دين وحياةغير مصنف

الجســــــــــــــــــــــــد المتألم: عبادة الأحياء  

This post has already been read 28 times!

 

يعتقد المؤمنون أنّ الألم الجسدي مرتبط بالتطهير النفسي من رجس الذنوب المرتكبة، فهو فرصة لمراجعة الذات والإحساس بما حولها وأيضا من أجل الخلاص الأخروي، فمتى بلغ تعذيب الجسد أقصى درجات التحمّل تحررت الروح. سبق للديانات الوثنية أن جمعت بين الألم والمغفرة في طقوس غريبة مرتبطة بتعذيب الجسد وترك الشهوات وتحمّل المشاقّ ونجد هذا لا سيّما في ديانات الهند القديمة.

 

تواصلت هذه الممارسات إلى يومنا هذا في  مذاهب دينية مختلفة من الإسلام والمسيحية، والتي يمارس أتباعها طقوس تعذيب الجسد تحت تعلّة التطهرّ  من الذنوب السابقة والتقرب من الله وتندرج  طقوس عاشوراء في الشيعة وأسبوع الآلام في المسيحية أو طقوس الصوفية في هذا السياق.

يصبح الجسد ضمن هذه الممارسات مسرحا عنيفا ترتكز فصوله على الدماء المراقة من كلّ جوانبه، فألم الشيعي أو المسيحي أو المتصوف لا ينبعث من موضع الجرح الذي تنهمر منه الدماء بل ألم من موضع آخر لا تدركه العين، إنّه ألم الندم وألم الخوف، الألم الخفيّ الذي يشترك فيه مع رفقائه المستعذبين والمنتشين بصناعة الألم فهو يتجاوز هذا الألم الظاهر للعين المجرّدة إلى مجالات أخرى ربّما تصعب علينا أن نفهمها.

سنحاول في نصّ هذا المقال أن نحاول فهم كيف ينتشي صانع الألم بالألم ويصبح نشوته ومتعته الروحية وكيف يتخطى الألم الحيّز الجسدي نحو مجالات روحانية ربّما يصعب علينا إدراكها نحن الذين نرفض مثل هذه الممارسات العنيفة.

تحتفل الكنيسة بأسبوع الآلام  بعد الصوم الكبير الذي يستمر 55 يوما، ويتفرغ فيه المسيحيون للعبادة فهو فرصة لاستحضار معاناة المسيح حسب المعتقدات المسيحية قبل أن يصلب، وتوشح خلاله الكنيسة بالأعلام السوداء دلالة على الحزن وتعبيرا منها عن مشاركة المسيح في معاناته ويحرم على النساء التبرج ووضع الزينة.

تصل الاحتفالات  بأسبوع الآلام في بعض الدول إلى درجة تعذيب الجسد ففي اندونيسيا يحرص المسيحيون على ارتداء ملابس ملطخة بالدماء ورفع الصلبان الخشبية فيما  يرتدي المتدينون الاسبان ملابس بيضاء قصيرة وأقنعة على رؤوسهم ويقومون بجلد ظهورهم وسط احتفالات خاصة ترفع فيها الموسيقى ويشترك الجمهور بالمشاهدة ومتابعة فعاليات تعذيب الجسد، نستحضر في هذا السياق مقطعا من رواية ” شفرة دافنشي”  وفي صلب ما تحدثنا عنه ”  الألم جيد، همس سيلاس مرددا العبارة المقدسة للاب خوسية ماريا إسكريفا، حول سيلاس انتباهه الآن نحو الحبل ذي العقد الذي لفّ بعناية على الارض بجانبه السوط، كانت العقد معجونة بالدم الناشف.

بتلهف للأثار التطهيرية لآلمه تلا سيلاس صلاة سريعة ثم قبض على أحد طرفي السوط وأغمض عينية ملوحا به فوق كتفه وانهال به ضربا وأحس بالعقد تلسع ظهره، ثم لوج به فوق كتفه من جديد وأخذ يضرب ويجلد لحمه مرة بعد مره. العقاب الجسدي الذاتي … وأخيرا، أحس بدمه يتدفق”.

