ثقافةغير مصنف

حلم العودة في روايتي “الطنطورية” و”باب الشمس”

تحمل الروايتان مجموعة من الرموز المشتركة وتجتمعان في الطابع الروائي الذي زاوج بين التاريخ المتخيل والواقع في ثنائية التهجير وحلم العودة

 

العودة فكرة متأصلة في الوجود الإنساني باعتبارها رجوعا إلى الأصل أو اتجاها من الجزء إلى الكل مجددا.. وحين تستحيل إراديا، على حد قول يحيى الرخاوي في مؤلفه “عن طبيعة الحلم والإبداع” ينبغي أن نتكيف ونحن في الانتظار، حتى يحين الأوان.

انتظار آمن به اللاجئون الفلسطينيون منذ نكبة 1948 مرورا بهزيمة 1967 رغم المعاناة التي يعيشونها في صراع بين الحلم والواقع.

 

وقد نجح الكاتب اللبناني الياس خوري من خلال رواية “باب الشمس” والروائية المصرية رضوى عاشور من خلال “الطنطورية” في تمثل صورة اللاجئ الفلسطيني المهجّر الذي ضاع حقه ولم يضع أمله في العودة إلى الديار.

“باب الشمس”… حلم العودة الذي جسده أحفاد يونس

“في المخيم يسمونه أبو سالم، وفي عين الزيتون أبو إبراهيم، وفي المهمات البعيدة أبو صالح، وفي باب الشمس يونس، وفي دير الأسد الرجل، وفي القطاع الغربي عز الدين”.

 

 

هو يونس الأسدي بطل الرواية الذي عاش حياته بعد التهجير متسللا من بلدة إلى أخرى، في محاولة لاسترداد الأرض بعد ضياعها عام 1948.

وهو أحد الذين عجزوا عن تقبل الخيبات المتتالية ورأى في هروبه من المخيم تجسيدا لحلم العودة.لم تكن أيام المنفى الأولى هينة فخير تجاوز الحدود والأسلاك الشائكة ومواجهة الموت دون انتظاره.

حاول استنشاق نسيم القرى المهدّمة والبيوت المهجرة التي سكنها آخرون، في رحلة الموت للوصول إلى زوجته نهيلة التي لخصت صورة الوطن من خلال قوله “أنا لم أقاوم من أجل التاريخ بل من أجل امرأة أحببتها”.

“باب الشمس” هو اسم المغارة التي يسكنها مع زوجته، وهي حلقة الوصل بين الفلسطيني اللاجئ والمقاوم والعاشق.

يعد يونس أحد أبرز الشخصيات التي أثرت ببعدها الرمزي على غرار الدكتور خليل الذي يسترجع ذكرياته من خلال ما يرويه ليونس في مستشفى الجليل.

 

إن ما يستحق أن نموت من أجله هو ما نريد أن نعيشه

 

يحدثه عن مبادئه وعن المقاومة وعن “أم حسن، القابلة التي طردت من الكويكات ووجدت نفسها في جنوب لبنان، مات أطفالها الأربعة وسافر ابنها الخامس إلى أمريكا ولم يعد، ولكن ظلت صامدة وتمسكت بحلمها وبمفتاح العودة الذي تحتفظ به ولا تملك غيره”.

تميزت هذه الشخصية بصدقها ونبوءتها التي صدقت في حرب 1967 وظن اللاجئون أنهم سيعودون ولكنها ضحكت ومسحت دموعهم في اليوم التالي وقالت “لن نعود قبل أن نموت جميعا”.

تحضر الأنثى بقوة في هذه الرواية من خلال إصرارها على العودة عن طريق الواقع المتخيل الذي تظهر فيه جدة الدكتور خليل وهي تقطف الأزهار من المخيم وتضعها في مخدتها لتنام عليها فتشعر وكأنها عادت إلى قريتها، مرض عرفه حفيدها في الرواية بـ “خرف الأزهار” الذي أصاب الكثير من اللاجئين.

