيقية ذات أصول مصريّة قديمة، كما هو مسجّل على جدران المعابد؛ تحتوي على خمسة أوتار، لأنّها تُستعمل أساسًا لعزف الطبوع الإفريقيّة ذات السلّم الخماسي.

أمّا الآن، تُعتَبر السمسميّة آلة وتريّة مصريّة تُصنَع بشكل محلّي، وهي عبارة عن أسلاك من الصلب الرفيع تُشَدُّ بقوّة على صندوق خشبي، ويتمّ العزف عليها بالضرب على هذه الأسلاك مثلها مثل الربابة والطنبورة والسنطور).

لكن في البداية، لم يتقبّل الناس اندماج السمسميّة والضمّة، فالضمّة كانت تحمل أبعاداً صوفيّة ودينيّة، كانت خليطًا بين الموعظة الدينيّة الصوفيّة والاحتفاء بالمناسبات الاجتماعيّة كالزواج والطهور والحجّ وتمارس أثناء هذه المناسبات، ولذلك كان صحبجيّة الضمّة يرفضون مشاركة مغنّي السمسميّة جلساتهم على اعتبار أنّ السمسميّة مرتبطة بالمقاهي والخمّارات.

لكن تزامنًا مع العدوان الثلاثي في عام 1956 أصبحت آلة السمسميّة آلة مقاومة شعبيّة، وبدأت تستقطب الناس لأنّ الفنّ المرتبط بها أصبح أكثر قربًا إلى فهم السامع في ذلك الوقت، مقارنة بنصوص الضمّة مجهولة المؤلّف والملحّن، والمقتصرة على مواضيع بعينها؛ ونتيجة لهذه التطوّرات اندمج هذان النمطان في قالب واحد.

وكان للاندماج بين الضمّة والسمسميةّ أثر لتحول الآلة من خماسية الأوتار إلى أعداد أكبر، حتّى لا تظلّ في سلّمها الخماسي، وتناسب مقامات الموسيقي العربيّة، إلى أن أصبحت السمسميّة آلة من آلات الضمّة.

ومن الحانات والمقاهي، خرجت السمسميّة إلى الشارع واستوعبت أغاني الضمّة، فبعد العدوان أصبحت السمسميّة لسان حال الشعب في منطقة القناة، حيث كان الفنّانون يتغنّون بها ضدّ العدوان الثلاثي وهو ما وسّع من قاعدة انتشارها بين الناس، لأنّها كانت وسيلة لشحذ الهمم لمقاومة العدوان.

لكنّ الجدير بالذكر، أنّ فنّ السمسميّة بقي مرتبطًا بالعمّال والبحّارة الّذين حملوا على عاتقهم الاعتناء به وصقله وتهذيبه ونشره في المناطق المجاورة لبورسعيد والإسماعليّة.

وهذا ما تدعّم بعد نكسة 1967، واحتلال الكيان الصهيوني لسيناء، فأصبحت السمسميّة سلاحًا لمواجهة الاعتداءات والتغريب، وظهرت موجة جديدة من “الصحبجيّة” الّذين كانوا متراسًا ثقافيًّا مقاومًا ومحرّضًا ضدّ الاحتلال وضدّ الشعور الجمعي بالهزيمة والخذلان.

ولعلّ هذا ما يفسّر الطابع المرح والراقص لأغاني السمسميّة، فهي أغانٍ تنضخ بالحياة والبهجة كانت خير حصانة لأهالي المدن المجاورة لقناة السويس ضدّ حالة الإحباط الّتي لاحقتهم في كلّ مرّة في ظلّ الحروب والاعتداءات العديدة في تاريخهم، من حفر القناة الّذي شهد مجزرة في حقّ الفلّاحين العاملين فيها مرورًا بالعدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف وحرب التحرير.

ويتمّ مصاحبة هذه الأغاني الشعبيّة بآلة السمسميّة أساسًا والرقّ والطبول والدفّ والمثلّث الحديدي؛ وتُلقّب مجموعة مغنّي الضمّة والسمسميّة وعازفيها باسم “الصحبجيّة”، ويؤدّون رقصة فلكلوريّة تُعرف باسم البمبوطيّة، الّتي يعود اسمها إلى كلمة إنجليزيّة الأصل “مان بوت” (boatman) أو رجل القارب‏، وحُرّفت مان بوت إلى بمبوط‏، حيث عرفت مدن القناة هذه المهنة منذ افتتاح قناة السويس في عام 1869، وتقوم على بيع السلع للمراكب الّتي تعبر القناة.

ولذلك تشبه حركات هذه الرقصة حركات يقوم بها البحّارة على المراكب في البحر، كصيد السمك والتجديف وتجميع الشباك، لكنّ إيقاع الرقصة أكثر سرعة وتجانسًا.

وقد برزت فرق عديدة تؤدّي أغاني السمسميّة، منها فرقة “أولاد البحر” ببورسعيد و”أولاد الأرض” بالسويس، وغيرها… لكنّ أشهرها هذه الفرق “الصامدين” في الاسماعيليّة و”الطنبورة” في بورسعيد..