ويحيي الشيعة ذكرى مقتل الحسين في معركة كربلاء ويكتسي هذا اليوم مسحة بالغة من الحزن في عدّة دول مثل لبنان وإيران والعراق وغيرها من الدول، ويرتدي الشيعة في مراسم الاحتفال بهذه الذكرى الملابس السوداء حزنا على استشهاد الحسين وأيضا تكفيرا عن خذلانهم له ، وتردد الأناشيد ذات المسحة التأنيبية ويعلو البكاء والعويل وتلطم الصدور وتضرب الوجوه ويصل العنف إلى  ضرب الظهور بالسياط وتقطيع الأجساد بأدوات حادّة وغيرها من وسائل إيذاء وتعذيب الجسد.

ومن أجل إدراك صفاء النفس غاية المتصوّفة الأولى يبتعد المتصوّف عن الملذات الجسدية واجتناب ما يعكر صفاء النفس في هذا السياق قال الحلاج  “من هذب نفسه في الطاعة وصبر على الملذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافات حتى يصفو عن البشرية … ” ويمارس المتصوفة طرق تعذيب الجسد في إطار ما يسمّى بالمجاهدة  يمارسها المتصوّف ضمن رياضات شاقة مستقاة من الديانات الهندية القديمة “البوذية” تحديدا.

من خلال ما سبق ذكره نجد أن تعذيب الجسد ذو دلالة دينية ، إذ يستحضر المسيحيون آلام المسيح قبل صلبه ويعبّر الشيعة عن خذلانهم السياسي للحسين، فيما يقمع الجسد في الصوفية من أجل أن تتحرر النفس من سجنها.

يستطيع المتديّن من خلال هذا الحيّز الجسدي التعبير عن ورعه وخوفه وتفريغ شحنات الندم حتى ولو كان الندم على ذنوب الأسلاف، فهو أي –المؤمن-  يتحرك تحت طائلة الخوف والندم الخفيّ، ومن أجل تحرير هذا الندم أو الخوف وهما بمثابة المعتقل تحت مسام الجلد  ومن أجل تحريره يجب التضحية بالسلامة الجسدية من أجل السلامة النفسية، فتصبح تلك الدماء المنهمرة  أو الطرق الأخرى من تعذيب الجسد دلالة على حياة المذنب وفرصة فهو الحيّ الذي يهب جسده للـألم من أجل التطهير النفسي واستعادة توازنه الروحي.

يكابد المتدين الشعور بالألم بل ويتجاوزه لا سيّما إن تأملنا “جلد الظهور وتقطيع الأجساد بالآلات الحادّة ” فهو يتخطى هذا الألم الظاهر للعيان نحو  التحرر من الألم الخفيّ نفسه الألم الذي لم ندركه نحن بالعين المجرّدة، إنّه من خلال تمزقات الجسد وجروحه يعيد رتقها بصياغة أخرى لا نستوعبها ولا نعرفها.

لطالما عبّر الألم عن صرخة الحياة فينا، إننا مازلنا على قيدها لم نفارقها ومازلنا نتمس طبها بدليل صرخة الألم تقول منى فيّاض ضمن كتابها “فخّ الجسد” ” إنّ مصدر الألم عمق قلب الإنسان، إنّه في أوهامه ورغباته … العذاب شغف لذا يظل كل عذاب مهما عنف مكابدة لذلك قد تغلب الرغبة في السيطرة على الألم للتعبير عنه “ فيما يتجنب الإنسان الألم أو يعبّر عنه بالبكاء أو الصراخ كدلالة عن عدم التحمل يحاول آخر أن يجعله بمثابة طقس عبور من الذنب نحو الخلاص والمغفرة فهو بمثابة القوّة المطهرة للروح لذلك يتكبد بعض المتدينون مشاقه فهو بمثابة اختيار لا إجبار، فهو بمثابة اللذة الوجه الاخر من الألم.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق