ثقافة

رواية “أصل الهوى” للفلسطينية حزامة حبايب: حكايات عشق رجالية مطرزة كثوب فلسطيني

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

أي سر لهذا الهوى الذي يعرّش في القلب كشجيرة فيحاء تفشل أعتى الأهواء في اقتلاع جذورها؟ كيف يغيّر هذا الهوى أقدارنا ويجعلنا أسرى تأثيره  مستلبين أمام سلطانه؟ ولماذا يشعل هذا الهوى كل الحرائق الكامنة بداخلنا دفعة واحدة، فنستحيل شرارة من لهب؟

 

هي أسئلة تؤرق قارئ رواية “أصل الهوى” للكاتبة الفلسطينية “حزامة حبايب” وهو يلتهم نصها الشهي.

عبر شخصيات قدّتها من لهيب اللغة وتوهّجها، نتابع أسرار هذا الهوى الذي يعصف بنا ولا نملك إلا أن نسلمه مفاتيح مدننا المقفلة ونمنحه السلطة علينا. منذ البدء يدرك القارئ أنه لا يستطيع أن يكون محايدا أو سلبيا إزاء نص حزامة حبايب الذي يأخذه بقوة، كما يفعل الهوى بأهله تماما. فهو نص متوهج يجعل قارئه يدخل  هذا الأتون دونما إرادة منه.

اختارت الروائية والقاصة الفلسطينية حزامة حبايب أن تدور أحداث روايتها حول خمسة رجال، هم الشخصيات الفاعلة في هذا النص أو ربما المفعول بها. وهم من أعمار مختلفة جاؤوا إلى الخليج العربي في إطار توافد الهجرات المتعددة، وفي سياقات تاريخية معلومة عاشها الفلسطينيون خصوصا، والعرب عموما.

يجتمع هؤلاء الرجال في صحيفة خليجية شاءت الصدف أن يعملوا فيها. وهناك، يكونون على موعد مع عذوبة الذكرى التي تعذبهم، وتفضح صبواتهم إلى ماض هو قطعا أفضل من حاضرهم. يحاول كل منهم استعادة ملامح هذا الماضي، وهم يعيشون مرارة انتظار الذي لا يأتي. باجترارهم للذكرى، يعبّرون عن اغترابهم عن الزمن العربي بكل مظاهر انحداره القصوى.

وإذا كانت حزامة حبايب قد كشفت لنا في الجزء الأول ملامح شخصياتها التي تجلس في مكاتب صحيفة خليجية تفكّك الواقع العربي وتعيش حالة نوستالجيا عميقة إلى الماضي، فإنها أبدعت في الجزء الثاني، وهي تحيك نصها كما يحاك الثوب الفلسطيني الفريد في ألوانه وتطريزاته التي تقدّها أنامل أنثوية بارعة.

وفي هذا الجزء تنكشف حكايات عشق وتوق وصبوة مسكت حزامة حبايب بتلابيبها، وأبدعت في صوغها كما تصاغ الجواهر. وحاورت الجسد في توهجه وأفوله وفي غوايته وفتوره، كما يحاور الموسيقي آلته الأثيرة. وعبر حكايات رجال لا نعرف لهم ملامح جسدية خارجية، فنحن فقط نعرف مراحل أعمارهم وأسماءهم، اختارت الكاتبة أن تقدم لنا الواقع السياسي والاجتماعي العربي، دون أن تنزاح إلى الكتابة السياسية. فقد جعلت نصها عاشقا ومغسولا بأمطار الصبوات، دون أن توغل في دهاليز السياسة. ومع ذلك، لم تفلت منها بل ظلّت تدور في فلكها. وهذا مكمن الجمال والتفرد في هذا النص.

اللافت في هذا النص أنه يتوغل في تفاصيل عشق الرجال، صاغتها امرأة. وهو أمر غير مألوف أو لعله عكسي باعتبار أن الرجل ظل دوما هو الذي يصور عشق المرأة. وعندما تكتب الأنثى، فهي غالبا ما تعبر عن عوالمها الحميمية ونادرا ما تدخل الحديقة السرية للذكور.

حزامة حبايب ولدت لأب فلسطيني وأم سورية في الكويت التي غادرتها قسرا لظروف سياسية، ستتحكم لاحقا في تنقلاتها الجغرافية التي حددت مصيرها ومسيرتها. وهي متخصصة في الأدب الإنجليزي. لحزامة حبايب إصدارات متعددة تجمع بين القصة القصيرة والرواية من بينها: “التفاحات البعيدة” و”الرجل الذي يتكرر” ثم “شكل للغياب” و”ليل أحلى” و”استجداء ومن وراء النوافذ” إلى جانب “قبل أن تنام الملكة” و”مخمل”.

لاسمها “حزامة” حكاية طريفة، فقد أرادت والدتها أن تسميها “حذام” تيمنا باسم زرقاء اليمامة، فحدث خطأ وكتب الاسم كما يُنطق في بلاد الشام مع إضافة تاء مربوطة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.