 

فرقة “الصامدين” في الاسماعيليّة:

كان أعضاؤها يغنّون في المقاهي، وفي الملاعب الرياضيّة تشجيعًا لفريق الإسماعيلي لكرة القدم. ولكن مع قُبيْل نكسة 1967، بدأ الهمّ الوطنيُّ يسود على أغاني السمسميّة خاصّة مع ظهور فرقة “أولاد الأرض” في السويس. ولذلك، تجمّع عديد العازفين والمغنّين من الإسماعيليّة في فرقة سموّها “فرقة الصامدين”. وشرعوا في تقديم أغانٍ وطنيّة أثناء الحرب، فغنّوا للجنود في الخنادق؛ ومن ثمّ استمرّت المسيرة في فترة حرب الاستنزاف مع تهجير أبناء الإسماعيليّة بعد النكسة، فقاموا بزيارات متواصلة للمهاجرين في العديد من محافظات مصر، واستمرّت الفرقة بقيادة الملحّن سالم علي والمطرب فوزي الجمل في نهج الالتزام بقضيّة تحرير المناطق الّتي احتلّها العدوّ الصهيوني وإذكاء الحنين إلى الإسماعيليّة والسويس والمناطق المسلوبة.

 

 

في 06 أكتوبر 1973، دُعِيَت “فرقة الصامدين” من قبل القوّات المسلّحة لتنظيم حفل سمسميّة على شاطئ القناة، فقدّمت الفرقة يومها حفلًا كبيرًا شارك فيه عدد كبير من الجنود والمواطنين وترنّم مطربوها بأغانٍ وطنيّة وتراثيّة. وبعد هذه الحفلة اتّضح أنّ هناك هدف آخر من إقامتها، وهو إيهام العدوّ الصهيوني على الضفّة الأخرى من القناة بأنّ الأمور مستقرّة ولا تُوجد أيّة نيّة للحرب؛ وقد ساهم هذا الحفل في عنصر المباغتة إذْ عبرت القوّات المسلّحة المصريّة بعد الحفل بساعة أو ساعتيْن على أقصى تقدير حسب ما رواه مطرب الفرقة فوزي الجمل. كما يجدر بالذكر أنّ “فرقة الصامدين” قدّمت حفلات كثيرة للجنود في معسكراتهم أثناء الحرب لتحفيزهم ورفع روحهم المعنويّة.

ظلّت “فرقة الصامدين” تقدّم حفلاتها في كلّ أرجاء مصر حتّى مطلع الثمانينيّات؛ فبعد الحرب انشغل عدد كبير من أفرادها بأعمالهم ومشاغلهم اليوميّة والأسريّة. ومع حلول خيبة السلام مع العدوّ الصهيوني بعد الحرب، لم يعد الفضاء مناسبًا للأغاني الّتي تغنّت بالمقاومة وببطولات الشعب المصري في ظلّ حالة الإحباط الّتي انتابت الشعب والمثقّفين والمناضلين. لكن استمرّ نشاط الفرقة في الثمانينيّات بعدد قليل من الأعضاء انحصر في حدود 10 أفراد، تحت قيادة المطرب الريّس مرسي بركة… ومن أشهر أغاني هذه الفرقة أغنية “على غصن الحبيب”….

 

فرقة “الطنبورة” في بورسعيد

الطنبورة هي موسيقيّة مستقلّة، أسّسها الريّس زكريّا إبراهيم في عام 1989 في بورسعيد، وهي فرقة تؤدّي أغاني “الضمّة” و”السمسميّة” مع رقصات “البمبوطيّة”، ضمن عروض أقرب ما تكون إلى المسرح الغنائي الشعبي، لكنّها عروض يحكمها الارتجال، والارتجال هو سمة مميّزة لأغاني السمسميّة.

في عروض فرقة “الطنبورة”، تمتزج أغاني “الضمّة” ذات الأصول الصوفيّة والطابع الروحاني مع موسيقى السمسميّة الوتريّة ذات الأصول الفرعونيّة بطابع الموسيقى الإفريقيّة ذات السلّم الخماسي، إضافة إلى روح موسيقي البحر الأبيض المتوسّط، موسيقى الصيّادين من سواحل مصر إلى سواحل اليونان وتركيا.

وقد ساهمت فرقة “الطنبورة” في جمع الأغاني التراثيّة وإحياء جانب مهمّ من الموسيقى الشعبيّة عبر إعادة إنتاجها بمضمون ملتصق بالحياة اليوميّة للمواطن المصري في منطقة القناة، وهو ما جعل الفرقة تتطوّر وتستمرّ طيلة ربع قرن منتجة رصيدًا ضخمًا من أغاني السمسميّة.

 

 

ويجدر بالذكر أنّ فرقة “الطنبورة” نجحت في تطوير آلة “السمسميّة” لتصبح أقرب إلى آلة الطنبورة، إذ أضافوا لأوتارها الخمسة أوتارًا أخرى، وذلك لجعل آلة السمسميّة قادرة على عزف المقامات العربيّة؛ لأنّها في الأصل كانت خماسيّة الأوتار ومخصّصة لعزف الطبوع الإفريقيّة.

ويستخدم أعضاء الفرقة، إلى جانب آلة “السمسميّة” آلاتٍ عديدة أخرى مثل الناي والمثلّث والرقّ والطبول.

وقد شاركت فرقة الطنبورة في عديد المهرجانات المحلّية والعربيّة، وعرّفت بالتراث الموسيقي الّذي ظلّ مهمَّشًا في مصر والعالم العربي؛ كما شاركت في عدّة مهرجانات عالميّة وصدّرت إرث “السمسميّة” إلى مختلف دول العالم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.