اختيار المحررينثقافة

الشيخ زكرياء أحمد وأم كلثوم: فصول فنية حسمها القضاء

 

يعد زكرياء أحمد، رائد الموسيقى العربية الكلاسيكية وأحد عباقرة الإنشاد الديني الذين خاضوا تجربة التجديد، وقدموا أعمالا فنية عظيمة مع عمالقة الطرب في تسعينيات القرن الماضي.

طور الطقاطيق والموشحات، واهتم بالمسرح الغنائي بعد وفاة أستاذه وملهمه سيد درويش، حين كانت أم كلثوم تصعد سلم النجاح مع الشيخ أبو العلا ومحمد القصبجي.

 

 

في كتاب “عباقرة الإنشاد الديني”، ذكر محمد عوض أن تطوير زكرياء للطقطوقة أرشد محمد عبد الوهاب والقصبجي والسنباطي إلى التوسع في ابتكار أشكال جديدة لها، حررتهم في معالجة الأغاني التمثيلية والمسرحية والطويلة.

ويعدّ الفنان المصري أحد أغزر الملحنين في العصر الحديث وفق الكاتب، حيث قدم أكثر من ألف أغنية منذ بدايته سنة 1916. وأدّى له كبار مطربي عصره على غرار منيرة المهدية، صالح عبد الحي وآخرون. وهو أيضا من أهم شعراء عصره، ومطربا قادرا على إلقاء أصعب الأزجال العربية، حتى أن البعض بعتبره مدرسة في حد ذاته.

يقول فيكتور سحاب إن زكرياء أحمد “يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة، مضيفا: “يحلو للمتفرنجين في الموسيقى أن يسِموه بالجهل، لأنه لم يكن عالما بالأساليب الغربية في الموسيقى، لكن الشيخ كان مثقفا كبيرا”.

 

 

 

شغل زكرياء جانبا كبيرا من الفضاء الموسيقي والمسرحي. وقاد كوكب الشرق أم كلثوم إلى النجومية والنجاح بأعذب ألحانه التي خصصها لها بعد أن عشق صوتها واختبر نجاحه، لكن علاقتهما اتسمت ببعض الخلافات. وكانت علاقة مودة فقطيعة، وصولا إلى المحاكم، بعد أن عاندت أم كلثوم معه، وظلمته حسب بعض النقاد، وكانت تأخذ منه أفكاره لتطبقها مع غيره.

ومثّل زكرياء أحمد مع بيرم التونسي أبرز الأسماء التي تعاملت معها كوكب الشرق في بداياتها. وحازت على ثقة كبيرة منهما، فغنت “يا صباح الخير ياللي معانا” و”الورد جميل” و”غنّيلي شوي شوي”، و”أنا في انتظارك”… وقلّت في فترة لاحقة هذه الأعمال، ورأى البعض أن أم كلثوم تخلّت عن الذي قادها إلى النجومية، واعتمدت في ذلك الوقت على رياض السنباطي، حتى انفصل الثلاثي نهائيا بسبب خلافات مادية. وتوجهت نحو المجددين في التراث الموسيقي العربي على مستوى الكلمات، ومن ذلك تعاملها مع أحمد شوقي، حتى أواسط الخمسينات.

 

 

وقد أكد سعيد الشحات في مؤلفه “أم كلثوم وحكام مصر” أن ابتعاد زكرياء أحمد عن التلحين لأم كلثوم كان معلنا، وتمثل في مقاضاتها أمام المحاكم عام 1948. واستمر حتى الشهور الأخيرة من حياته، ودفع الفن العربي ثمن ذلك حتى 1960، حتى أن زكرياء أحمد أقلع عن التلحين لمدة سنتين. 

وكتب أحمد لمجلة روز اليوسف مع بداية الخمسينات ردا على حديث أم كلثوم عن القرآن الكريم بعد أن صرحت أنها ستقوم بقراءته دون أن تعود إليه وهو صاحب الفكرة الأصلية، قال فيه: “عندما التقينا أنا وأم كلثوم بعد خصام طويل، خيل إليّ أن أم كلثوم قد وصلت إلى السن الذي يتصوّف فيه الإنسان ويتقرب إلى الله.. ورأيت وقتها أن أسدل الستار على الماضي، وأوقفت حديثي معها أنه من واجبنا وقد تجاوزنا الخمسين من عمرنا، أن نختتم حياتنا الفنية ختاما رائعا، بتسجيل القرآن الكريم كله”.

وافقت على العرض على أن تقوم بتسجيل السور القصيرة فقط وليس القرآن كله، وأقنعها بالتنازل عن الحقوق كافة لإحدى الجمعيات الخيرية. قال: “لم توافق طبعا، إلا بعدما أقنعتها بأن عملنا هذا هو خير ختام لحياتنا الفنية”. وأضاف: “ولكنني فوجئت بحديثها الذي قالت فيه إنها على استعداد لتسجيل القرآن كله بلا مقابل، هدية منها لمسلمي الأرض”. وأكد أنها أخلت بالعديد من الالتزامات تجاهه وتجاه العديد من الملحنين وأن عليها أن تفي بذلك بما أنها تود التقرب إلى الله.

 

 

وفي عام 1960 جاءت المصالحة بين الطرفين في قاعة المحكمة وبتدخل من القاضي، حيث قال زكرياء أحمد إن غرضه خدمة الفن في شخصها وقالت كوكب الشرق إنها تقدره كثيرا. تصافحا وتم الاتفاق على أن تغني له 3 أعمال في السنة مقابل 700 جنيه على كل لحن، وكان آخرها هو صحيح الهوى غلاب، من كلمات بيرم التونسي.

توفي زكرياء أحمد في 14 من فبراير عام 1961، بشموخه واعتزازه بنفسه الذي لم يثنه عن مقاضاة أم كلثوم عندما لزم الأمر. وتعدّ هذه القصة من أشهر علاقات أم كلثوم بملحنيها. ودونها  العديد من الباحثين والمتخصصين في المجال، ومنهم “كمال عيد” في مؤلفه “أم كلثوم وزكريا أحمد أمام القضاء”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.