مدونات

سلامة كيلة واليسار التونسي

 

تميّز المفكر الراحل سلامة كيلة بفرادة جعلته يخرج عن إطار الإيديولوجيا بصورتها المنغلقة التي ترفض التفاعل مع الواقع المتغير أو طريقة التفكير السلفية الماركسية التي تحاول قولبة الواقع خدمة للنص، دون أن تبذل جهدا لفهم الأحداث في تغيّرها وتطوّرها وتحوّلاتها.

ولهذا، وجد نفسه في مواجهة فكرية مع نمطين من اليساريين: أولهما التيار المنغلق الذي تحولت الماركسية في ذهنه إلى ما يشبه العقيدة الدينية الجامدة التي لا تقبل المراجعة أو الاجتهاد، وثانيهما التيار المتخندق مع بعض الأنظمة ويجعل من نفسه ناطقا باسمها مدافعا عن سياساتها، مبررا لتجاوزاتها. وفي غالب الوقت، يكون اليسار النمطي من الصنفين المذكورين وجهين لعملة واحدة.

 

هذه الأصناف من اليسار وجدت نفسها في صراع مع أفكار سلامة كيلة الذي فضح توجهاتها ونعتها بكونها “يسار لا يعرف اليمين من اليسار”. ومن هؤلاء، فصائل يسارية تونسية كانت تعتاش على كتابات المفكر الراحل، ولكنها وجدت نفسها في منطق الممارسة السياسية تناقض توجهات الرجل وأفكاره. فسلامة كيلة له دراية مهمة بالمشهد اليساري التونسي، وزار البلد أكثر من مرة، وبدعوات من قوى يسارية. وتابع الثورة التونسية، منذ شرارتها الأولى، وكتب عنها ناقدا وموجها.

من الطبيعي أن يكون هناك اختلافات فكرية بين تيارات وقوى سياسية متباينة حتى في صلب التيار اليساري نفسه الذي عرف في تونس انشقاقات متتالية، وحالات من التشظي والشللية أفقدته وحدته التنظيمية، بل ودفعته إلى مواقف انتهازية تناقض الشعارات التي ترفعها هذه القوى والأحزاب.

 

من هؤلاء، فصائل يسارية تونسية كانت تعتاش على كتابات المفكر الراحل، ولكنها وجدت نفسها في منطق الممارسة السياسية تناقض توجهات الرجل وأفكاره

 

كان الخلاف الجذري بين بعض اليسار التونسي، وخاصة القوى المشكّلة للجبهة الشعبية، ورؤى المفكر سلامة كيلة تتعلق أساسا بتقدير طبيعة الحدث التونسي وامتداداته، لتصل ذروتها مع انحياز كيلة إلى الثورة السورية التي أدرجها بعض اليسار التونسي ضمن نظرية المؤامرة الكونية التي تستهدف نظام الممانعة الرابض على أعناق الشعب السوري منذ عقود.

 

فبعض اليسار في منظور سلامة كيلة، قد بارح مواقعه الأصلية التي تقوم على أساس اجتماعي، وترفع مطالب الدفاع عن الطبقات الشعبية والسعي إلى التغيير خدمة لهذه الطبقات، ليتحول إلى يسار لا يحمل من يساريته غير الاسم. فبعضه تحوّل إلى يسار ليبرالي وجد نفسه مغرقا في الدفاع عن شعارات كان في الأصل ينتقدها، فيما انزاح الجانب الآخر إلى ما يسمّيه كيلة باليسار الممانع الذي يصطف إلى جانب ما يعتبره أنظمة “وطنية ممانعة”.

 

كانت معضلة اليسار التونسي في نظر سلامة كيلة هي عدم قدرته على تمثل المرحلة وفهم المطلوب. فقد انتقل حزب العمال الشيوعي من مغازلة الإسلاميين بوصفهم حليفا ممكنا قبل الثورة، إلى التعاون مع نداء تونس لإسقاط النهضة

 

هكذا تجد هذه الأحزاب اليسارية نفسها “تصطف في المعسكر الإمبريالي وهي تعلي من “الصياح” ضد الإمبريالية. وتهدد بسحق هذه الإمبريالية، التي تلخصت في أميركا فقط”. لقد نسيت الأساس الاجتماعي الذي تنطلق منه في تحديدها لمعسكري الحلفاء والأعداء. وأصبحت نصيرا لكل من تعتقده خصما للإمبريالية، وانحازت لكل من تصورته ضد هذا العدوّ “حتى وإنْ كان دكتاتورا أو مافيا اقتصادية، أو “عميلا صغيرا” لديها. فالمهم أن يتناقض معها، أو يختلف معها لكي يكون “تحرريا” و”مستقلا”، وحتى “ثوريا”.

