دين وحياة

سمنون المحبّ.. شمعة الحبّ المضيئة في عالم التصوّف

 

 عندما نتحدث عن شعراء الصوفية نستحضر جلال الدين الرومي وبن الفارض والحلاج ونهمل عن غير قصد أحد أهمّ الشعراء، إنّه “سمنون المحبّ” الذي ما يزال مجهولا لدى الكثيرين والمهتمين بأقطاب وتاريخ التصوّف.بذل سمنون المحبّ حياته من أجل الوصول إلى نور الله ليفنى فيه بعد الفناء عن نفسه ويعتبر من أشهر ضحايا العشق الإلهي في التاريخ العربي الإسلامي.

 

هو  أبو الحسن سمنون بن حمزة الخواص توفيّ سنة (297ه- 910م) ولد بمدينة البصرة وقضى أغلب حياته متعبدا في بغداد، عرف بمصاحبة كبار  العلماء وأشهر المتصوفين في بغداد أمثال أبو الحسن سري الدين بن المغلس السقطي وهو أحد أهمّ أعلام التصوّف في القرن الثالث للهجرة، وأبو العباس القلانسي وهو من أشهر متكلمي السنة.

 

نظم سمنون  مئات القصائد في المحبة الإلهية إلى أن لقبوه ب”سمنون المحبّ”، فيما لقبّ نفسه ب”سمنون الكذاب” وتعود تسمية نفسه بالكذاب بعد أن ابتلي بعسر البول وذلك  بعد قوله :

فليس  في سواك حظّ … فكيفما شئت امتحني

وإن كان يرجو سواك  قلبي … لا نلت سؤلي ولا التمني

 

بعد مرضه دعا سمنون المحبّ أطفال الكتاتيب إلى الدعاء له بالفرج قائلا ” ادعوا لعمّكم الكذاب” وعندما شفي قال : يا ربّ تبت إليك.

عرف سمنون بخشوعه وإفراطه في العبادة، روي القشيري وهو أبو القاسم القشيري إمام الصوفية وصاحب الرسالة القشيرية في علم التصوّف إحدى الحوادث التي تعرضّ لها سمنون فقال : “كان ببغداد رجل فرق على الفقراء أربعين ألف درهم، فقال لي سمنون: يا أبا أحمد، ألا ترى ما قد أنفق هذا، وما قد عمله؟ ونحن ما نجد شيئًا،فامض بنا إلى موضع نُصلِّ فيه بكل درهم أنفقه ركعة. فمضينا إلى المدائن، فصلّينا أربعين ألف صلاة.”

 

 

وتذكر بعض المصادر التاريخية أنّ سمنون كان يصلي 500 ركعة يوميا دون تعب أو ملل كما عرف عنه ورعه وزهده في الحياة الفانية ومن أشهر مقولاته ” التصوّف أن لا تملك شيئا وأن لا يملكك شيء”.

 

أفديكَ بل قلّ أن يفديك ذو دنفٍ

هل في المذلّة للمشتاق من عار

بي منك شوقٌ لو أن الصخر يحمله

تفطّر الصخر عن مستوقد النار

قد دبّ حبّك في الأعضاء من جسدي

دبيب لفظى من روحي وإضماري

ولا تنفّست إلا كنت مع نفسي

وكل جارحة من خاطري جاري

 

كما كتب شعراء الغزل عن الحبيب، كتب “سمنون المحبّ” في حبّ الخالق،  وقد استعمل في شعره مفردات الشعر الغزلي التي نجدها حاضرة بقوّة في أغلب قصائده ، فهو مثله مثل  العاشق الذي اكتوى بنار العشق  وعانى ويلات الهجر كما  أفناه الصبّ والعشق. لم يحلو العيش ل”سمنون”  إلا بنيل رضى المحبوب، فقلبه لغير الله لا يصلح كما قال ذات مرّة.

 

 

سبّق سمنون المحبّة على المعرفة فأحبّ خالقه دون أن يفكر من هو بل انصب تفكيره كيف يحبّه أكثر، فأخلص حياته في رحاب العشق الإلهي منسلخا عن ملذات الدنيا زاهدا في طلبها والسعي ورائها، فجاهد نفسه وتغلب عنها.

 

لم يتورع “سمنون المحبّ”  لحظة  في الإفصاح عن عشقه ، بل جعل من المحبّة مقاما تطيب فيه العبادة من أجل الوصول إلى مقام المقربين، فالمحبة عند سمنون هي تلك الأجنحة الخفيّة التي تطير به نحو نور الله الحقّ.

شغلت قلبي عن الدنيا ولذتها …  فأنت والقلب شيء غير مفترق

وما تطابقت الأحداق من سنة …  إلا وجدتك بين الجفن والحدق

 

صحيح أنّ العشق قد سكن قلب سمنون المحبّ ولكنّه كان أيضا مركزا للتوحيد، فمن خلال هذا القلب العاشق يسعى المتصوف إلى إدراك أعلى المراتب والدرجات في التقرّب من الله.

 تزوّج سمنون في آخر حياته وأنجب بنتا وحال بلوغها ثلاث سنوات فتعلق بها، فخاف على نفسه من غضب معشوقه، ويحكى أنّه أثناء نومه رأى حلما عجيبا ونورد هذا المقطع من كتاب ” درّة الناصحين في الوعظ والارشاد

 

فرأى في نومه كأنّ القيامة قامت، ونصبت علائم كل نبيّ ووليّ وورائهم علم رفيع نوره قد سدّ الأفق، فسأل عنه فقالوا : هو علم المحبين المخلصين، فرأى سمنون نفسه بينهم، فجاء واحد من الملائكة وأخرجه من بينهم، فقال سمنون أنا محبّ لله تعالى وهذا علم المحبين فلم تخرجني؟ فقال : نعم أنت من المحبين لله تعالى فلّما حلت محبتك لولدك في قلبك محونا اسمك من المحبين لله تعالى، فبكى سمنون وتضرع في نومه وقال : إلهي إن كان الولد مانعا لي عنك فادفعه عني حتى أقرب إليك بلطفك وكرمك

 

استيقظ سمنون على خبر وفاة ابنته وكأنّ الله استجاب لدعاءه فقال سمنون : الحمد لله الذي أذهب المانع عنّي .

العشق الإلهي هو الهبة الربانية التي يهبها الله لعباده الصالحين، والذين استشعروا محبته فتركوا هموم الدنيا وانشغلوا في العبادات والأذكار لعلهم يدركون رحمته ونوره لقد عبد المتصوفة الله كمال قال الرسول الكريم : “أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك” وكان من بينهم سمنون المحبّ الذي شغل الناس في حياته وشغلنا نحن عشاق التصوف بعد مماته.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.