فيديوثقافةغير مصنف

أبو جهاد.. أمير الشهداء

ذكرى اغتيال خليل الوزير أبو جهاد

 

كان أساس الانتفاضة، ولب المقاومة، لم تحد بوصلته يوماً عن فلسطين، عاش مناضلاً مقاوماً حتى طالته أيادي الغدر والخيانة ذات أبريل من عام 1988 بتونس على بعد أمتار من قصر الرئيس التونسي حين ذاك زين العابدين بن علي، أطلق عليه 70 رصاصة أردته قتيلاً في بيته بإحدى ضواحي تونس، إنه خليل الوزير أو “أبو جهاد” اسمه الحركي وكما يحلو للكثيرين تسميته.

ولد في مدينة الرملة بفلسطين في عام 1935، وغادرها إلى غزة إثر حرب 1948 مع أفراد عائلته. درس في جامعة الإسكندرية ثم انتقل إلى السعودية فأقام فيها أقل من سنة، وبعدها توجه إلى الكويت وظل بها حتى عام 1963. وهناك كانت النقلة الحقيقية في حياته حيث تعرف على ياسر عرفات “أبو عمار” وساهم معه في عام 1963 في إعلان تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وتولى مسؤولية العمليات في فلسطين المحتلة.

في نفس السنة، غادر إلى الجزائر لافتتاح أول مكتب لـ”حركة فتح” وتولى مسؤولية مكتب الجزائر، ومنها توجه إلى دمشق، حيث أقام مقر القيادة العسكرية ليبقى قريباً من فلسطين، وكلف بتوجيه “الخلايا الفدائية” داخل فلسطين المحتلة التي باتت نواة  لمقاتلين شاركوا في حرب حزيران/ يونيو عام 1967.

تولى بعد ذلك المسؤولية عن القطاع الغربي في حركة فتح، وهو القطاع الذي كان يدير العمليات في الأراضي المحتلة. وخلال توليه قيادة هذا القطاع في الفترة من 1976 – 1982، عكف على تطوير القدرات القتالية لقوات الثورة كما كان له دور بارز في قيادة معركة الصمود في بيروت عام 1982 والتي استمرت 88 يوماً خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

المقاومة

كان مهندس الانتفاضة الأولى، رسم برنامجها في رسالته الشهيرة بعنوان: “لنستمر في الهجوم، لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة، لا صوت يعلو فوق صوت منظمة التحرير الفلسطينيّة”.

وأشرف “أبو جهاد” على الكثير من العمليات العسكرية ضد الاحتلال، وشارك في تنفيذ عدد منها، وأبرزها عملية نسف خط أنابيب المياه في نفق “عيلبون” عام 1965، وعملية فندق “سافوي” في تل أبيب، وقتل 10 إسرائيليين عام 1975، وعملية انفجار الشاحنة المفخخة في القدس عام 1975، إضافة إلى عملية “الساحل” بقيادة الشهيدة دلال المغربي التي قتل فيها أكثر من 37 إسرائيليا عام 1978، وعملية قصف ميناء “إيلات” المعروف باسمه العربي “أم الرشراش” عام 1979، وقصف المستوطنات الشمالية بصواريخ “كاتيوشا” عام 1981.

هذه العمليات دقعت بالاحتلال للتفكير جدياً باغتياله، وهو ما أصبح قراراً وأمراً حتمياً بعد العملية الجريئة التي خطط لها “أبو جهاد” بإنزال مجموعة من الفدائيين إلى شواطئ تل أبيب، ثم التوجه بعد ذلك إلى مقر وزارة جيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة “الهاكرياه” وأسر كبار الضباط والعاملين في الوزارة بما فيهم إسحاق رابين وزير الدفاع آنذاك، لتكون تعبيراً عن رؤيته القائلة: “سنجبر إسرائيل على البقاء في حالة استنفار”.

اغتياله

بعد حصار بيروت في عام 1982 وخروج كادر وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من المدينة عاد “أبو جهاد”، مع رفيقه عرفات إلى مدينة طرابلس، ليقود معركة الدفاع عن معاقل الثورة في مواجهة “المنشقين”، وإذ خرج من طرابلس، توجه بعدها “أبو جهاد” إلى تونس، حيث مقر المنظمة ومقر إقامة أسرته.

كانت عملية اغتيال “أبو جهاد”، قد حبكت، فكلفت الوحدة الخاصة لهيئة الأركان في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسلاح البحرية الإسرائيلي و”الموساد” بإعداد خطة اغتياله.

وأوكلت مهمة قيادة فريق التنفيذ لنائب رئيس هيئة أركان الجيش آنذاك، إيهود باراك، الذي أصبح رئيسا للوزراء فيما بعد، وأشرف الجنرال موشيه يعلون رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية على سير عملية التنفيذ بالتعاون مع جهاز “الموساد”.

وفي 16 أبريل/نيسان عام 1988، أنزل الاحتلال 20 عنصراً مدربين من قواته من أربع سفن وغواصتين وزوارق مطاطية وطائرتين عموديتين للمساندة على شاطئ الرواد قرب ميناء قرطاج في تونس. وبعد رجوع “أبو جهاد” إلى بيته، كانت اتصالات عملاء “الموساد” على الأرض ترصده.

روت زوجته، انتصار الوزير، لحظات اغتياله فقالت حين كان يكتب كلماته الأخيرة على ورق كعادته ليوجهها لقادة الانتفاضة للتنفيذ، سمع ضجة بالمنزل، رفع مسدسه وذهب ليرى ما يجري، وإذا بسبعين رصاصة تخترق جسده.
لم تعترف تل أبيب صراحة بعملية الاغتيال إلا في السنوات الأخيرة، ففي عام 2012، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية تحقيقاً صحفياً يؤكد أن جيش الاحتلال كان وراء اغتيال “أبو جهاد”.

وهو ما اعترف به صراحة موشيه يعلون، بأنه “أعدم”  القيادي “أبو جهاد”، خلال عملية نفذتها وحدة إسرائيلية خاصة في تونس. وألمح إلى أنه أطلق النار على رأسه، بقوله إنه كان على رأس الفرقة التي نفذت العملية، وتأكد بنفسه من مقتله، حين صعد للطابق الثاني، حيث كان القائد الفلسطيني غارقاً في دمائه، وللتأكد من أنه قد فارق الحياة، اقترب يعلون منه وأطلق رصاصة برأسه، بحسب أقواله.

قبره

لم يحقق حلمه بأن يدفن في تلال فلسطين أو سهولها، حيث دفن في مخيم اليرموك قرب دمشق في قبر لم ينجُ من نتائج الحرب في سوريا، ولم يستطع أن يقاوم تنظيم “داعش”، الذي جرف قبور عدد من شهداء الانتفاضة الفلسطينية، وكان قبره من بينها.

عاش المناضل حياة مليئة بالأحداث، خلف إرثاً نضالياً استثنائياً، رغم شغوله العديد من المناصب السياسية إلا أن بوصلته لم تخطئ يوماً اتجاهها نحو فلسطين، لم يكن همه سوى مقاومة من أرادوا اغتصاب أرضه، ترك أبو جهاد رصيداً تتناقله الأجيال مثالاً للمقاومة ورمزاً للكفاح الحقيقي، في وقت غابت فيه الرموز في قضية الأمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.