لم يعد يونس إلى فلسطين بل عاد أحفاده، وأحدثوا قرية في القدس على اسم الرواية، لأن جدوى الأدب حسب الياس خوري هو تغيير التاريخ، وهو ما عبر عنه يونس في الرواية من خلال قوله “إن ما يستحق أن نموت من أجله هو ما نريد أن نعيشه”.

 

الطنطورية…حلم العودة واسترجاع الذاكرة

تشكل رواية رضوى عاشور وجها آخر من وجوه التهجير، فلئن انطلقت “باب الشمس” من لحظة موت “أم الحسن” في المخيم، فقد عكست الثانية صورة فتاة تجلس قبالة البحر في قرية الطنطورة الواقعة على الساحل الفلسطيني، حيث التقت رجلها الأول ووقعت في أحلام الحب، قبل أن تخترق رصاصات التهجير قريتهم فيتحول إلى حلم العودة الذي طال انتظاره.

 

 

رفض والد “رقية” بطلة الرواية الهروب لأنه بمثابة خيانة للوطن والنفس والمبادئ، وبقي مع زوجته وأولاده في القرية يدافعون عما بقي منها قبل أن يدخلها الجنود ويرتكبون فيها أبشع المجازر.

قتل الأب، رمز المقاومة، وأبناؤه، حاملو المشعل. كما قتل رجال القرية وهجرت النساء إلى الأردن ولبنان، قبل أن تنتقل وأمها التي تأبى أن تصدق وفاة زوجها وأبنائها إلى صيدا.

 

الذاكرة لا تقتُل. تؤلم ألماً لا يطاق، ربما. ولكننا إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه. نقطع المسافات. نحكمه ونملي إرادتنا عليه

 

تخلت رقية عن خطيبها، الذي لم يعد بدوره، وتزوجت ابن عمها الطبيب، قبل أن تموت والدتها التي تركا لها مفتاح العودة.

تقول رضوى على لسان رقية “أغلب نساء المخيم يحملن مفاتيح دورهن تماماً كما كانت تفعل أمي. البعض كان يريه لي وهو يحكي عن القرية التي جاء منها. وأحياناً كنت ألمح طرف الحبل الذي يحيط بالرقبة وإن لم أر المفتاح، وأحياناً لا ألمحه ولا تشير إليه السيدة ولكنني أعرف أنه هناك تحت الثوب.”

 

أنجبت أربعة أولاد وقامت بتربية “مريم” التي جاء بها زوجها من المشفى، ورغم صعوبة الحياة ومنعرجات الحرب ومجزرة صبرا وشاتيلا التي اختفى بعدها زوجها ولم يعد، ظلت رقية متماسكة للحفاظ على الذاكرة الجماعية لأهالي الطنطورية فتراها تعيد عبارة الذاكرة أكثر من مرة.

“الذاكرة لا تقتُل. تؤلم ألماً لا يطاق، ربما. ولكننا إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه. نقطع المسافات. نحكمه ونملي إرادتنا عليه”.

“ما المنطق في أن أركض وراء الذاكرة وهي شاردة تسعى إلى الهروب من نفسها، شعثاء مُعَفّرة مُروَّعة مسكونة بِهول ما رأت”.

تمتزج ذاكرة الماضي بالحاضر في الرواية التي كبر فيها أبناؤها وتغربوا خارج لبنان وبعيدا عن فلسطين، إلا أنها اختارت لنفسها مستقرا في صيدا، حيث تجمع حولها ذكريات الحرب وتكون أقرب إلى فلسطين التي دخلتها ولم تستطع العبور إلى الطنطورة.

تحمل الروايتان مجموعة من الرموز المشتركة وتجتمعان في الطابع الروائي الذي جمع بين التاريخ والمتخيل والواقع في ثنائية التهجير وحلم العودة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.