ثقافة

الليدي إيلا فيزجيرالد:  أيقونة الجاز  على مرّ العصور

This post has already been read 5 times!

 

الجاز ليس مجرّد موسيقى بل أعمق من هذا بكثير، لقد كان الجاز  منذ بداياته صوت الحرية للإنسان الأسود في أمريكا، الإنسان المضطهد تحت أثقال عبودية الرجل الأبيض. عندما انطلق صوت الأسود بالغناء على أنغام الجاز  تحرر وأحس بالحياة تدبّ في عروقه، تحسس جسده الحيّ المنتفض الثائر على أنغام الجاز، رأى حبّات العرق المنهمرة على جسد مستعبد  يتوق إلى الحرية، فأكمل مسيرته في انتزاع حقوقه ليصبح اليوم يعيش في واقع  أقل معاناة من نير الاستعباد والعنصرية.

 

من بين  أهمّ مغنيات الجاز الفنانة الأمريكية “إيلا فيزجيرالد” التي حازت على ألقاب كثيرة، سيّدة الأغنية، ملكة الجاز ، لم تكن مسيرتها سهلة بل كانت مسيرة ملحمية ناضلت من خلالها ” إيلا ” في واقع صعب يعيش فيه الأسود تحت أقسى أنواع العنصرية، لتتمكن فيما بعد من التربع  طويلا على عرش الجاز أو كما لقبت  ” مغنيّة الجاز الأفضل على مرّ العصور”.

 

 

ولدت “إيلا فيزجيرالد “ في 25 أفريل 1917 بولاية فيرجينيا  ثم انتقلت صحبة والدتها إلى ولاية نيويورك أين زاولت دراستها التي أظهرت فيها تفوقا وتميّزا ، عرفت أيضا بإتقانها للرقص والغناء، لم يدم تفوق إيلا الدراسي  إذ توفيت والدتها في سنّ الخامسة عشر ، فهربت من جحيم زوج والدتها وتعنيفه وانقطعت عن التعليم ثم انتقلت للعيش صحبة خالتها إلى حيّ “هارلم ” الحيّ الذي قضى نسبيا على طموحاتها فالتحقت بالمافيا، وعرفت حياة التشرّد  إلى درجة أنّها كانت تتكسب من الغناء في الشوارع.

 

 

كان التحاقها بمسرح أوبرا هارلم سنة 1937 نقطة تحوّل هامة في حياتها إذ تعرّف عليها ” تشيك ويب” ومنحها فرصة الإنضمام إلى فرقته والتي عرفت من خلالها الشهرة لا سيّما بعد غناءها لجملة من الأغاني أشهرها ” حبّ وقبلات ” والتي مكنتها من شعبية كبيرة في صفوف الأمريكيين.

 

 

جمعت بين الممثلة الراحلة “مارلين مونرو” والمغنية “إيلا فيزجيرالد” صداقة حقيقية رغم داء العنصرية  الذي كان ينخر المجتمع الأمريكي، آمنت مارلين بموهبة صديقتها ودعمتها فنيّا وإنسانيا، ورغم بعض الانتقادات التي وجهها الأمريكيون البيض لمارلين تمكست بصداقة إيلا  في وقت صعب على السود.

 

مع المطرب الشهير لوي ارمسترونغ

 

كانت إيلا المغنية السوداء  الأولى  التي تمكنت من الغناء أمام الرئيس الأمريكي “رونالد ريغن” سنة 1981 وهو ما فتح أمامها جميع  الأبواب المقفلة، نجحت إيلا في إحراز عشرات جوائز ال”جرامي” 13 جائزة ومن أهمها جائزة “جرامي الأبدية ” سنة 1967 وقد كرمها الرئيس بوش الأب، كما تمّ صورها على الطوابع البريدية، أنهت إيلا فيزجيرالد مسيرتها سنة 1993 بعد أن تمكن منها مرض السكرّي بعد مسيرة ستين سنة من الإبداع والعطاء أدّت خلالها 160 أغنية مازالت راسخة في ذاكرة  موسيقى الجاز .

 

 

بالجاز تحرر صوت الليدي إيلا الأمريكية من أصول افريقية وتحرر جسدها القابع تحت وطأة معاناة مطولة للسود من جراء العنصرية وطبيعة مجتمع يعاملهم كزنوج في مرتبة أقل من مراتب البشر.

 

 

“ايلا” الموهوبة تفتحت موهبتها بالجاز غناء وبالغناء جسدا وبرسائل الغناء والجسد معا موهبة عانقت جسدا منتفضا وصوتا جميلا ومضامين تحررية عميقة حتى أضحت أيقونة تلاشت عند حدودها كل العراقيل التي عجزت كثيرا من سابقاتها حتّى أنّ معاناة المرض التي ألزمتها مغادرة منصة الغناء سنة 1993 ثم مغادرة الحياة بعد ثلاث سنوات فقط كانت دافعا أقوى لها في آخر أيّام مسيرتها.

 

 

اعتزلت “ايلا” الغناء بعد نصف قرن من العطاء حصلت فيها على كل ما يمكن ومن جوائز وتكريمات وعملت خلاله مع أعظم عازفي الجاز ولا تزال تسجيلاتها تباع وتنتشر بشكل واسع رغم تغير الذائقة الفنية للجمهور كثيرا في السنوات الأخيرة، عن “الحب والقبلات” وعن الحياة وعن الكثير حملت مصدحها بندقية رصاصها الجاز لتعلن بأعلى الصوت حرية تتجاوزها شعورا وغاية الى آلاف من محبي الجاز وحتى من الذين لم يعرفوه مطلقا وكانوا حاضرين بقضاياهم في أغنياتها.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.