ومن هذا المنطلق، كان سلامة كيلة قاسيا في نقد توجهات بعض قوى اليسار الحزبي في تونس، سواء في عدم تمثّله لطبيعة الحراك الشعبي الذي جرى في المنطقة العربية، انطلاقا من تونس، أو في دفاعه عن النظام السوري وأنظمة أخرى مماثلة تمّ إدراجها في خانة الممانعة، وصبغها بصبغة الوطنية حتى وإن كانت فاقدة للشرعية ومعادية للتوجهات التي تنادي بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وتبنّي مطالب المسحوقين والمهمّشين.

 

تورط اليسار التونسي في منطق ردود الأفعال وأصبح يرسم خطوط التماس السياسية، وفق عداوات حزبية أو شعارات سياسية تتعمد تغييب الأساس الاجتماعي لأي صراع سياسي

 

لقد كانت معضلة اليسار التونسي في نظر سلامة كيلة هي عدم قدرته على تمثل المرحلة وفهم المطلوب. فقد انتقل حزب العمال الشيوعي من مغازلة الإسلاميين بوصفهم حليفا ممكنا قبل الثورة، إلى التعاون مع نداء تونس لإسقاط النهضة. وهو في كل هذا ظل يعيد إنتاج ذات المشكلة التي أوهنته. “فمشكلة اليسار المزمنة، والتي أنهته، أنه لا يرى سوى التمظهرات السياسية (الأحزاب والتجمعات السياسية). ولهذا يؤسس إستراتيجيته على المناورة بين هذه الأحزاب ومع الدولة، أما الشعب فهو لا شيء، على الرغم من ضخامة الثورات التي قام بها هو، ولم يستفد منها اليسار”.

لقد تورط اليسار التونسي في منطق ردود الأفعال وأصبح يرسم خطوط التماس السياسية، وفق عداوات حزبية أو شعارات سياسية تتعمد تغييب الأساس الاجتماعي لأي صراع سياسي. وهذا ما دفعه إلى اتخاذ خطوات متسرعة لتأييد النظام السوري. فهذا اليسار “متطرّف” في معاداته الإمبريالية، ومتطرّف في الفهم الشكلي للأمور، ومال منذ البدء لدعم النظام السوري. ومع الأسف، انجرفت أحزاب أخرى في المسار ذاته “نكاية” بحركة النهضة “حليفة الأمس”.

إن نقد سلامة كيلة لليسار التونسي لم يكن نابعا من روح سجالية أو مصلحة شخصية، كما حاولت بعض الوجوه اليسارية تصوير النقاش، في ردها على الرجل، بقدر ما كان يسعى إلى إعادة الأمور إلى نصابها؛ أي كيف يستعيد اليسار يساريته، ويظل وفيا للمضمون الاجتماعي الذي هو الأساس الذي ينبغي الانطلاق منه في قراءة التحولات السياسية. فالمطلوب ماركسيا، هو التحام الأحزاب اليسارية مع قوى الشعب لا أن تنحرف نحو ممارسة سياسوية متخلفة تقوم على تحالفات مشبوهة دفعتها إلى التحول إلى يسار إصلاحي بالمعنى الماركسي للكلمة.

ولهذا، لم يكن غريبا أن يكون المقال الأخير الذي نشره سلامة كيلة قبل رحيله بصحيفة العربي الجديد، يحمل عنوان “تونس، خطان في سبع سنوات من الثورة”. وكانت خلاصته أن الثورة في تونس لم تحقق أهدافها، وأنّ المطلوب من اليسار الحقيقي أن يكون جزءا من الشعب، ودافعا نحو تغيير حقيقي بما “يفضي إلى إسقاط النظام، بمعناه الاقتصادي السياسي (أي الطبقي)، وبناء نمط بديل”، لكن هل وعى اليسار التونسي الدرس؟

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.