اختيار المحرريندين وحياة

أدباء مسيحيون عشقوا القرآن الكريم: مارون عبود

بقلم: د. أكرم حمدان

 

لا شك أن أسلوب القرآن فاق كل أسلوب، فهو في منزلة وحده. شهد بهذا كل من عرف العربية وخبر أسرارها، في القديم والحديث، مسلما كان أم غير مسلم. وهذا هو ما دفع غير المسلمين من أدباء العرب الأفذاذ إلى العكوف على القرآن الكريم قراءة ودرسا وحفظا وتمحيصا، حتى تحركت به ألسنتهم، وجرت به أقلامهم، كما نرى في كتابات الأب ميخائيل معوض، وميخائيل نعيمة الذي لم يكن يعدل بالقرآن الكريم والكتاب المقدس كتابا، والشيخ عبد الله البستاني، والشيخ إبراهيم اليازجي، ومارون عبود وغيرهم من أعلام الأدباء ممن لا تتسع هذه العجالة لذكرهم.

 

ولو أنعمت النظر فيما كتب مارون عبود مثلا، لرأيت التعبيرات القرآنية في تضاعيف كلامه كالفراش المبثوث. ففي مقالة واحدة أدارها على نقد دواوين العقاد، تراه يستعير تعبيرات قرآنية ويبثها حيث يجب: يرى مثلًا أن الضعف في شعر العقاد ليس بذنبه، فهو عارف بأصول الفن، ولكن الكلام يتعصى عليه: نفسه تطلب، ومعدته لا تقطع، فيقعد ملومًا محسورًا. وفي موضع غير بعيد، ينظر مارون في عنوان للعقاد هو “عيد ميلاد في الجحيم” فلا يرى تحته إلا بيانًا دون الوسط، وشعرًا أجش تغلب عليه صنعة النثر وصبغته، قال عبود: وعلى ضوء قوله “إنما الشاعر من يَشعُرُ ويُشْعِر” رحت أفتش في جحيمه ولا فرجيل يهديني، فما وجدت خيالًا يرضيني، ولا شعورًا يسليني، فعدت بخيبة أردد: مالي لا أرى الهدهد؟

 

ولو أنعمت النظر فيما كتب مارون عبود مثلا، لرأيت التعبيرات القرآنية في تضاعيف كلامه كالفراش المبثوث

 

وقبل هذا يطالعك قوله: “وإن يعجبني في العقاد شيء فهو هذا الإيمان المكين بفنه، إنه كأولئك المتهجدين في دنيا الفن يقومون الليل إلا قليلًا، على رجاء الساعة التي يحملون فيها كتابهم بيمينهم، أو قوله للعقاد أيضًا: انظم ولا تيأس من رحمة الله، فلولا تسمع مني وتسهر ليلة القدر، لعل الفن يهبك من لدنه وليًّا!”

 

وفي نقده لطه حسين، الذي لا يخفيه أبدًا، حتى لقد افتتح مقالته عن العقاد بتصويب سهام النقد لطه، قال عنه: “ولكنه لو نكح من هؤلاء الجامعيات ما طاب له رُباعَ وخُماس يبقى خير ما عنده أنه شيخ أزهري يستطعم كلام العرب.” وعودًا على العقاد فقد قال فيه أيضًا: “إذن للعقاد سبعة دواوين، لك أن تسميها ضربات بني إسرائيل السبع، أو سبع بقرات فرعون العجاف، أما أنا فهي عندي كرجال الكهف، تحسبهم أيقاظًا وهم رقود، لو اطّلعت عليهم لوليت منهم فرارًا، ولملئت منهم رعبًا.”

 

وقد وصف مارون عبود أسلوب القرآن بأنه يخالف أساليب العرب في نظمها ونثرها: تأليف حسن، كلمات ملتئمة، إيجاز وجودة مقاطع، انسجام، قصص، أمثال بديعة، موسيقى لا نهاية لها، سهولة في اللفظ مع شدة ارتباط في التعبير. قال: “كلّ هذا جعله في أعلى درجات البلاغة، وجعل لأسلوبه من القوة ما يملأ النفس روعة، فلا تملّ ترديده وقراءته”. ولم يكتف عبود بهذا الوصف، بل نقل عن مجمل طه حسين قوله في الأسلوب القرآني: “يسجع أحيانا ولا يلتزم السجع، ويوازن ولا يلتزم الموازنة، ألفاظه سهلة، قل أن تجد فيها غريبا، وهي مع سهولتها جزلة عذبة، وهي بعضها مع بعض متشاكلة لا نبو بينها، فإذا أضفت غلى ذلك سمو معانيه أدركت سر بلاغته وإعجازه.” وفي تأثيره قال: “سحر العقول بيانه، فعكفوا عليه يحفظونه ويقتبسون منه ويحاكونه، ويتأثرون بألفاظه وتركيبه. فللقرآن أعظم فضل على اللغة في وحدتها وانتشارها، وإحداث علوم جديدة فيها، وتخليدها.”

 

سحر العقول بيانه، فعكفوا عليه يحفظونه ويقتبسون منه ويحاكونه، ويتأثرون بألفاظه وتركيبه. فللقرآن أعظم فضل على اللغة في وحدتها وانتشارها، وإحداث علوم جديدة فيها، وتخليدها.

 

له في وحدة اللغة أثر بيِّن، بإحكام تركيبها وتهذيب عبارتها، ونشره إياها بانتشار الدين، وحفظه لها على فصاحتها الأولية. فمن حيث هو كتاب سماوي مُنزَّل، ضَمِنَ لها الحياة على مدى الأجيال، ما دام في الكون عربي متمسك بدينه، وصانها من كل ما يشوه خلقها، فأصبحت وهي اللغة الوحيدة الحية بين اللغات القديمة التي اختفت آثارها.

 

وقد أحدث القرآن علوما شتى، وجمع كلمة العرب عموما والمسلمين خصوصا حيث كانوا، وألّف منهم عيلة واحدة على نمط واحد. ثم انتهى عبود إلى القول: “والخلاصة: مهما قلنا عن شدة تأثير القرآن في العقلية العربية فلا نغالي.”

د. أكرم حمدان

كاتب ولغوي يشغل حاليا منصب رئيس رابطة المثقفين العرب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.