ثقافة

ظافر يوسف: فنّان لا يشبه أحدًا سواه

 

 

هو أحد الموسيقيّين العرب المختلفين، ملحّن وعازف عود وصوت خارق حمل إرثه وهويّته أينما ارتحل، وجعل العالم الغربي ينصت لهدير أسلافنا ويقف وقفة إجلال لسحر الموسيقى الروحانيّة الشرقيّة، هو الّذي لا يشبه أحدًا سواه، الحالة الفنّية المنفلتة “ظافر يوسف”.

 

وُلد ظافر يوسف، الفنّان التونسي بمدينة طبلبة في الساحل التونسي في 19 نوفمبر 1967، وتربّى منذ نعومة أظفاره على صوت جدّه المؤذّن، وترعرع في “الكتّاب” والزوايا الصوفيّة.. وكانت هذه الفترة رافدًا مهمّا لموسيقى ظافر يوسف الّتي تنهل من التراث الموسيقي الصوفي ومن المقامات الموسيقيّة العربيّة.

لكن إضافة إلى هذا التشبّع بموسيقى الأسلاف، تشبّع ظافر يوسف بموسيقى الجاز والبلوز والموسيقى الغربيّة الكلاسكيّة منذ أن كان طفلًا، ولكن دون وعيٍ بهذه الأنماط الموسيقيّة، فقد كان يستمع سرًّا إليها في المذياع وكانت هذه الأنماط تجلب انتباهه رغم غرابتها مقارنة بما تعوّد على سماعه.

بعد اكتشافه الغيتار الكهربائي، بدأ يعزف في أعراس القرية قبل أن ينضم إلى الفرقة الغنائية لإذاعة المنستير. ورغبة منه في استكشاف آفاق جديدة، غادر ظافر يوسف بلدته إلى العاصمة، تونس، وانتسب للمعهد الوطني للموسيقى قبل أن يغادر إلى النمسا حيث كان يطمح لمتابعة علومه الموسيقية.

ثمّ سافر مرّة أخرى في سنة 1990 إلى العاصمة النمساويّة، فيينّا، حيث تعرّف على جماليّات موسيقيّة أخرى كموسيقى الجاز والموسيقى الإلكترونيّة. ولكيْ يتمكّن من مواصلة دراسة الموسيقى، عمل ظافر في عديد المهن الشاقّة وكافح كثيرًا قبل أن يتمّ دراسته.

في فيينّا تعرّف ظافر على موسيقيّين كبار وأنماط جديدة من الموسيقى مثل موسيقى الجاز والروك والموسيقى الهنديّة والموسيقى الإلكترونيّة من خلال مشاركته في جلسات عزف مشتركة في عديد من النوادي.  ومن هذه اللقاءات تعرّف ظافر على عازف الإيقاع النمساوي غيرهارد رايتر، الّذي شكّل معه فرقة “زرياب” الموسيقيّة.

 

مع إبراهيم معلوف

 

في عام 1998، أصدر ظافر يوسف ألبومه الثاني “ملاك” بعد تجربة أولى في ألبوم “مسافر” في عام 1996، وقد مثّل ألبوم “ملاك نقلة نوعيّة من حيث النضج الفنّي والانتشار، فقد حظي بإعجابٍ كبير وقُوبِل بحفاوة كبيرة ن قبل النقّاد والمستمعين.

في سنة 2001، كانت بداية ظافر يوسف الحقيقيّة مع التجريب في الموسيقى، حيث أصدر ألبوم “التصوّف الإلكتروني”، الّذي عمل فيه على مزج الموسيقى الروحانيّة للشرق الأوسط والموسيقى الهنديّة بموسيقى الجاز مع إيقاعات إلكترونيّة، إضافة إلى بداية استخدام صوته كآلة موسيقيّة إضافيّة.

 

في خطوة لاحقة، غامر ظافر يوسف أكثر في ألبوميْه التالييْن “نبوءة رقميّة” (2003) و”ظلال إلهيّة” (2006)؛ بإدخال آلات موسيقيّة وتريّة جديدة لخلق مساحات أخرى للألحان الّتي يؤدّيها، خاصّة من خلال تخصيص مساحة أكبر للارتجال، فبدأت تتبلور من خلال هذه المعادلات الصعبة والسرياليّة موسيقى متفرّدة تكسر حاجز اللّغة والثقافة، وهو ما أشاد به كبار ملحّني الجاز في العالم.

وفي حوار لمجلّة العربي الجديد، يقول ظافر عن هذا المشروع الموسيقي: “أنا لا أعتبر نفسي متصوّفًا ولا عازف جاز، ولا موسيقيًا كلاسيكيًّا شرقيًّا أو غربيًّا، أنا موسيقي متأثّر بكلّ هذه الاتّجاهات الموسيقيّة، من إيران إلى أميركا اللاتينية”.

