مدونات

الثورات العربية الجديدة وضرورة النقد

This post has already been read 18 times!

أشاع انتصار الثورات المضادة، في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية، أجواءً من الهزيمة المرّة، وشعوراً بأن الثورات لن تتجدّد، وفي حال تجدّدها، فإن مصيرها كحال سابقاتها.

 

هذه الأجواء ظلّت تقوى وتشتد، ورفضت كل ما جرى في المغرب والعراق والأردن وسواها، وكانت انتفاضات البلدان الأخيرة تقول إن الثورات لم تنتهِ، وهي تتجدّد وستتجدّد باستمرار، ما لم تلبَّ حاجات الأغلبية المفقرة، وهذا لن يتحقق في الأمد المنظور، وبالتالي الثورات متواصلة ومستمرة.

 

مع نهاية 2018، حتى شباط/ فبراير 2019، شهِدَ العالم ثورتين عربيتين جديدتين، ثورتين شعبيتين كذلك. يومياتهما وأحداثهما تشبه الثورة التونسية. هذه المشابهة لها علاقة بوجود حياة سياسية أولية في تونس، كما حال الجزائر والسودان. الأمر مختلف في سورية وليبيا بالتحديد، حيث هناك قمعٌ معمّمٌ وشاملٌ لكافة أشكال الحريات.

 

 

المثال اليمني مختلف، وهو يشبه سورية وليبيا من جهة التدخل الإقليمي والدولي الواسع، ولا سيما في السنوات اللاحقة على اشتداد الثورة وقابليتها للانتصار، وبالتالي انتقالها مثل بقية الدول العربية. لن نتكلم عن ثورة البحرين التي سُحقت بتدخلٍ سعودي.

الثورات الجديدة تقول إنّ هناك عوامل غير سياسية باعثة لها، وهي تتعلق بوضعية الأكثرية المفقرة للشعب، ووجود أسباب اجتماعية تدفع نحوها.

 

 

في السودان، كان ارتفاع الأسعار والإفقار الواسع سببًا مركزيًا، حيث هناك حركات سياسية قوية سابقة، وهناك حركات مسلحة، والاثنتان لم تستطيعا إحداث ثورة حقيقية في البلاد.

الانهيار الاقتصادي والاجتماعي كان ذلك السبب. وبالتالي لم يعد هناك من سببٍ للصمت، وانهارت أكاذيب النظام عن المؤامرة والأسلمة، ولم يعد القمع يصمد أمام ذلك الانهيار.

في الجزائر، أيضًا، هناك أزمة اقتصادية كبيرة، وأما شرارة الثورة فهي ترشيح بوتفليقة للعهدة الخامسة. ومن الضرورة هنا رؤية الحالة السودانية المتفجرة، التي ساعدت الجزائريين في النهوض بالثورة والمطالبة بتغيير النظام.

تجدّدت الثورات العربية إذًا، وعلى الرغم من اختلاف شرارة الثورات، فإنها دفعت بكتلة بشرية هائلة إلى الشارع، وهذا يجب قراءته بدقةٍ وإمعان؛ فهذه الكتلة لن تندفع دون أن تكون أوضاعها منهارة بالكامل، وبالتالي يجب رؤية حاجات المجتمع للتغيير، وهي ليست فقط ضرورة الديمقراطية، بل هي كذلك ضرورة تغيير السياسات الاقتصادية السائدة، التي هي سبب كل هذا الانهيار، أي يجب طيّ صفحة السياسات الليبرالية الجديدة، واعتماد سياسات اقتصادية تراعي مصالح الاقتصاد الوطني، تنطلق من بناء اقتصاد صناعي وزراعي أولًا، وبعد ذلك يتم ضبط مختلف أشكال الاقتصاد، من تجارة وسياحة وسواها.

 

هل ستنتصر الثورات الجديدة؟

إن خيار الأنظمة السودانية والجزائرية يؤشر إلى رفض الخيار العسكري لمواجهتها، وبالتالي ليس هناك من إمكانية أخرى للنظامين إلا التفكك كما يحصل في الجزائر، وربما الرحيل كما قد يحصل في السودان. في كلتا الحالتين، هناك معارضة تاريخية، وهناك مراقبة دقيقة لما جرى في سورية وليبيا واليمن، ورفض تلك الخيارات، فهي ستكون وصفة مجربة للانتحار والدمار والفشل.

إذًا في السودان والجزائر، يتم تدوير الزوايا، ويبدو أن الجيش، كما الجيش في تونس، يميل إلى تغيير الوجوه الأساسية في النظام، محاولًا إيقاف الثورة، وتجميل صورة النظام القديم.

