الرئيسيسياسة

حريق “كاتدرائية نوتردام”: تاريخ فرنسا يحترق

 

ما من شك أنّ مشهد حريق كاتدرائية نوتردام، التي تعني “كاتدرائية سيدتنا مريم العذراء”، التاريخية والتي تعود للعصور الوسطى بوسط العاصمة الفرنسية باريس، من أصعب المشاهد التي مرت على الفرنسيين مساء أمس الإثنين.

حريق هائل دام لأكثر من خمس ساعات، تابعه الفرنسيين والسياح المتواجدون هناك، وملايين الناس حول العالم، مخلفاً في نفوسهم حسرة على تاريخ يحترق أمامهم، فلا خراطيم المياه هدأته ولا أعتى التجهيزات الطائرة استطاعت حتى التحليق فوقه بسبب أعمدة الدخان الضخمة، وخوفاً على هيكل البناء من التضرر في حال صب الماء من أعلى.

الحريق

أسباب الحادثة إلى حد كتابة هذه السطور لم تعرف بعد، لكن الاحتمالات رجحت بأنه بسبب أعمال التجديد والأشغال الجارية فيها، إلا أنّ وزير الدولة في وزارة الداخلية الفرنسية، لوران نونيز، أكد اليوم الثلاثاء، أنّ السبب، “مازال غير معلوم”، ليضيف أنّ السلطات “تواصل تحقيقاتها لمعرفة كيف اندلع الحريق”.

وأدى اندلاع الحريق في السقف إلى تعقيد مهمة رجال الإطفاء في الوصول إلى مصدره، إذ إن علو السقف وأحجار القرميد التي تعتلي العوارض الخشبية تحجز الحرارة والدخان في الداخل، في وقت كانت تعمل خراطيم المياه من الخارج.

ومازالت ألسنة اللهب تعبث بجدران الكاتدرائية، التي تعود  لـ850 عاماً، إلى حدود صباح اليوم الثلاثاء، رغم تأكيد فرق الإطفاء أنها تمكنت من السيطرة عليه، حريق امتد إلى سطح الكاتدرائية، الذي سرعان ما التهم قمة برجها العملاق لينهار على أثر ذلك، ثم سقط السطح كله، وعلى الرغم من أن الحريق أتى على مساحة واسعة من الكاتدرائية، فإن قائد فرقة الإطفاء في باريس، جان كلود غاليه، طمأن الفرنسيين بأن هيكلها لم يتضرر من جراء الحريق.

ردود أفعال

سارع الرئيس الفرنسي، إيمانيول ماكرون إلى مكان الحادث، مؤجلاً بثّ مداخلته التلفزيونية حول نتائج الحوار الوطني الكبير، وسلسلة إجراءات يعتزم اتخاذها للرد على المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمحتجين من حركة “السترات الصفراء”، مخلفاً تغريدة على تويتر: “مثل كل أبناء وطننا، أنا حزين هذا المساء لرؤية (الكاتدرائية)، وهي جزء منا جميعاً، تحترق”.

وعبّر سلفه فرانسوا أولاند، عن صدمته وجرحه العميق إزاء حريق هذه الكاتدرائية التي تعد المعلم الأوروبي الذي يستقطب سنوياً أكبر عدد من الزوار.

من جانبها عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بأنّ الكاتدرائية المدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي منذ العام 1991، التي تتعرض لحريق كبير هي “رمز لفرنسا” و”للثقافة الأوروبية”، فيما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحريق بأنه “فظيع”، مقترحاً استخدام طائرات مخصصة لمكافحة الحرائق، وغرّد على “تويتر”: “إنه أمر فظيع للغاية مشاهدة النيران الهائلة في كاتدرائية نوتردام في باريس. ربما يمكن استخدام طائرات مكافحة الحرائق لإخمادها. يجب التصرف بسرعة”.

الإصلاح

هذه المأساة الكبرى التي عاشها الفرنسيون، سرعان ما ولدت لديهم قناعة وإصرار بوجوب التفكير في إعادة تشييد الكاتدرائية وأنه بالفعل يجب إطلاق أعمال صيانة قد تدوم سنوات، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي في خطابه الذي توعد بجلب أفضل المواهب لإعادتها إلى الحياة من جديد، معلناً انطلاق حملة دولية لجمع التبرعات، الأمر الذي أكده رئيس مؤتمر قساوسة فرنسا، إيريك دي مولنس-بوفور، معتبراً ما حدث “خسارة تحمل جرحاً كبيراً”.
وقد أطلقت “مؤسسة التراث” حملة تبرعات، بدأت اليوم الثلاثاء، وهي مفتوحة أمام الكاثوليكيين وغيرهم، من أجل إعادة تشييد الكاتدرائية. كما أنّ النائب في مجلس الشيوخ عن حزب “الجمهوريون”، برونو روتايو، عبّر عن موقف مشابه.
وعلى موقع GoFundMe، أطلقت أكثر من 50 حملة جمع تبرعات، حسب المتحدث باسم “غو فاند مي” جون كونفينتري. وأنشأت “فرنش هيريتيدج سوسايتي”، المعنية بالحفاظ على التراث الفرنسي ومقرها نيويورك، موقعاً إلكترونياً لصالح الكاتدرائية، وقالت المديرة التنفيذية للمنظمة جينيفر هيرلين، إن الأموال ستذهب مباشرة إلى الكاتدرائية التي وصفتها بأنها “أعجوبة” معمارية.

تحذير خبراء

وكانت تحذيرات من الخبراء تعالت قبل سنوات داعية إلى ضرورة إنقاذ المبنى الذي أصبح في حالة سيئة، ونقلت صحيفة “التايمز” البريطانية عن خبراء قولهم إن المبنى يحتاج إلى ترميم بقيمة 150 مليون يورو، لكن الدولة عرضت فقط 40 مليون يورو. وكانت الكاتدرائية تبحث عن تبرعات لتغطية بقية التكاليف.

وذكرت الصحيفة أنّ الحديقة المحيطة بالكاتدرائية كانت العام الماضي مليئة بأكوام الحجارة التي سقطت منها خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن تهالك السلالم والكثير من الجدران.

إنقاذ الكنوز

رغم أنّ الحريق أتى على جزء كبير من الكاتدرائية التاريخية، إلاّ أنّ بطريرك، باتريك جاكين، قال إنه تم إنقاذ تاج وسترة سانت لويس، التي يعتقد أنها تنتمي إلى الملك لويس التاسع في القرن الثاني عشر. وأكد أنه “تم نقل أغلى الأعمال من داخل الكنيسة إلى مكان آمن”.

الكاتدرائية

ويمثل مبنى الكاتدرائية تحفة الفن والعمارة القوطية الذي ساد في الفترة مابين القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر، ويعد من المعالم التاريخية والمعمارية في فرنسا ومثالا على الأسلوب القوطي الذي عرف باسم “أيل دوزانس”. وهي مكونة من برجين رئيسيين، احدهما مدبب ويبلغ ارتفاعه 90 متراً، وهو الذي انهار بعد ما التهمته النيران. في حين يصل ارتفاع البرج الثاني إلى 69 متراً.

ولدى الكاتردائية 10 أجراس، أكبرها يعود إلى عام 1681 ويقع في البرج الجنوبي ودائماً ما يتم تشغيله 5 ثوانٍ قبل البقية. وتشتهر الكاتدرائية بخطبها التي أسسها الدومينيكان جان بابتيست هنري لاكوردير الشهير في ستينيات القرن التاسع عشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.