 

ظافر يوسف مع حسنو

ولعلّ هذا ما يبرز العمل المضني لظافر يوسف في مجال البحث الموسيقي وثقافته العالية، ولذلك عمل على ابتداع طريقة جديدة للعزف الصوفي واكبت التقدّم التكنولوجي في مجال الموسيقى. وكالعديد من الفنّانين الّذين يحملون رسالة التصوّف الكبرى “الحبّ والتسامح”، عمل ظافر يوسف على عولمة هذه الرسالة من خلال الموسيقى، من خلال إسهامه في اطّلاع عديد المستمعين الشباب العرب على موسيقى الجاز، وإسهامه في اطّلاع العالم الغربي على سحر الموسيقى الشرقيّة وعمق جذورها التاريخيّة، وهو ما جعله يحتلّ مكانة في المشهد الموسيقي الأوروبي والعالمي والعربي، ليلتحق بركب الفنّانين الكبار الّذين عملوا على مشاريع مشابهة، مثل الموسيقار التونسي “أنوار براهم” وفنّان الجاز “إبراهيم معلوف” وغيرهم..

في عام 2010، أصدر ظافر يوسف ألبومه السادس “أنشودة أبو نواس” الّذي شهد استمرار المشروع الموسيقي نفسه على مستوى الألحان، لكن مع خوض تجربة جديدة وهي تقديم القصائد العربيّة القديمة لشاعر عُرف بالمجون للجمهور العربي والأوروبي. وإن كان ظافر يوسف وفّر فرصة للجمهور الغربي لاكتشاف اللّغة العربيّة القديمة مغنّاةً، فإنّه أعاد تقديم “أبو نوّاس” كشاعر ممزّق بين الدنيويّ والروحي، فتصبح خمريّاته أقرب إلى معجم الخمر الصوفي منها إلى معجم المجون واللهو، ولعلّ هذا ما يُحسب لظافر في هذا الألبوم الّذي عمل فيها على كسر الحواجز بين المقدّس والمدنّس.

 

ظافر يوسف مع حسنو

 

ويعتقد ظافر أنّ الشعر العربي قوي بحدّ ذاته ولا يحتاج إلى لحن، ولكن هنا يكمن التحدي أمام اللحن الذي عليه أن يرتقي بالقصيدة.

في عام 2013، أصدر ظافر يوسف “قدّاس الطيور”، وهو ألبوم حافظ فيه كعادته على آلة العود، مع تغييب نسبي للآلات الإيقاعيّة مقارنة بالألبومات السابقة، وتدعيم آلات النفخ (خاصّة آلة الساكسفون وآلة الترومبيت مع العازف التركي العالمي “حسنو”)، وهو ما أعطى هذا الألبوم نبرة حزينة من خلال زفرات آلات النفخ وزفرات صوت ظافر نفسه؛ وهذا ما عمل عليه ظافر في هذا الألبوم، فهو أراد أن يكون هذا الألبوم تأبينًا موسيقيًّا للإنسان المعاصر، الإنسان الّذي في طريقه إلى أنْ يهدم ما قد بناه طيلة هذه العصور.

يمكن أن يعيب البعض على ظافر يوسف نخبويّة موسيقاه وعدم توفّقه في بعض الاختيارات أحيانًا، لكن ما يُحسَب له أنّه خلق اتّجاهًا خاصًّا به لا يشبه أحدًا سواه، ويُحسَب له هو إعادة الاعتبار لآلة العود شأنه في ذلك شأن موسيقيّي “الجاز العربي” الكبار، إن جاز التعبير.

وما يُحسَب لظافر يوسف هو العمل الشاقّ الّذي بذله في التنقيب الموسيقي وفي صقل صوته، فصوته كان سلاحًا آخر للتميّز والتفرّد. فظافر من المؤدّين الّذين يتحكّمون في أصواتهم بطريقة استثنائية، ويؤدّون أكثر من نمط موسيقي وهذا في حدّ ذاته أمر ليس بالهيّن، وهو ما جعله يتفرّد في حقل “موسيقى الجاز” في العالم.

 

ظافر يوسف مع عازف الغيتار الفيتنامي نيغوين لي وعازف الكونترباص غارسيا فونس

 

ولعلّ ما يميّز الفنّان ظافر يوسف هذا البحث الدائم على الإتيان بالجديد ليس من خلال اللحن فحسب، بل حتّى في تعامله مع العازفين الّذين يشاركونه في إنجاز مشاريعه. فقد تعامل ظافر مع العديد والعديد من كبار العازفين والملحّنين في العالم من مختلف الثقافات والاتّجاهات الموسيقيّة.

فقد تعامل مع عازف الترومبيت اللبناني الفرنسي “إبراهيم معلوف” وعازف القيثارة الفيتنامي الفرنسي نغوين لي وعازف الإيقاع مينو سينيلو وعازف الترومبيت ماركوس شتوكهاوزن وعازف الكونترباص غارسيا فونس وعازف الترومبيت التركي “حسنو” ومجنون موسيقى الجاز ريشارد بونا، وغيرهم كثير…

إنّه ظافر يوسف الموسيقي الّذي لا يشبه أحدًا سواه، الحاضر بقوّة في مسارح العالم والغائب بشدّة عن المسارح التونسيّة خاصّة والعربيّة عمومًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.