نتائج ثورات 2011 العربية تقول بضرورة رفض هكذا خيار “نتائج”، وتقول أيضًا بعدم انتهاج خيار التصعيد الشامل مع الأنظمة، ولا سيّما الجيش، ومن هنا نجد رفضًا للتدخل الخارجي، ورفضًا للعسكرية وأيضًا للأسلمة، وهذا ما يحاصر تلك الأنظمة، ويجبرها على إيقاف أكاذيبها التاريخية، حول المؤامرة الخارجية والأسلمة والعمالة لـ “إسرائيل”.

ربما تتمكن الثورتان الأخيرتان من الانتصار والانتقال الديمقراطي، لكنهما بالتأكيد لن تذهبا نحو تغييرٍ اقتصادي حقيقي، كما ذكرنا أعلاه. انتصارهما سيؤكد بدوره أن الشعوب تنتصر، وأن الشعوب لن تنتظر قرونًا عديدة ليتشكل وعيها المثالي، وأن تلك الفكرة مجرد أكذوبة لرفض فكرة الثورات، وهي تعبيرٌ عن هزيمةٍ مرّة أو وعي مشوش أو تحالف مصالح، وربما هناك أسباب أخرى تؤدي إلى تلك الآراء، التي تؤكد ضرورة الوعي أولًا، ثم الثورات ثانيًا، وربما يُقصد بضرورة الوعي أولًا أن الأنظمة تنتظر تَشكُل الوعي، لتقوم بالتحوّل الديمقراطي. وهذه تفاهة كاملة.

 

 

الثورات الجديدة استفادت من نتائج الثورات السابقة، ولكنّها كذلك لها خصائصها المميزة، فهي حدثت ضد أنظمة مختلفة كذلك. عدم الوصول إلى نهاياتٍ محددة للثورات تلك، يمنع التسرّع بتقديم الاستنتاجات عن مستقبلها، ولكن حدوثها بذاته يدفع إلى قراءة أسباب فشل الثورات العربية السابقة 2011؛ وفي ذلك لا أعتبر تونس تجربة ناجحة، فالشعب، منذ انتصار ثورته، ينتفض وينتفض، ويعلن بوضوحٍ شديد أن حاجات الأغلبية لم تُلبَّ بعد، وأن النظام القديم استعاد زمام القيادة، و”الديمقراطية” المنخفضة في هذا البلد تؤكد أن هناك ضعفًا كبيرًا في الطبقات الحاكمة، وفي الحياة السياسة بمجملها، وهذا ربما فرض ذلك الشكل من الديمقراطية؛ هامشيتها تتأتى من مرور ثماني سنوات، وفشلها في معالجة أي قضية اقتصادية أو اجتماعية حقيقية.

إعادة النظر بنتائج الثورات ما زالت أمرًا هامشيًا، والنقد ما زال خافتًا، وخجولًا، ومتشنجًا أيضًا؛ حيث ما يزال النقد قاصرًا على الأنظمة، بينما يتم التخفيف من دور المعارضات، في تلك الهزيمة، وفي نشر أجواء الإحباط والاكتئاب؛ وبالتالي هناك ضرورة لعقد ندوات فكرية لمناقشة جدية لتلك النتائج، وتحديد مسؤولية المعارضات، بل الثورات ذاتها.

التركيز على الثورة المضادة والأنظمة القديمة أصبح مستهلكًا، وبالتالي هناك ضرورة لدراسة أوجه الثورات كافة، وكيفية حدوثها وتطورها ونجاحاتها وسيئاتها، وأسباب إخفاقها عن تحقيق أهدافها الكبرى.

ربما سيساهم هذا النقاش في الوصول إلى برنامج وطني جديد، وبوصلة للتحرك الوطني، الذي يتكرّر هنا وهناك، وفي هذا نلاحظ في سورية، عودة كتابة الشعارات القديمة ذاتها على الجدران، كما يجري في حمص القديمة والغوطة الشرقية ودرعا وسواها.

غياب النقاش، وتحديد المسؤوليات، سيدفع دائمًا بعض القيادات المعارضة إلى التقدم بمبادرات فردية، كحالة معاذ الخطيب، أو ستندفع بعض الأطراف إلى عقد مؤتمرات هزيلة كـ (مسد) مثلًا، وكالحوار الطائفي في برلين مؤخرًا.

أعتقد أن تجدّد الثورات العربية يؤكد أن الثورات لم تنتهِ بعد، وستتجدّد طالما لم تحلّ أزمة الأغلبية المهمشة، وبالتالي، ألا يستدعي كلُّ ذلك صياغة برنامج وطني للثورات، يشمل أوجه الدولة كافة، والتخلص من التسييس والتطييف والأسلمة وسواها؟.

عمار ديوب

كاتب وصحافي سوري
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.