مدونات

سقط… ولم يسقط

سقط البشير، وأعلنت المؤسسة العسكرية السودانية أن البلاد الآن باتت في قبضتها، ووعدت السودانيين بأن تنقذهم من الظلم والقهر والحكم الشمولي، لكنها لتحقيق ذلك، استسمحته عذرًا أن تحكم بالحديد.

 

استسمحته عذراً أن تُسيطر على مؤسسة الرئاسة والحكومة ومؤسسات الدولة، وتوقف العمل بالدستور، وتفرض حالة الطوارئ، خلال مرحلة انتقالية تستمر حولين كاملين.

 

عمليًا، سقط البشير، لكن نظامه لم يسقط، فالنظام العسكري الشمولي القمعي الذي تحكَّم في السودان، وافتعل الحروب فيها وقسّمها، قرر أن يستمر، بامتيازات أكبر وسلطات مُطلقة أكثر، وتصدّرت المؤسسة العسكرية المشهد، وفرضت نفسها على السودانيين على أنها المُخلّص والمُنقذ.

 

 

قبل ذلك بأيام، سقط بوتفليقة، لكن المؤسسة العسكرية الجزائرية التي كانت تتشارك معه حكم البلاد وقمع العباد، قررت أنها البديل، أو على الأقل الضامن في المرحلة الراهنة، لكن عمليًا لا يمكن لأحد أن يتكهن بما تنوي فعله في الجزائر، خاصة أن بيدها القوة والنفوذ، واستمرت السلطة المُطلقة خلال عقود، والمؤشرات تقول إنها ستعمل بما يتلائم مع توطيد نفوذها في البلاد، ليصحّ القول: سقط بوتفليقة لكن نظامه لم يسقط.

 

 

قبلها بسنوات، سقط مبارك، وما إن بدأ الإخوان يطلّون برأسهم، حتى سارعت المؤسسة العسكرية المصرية، التي كانت تحكم أيام مبارك وتُشاركة الفساد والإفساد، إلى السيطرة على كل شي: الرئاسة والحكومة ومؤسسات الدولة والاقتصاد والإعلام والخدمات، وفرضت نفسها حاكمًا مُطلق القدرة والنفوذ، بغطاء رئاسي من صلبها، فصحّ القول: سقط مبارك لكن نظامه لم يسقط.

 

 

صُمّمت المؤسسة العسكرية في الأنظمة الشمولية العربية لتخدم الحاكم، حالها كحال المؤسسة الدينية والمؤسسة القضائية وأيضًا التشريعية، فالحاكم المُطلق يحتاج إلى قوة تُسانده، قوّة غاشمة استبدادية على شاكلته، مُنحت امتيازات وصلاحيات فوق دستورية، فصارت أحيانًا أقوى من سيّدها، وصارت تضع عينها على الحكم المطلق، متناسية دورها الأساس والوحيد في حماية الوطن من أي خطر خارجي.

 

 

في ثورات الربيع العربي، طالبت الشعوب بتغيير الأنظمة السياسية الحاكمة، ولم تُطالب بتغيير الحاكم وحده، وعملت على إسقاط هذه الأنظمة ككتلة، وضحّت من أجل الخلاص منها، وفي مجتمعات قمعت فيها الحياة السياسية طوال عقود، كان سهلًا على المؤسسات العسكرية أن تُسوّق نفسها بأنها البديل، على الرغم من أنها كانت شريكًا سياسيًا وداعمًا وسندًا للزعماء، وشريكًا في البطش والقمع وتكميم الأفواه، وفي الفساد والنهب والإفقار، وذراعًا حديدية مهمتها مساعدة الحاكم في الاحتفاظ بكراسيّه، ونشأ الرابط غير المقدس بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وفي الأوقات الحرجة قدّمت نفسها على أنها البديل البريء الوطني النظيف دمث الأخلاق، البديل الملائكي الذي يعشق الديمقراطية ويحترم الحريات ويُضحّي من أجل تداول السلطة!

من الخطأ الثقة بأن المؤسسات العسكرية في الدول الشمولية العربية يمكن أن تتبنى الديمقراطية أو تضمن الحكم الرشيد، أو توفّر فضاء المشاركة والشفافية والمساءلة، أو تضمن فصل السلطات، أو أن تحترم القانون وسيادته على قاعدة التبادلية بين مؤسسات الحكم، بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، أو أن تفهم أهداف التنمية الاقتصادية والسياسية المستدامة.

عرجاء، أي ثورة عربية تُسقط الرئيس وتُسلّم البلاد للعسكر، وفاشلة أيّ ثورة عربية تُسقط الرئيس ولا تضمن الانتقال السياسي إلى بيئة حكم ديمقراطية تشاركية تعددية تداولية، وفاقد للبصيرة من يعتقد أن المؤسسات العسكرية العربية المساندة للأنظمة الشمولية والوارثة لها، يمكن أن تمنح الشعوب ولو جزءًا من حقوقها.

 

 

قول “لا” للأنظمة الشمولية، يعني “لا” للأنظمة الطائفية والتمييزية، ويعني “لا” للأنظمة الفاسدة والمفسدة، و”لا” لتسلط المؤسسات الأمنية والعسكرية، ويعني أخيرًا “لا” لحكم العسكر، وهذا ما يجب أن تنتبه إليه الشعوب.

باسل العودات

كاتب وصحفي سوري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.