ثقافة

هل عرفت جين أوستن الحب مثل “مستر دارسي” وإليزابيث”؟

This post has already been read 6 times!

 

“مستر دارسي” و”إليزابيث بينيت”، ثنائي شهير في تاريخ الأدب الرومانسي الكلاسيكي. قصّة حب متقلّبة الأطوار، أخذتنا إليها الكاتبة الإنجليزية “Jane Austen جين أوستن”، في واحدة من أشهر رواياتها “Pride and Prejudice” التي ترجمت للعربية بعناوين مختلفة جمعت الكبرياء أو الفخر بالهوى، والتحامل والازدراء، ونقلت للسينما والتلفزيون في نسخ عديدة.

 

 

ربما يكون دارسي وإليزابيث الثنائي الأشهر، لكنّ أوستن قدّمت للأدب العالمي عدة قصص حب أخرى في روايات “Sense and Sensibility عقل وعاطفة”، و”Emma إيما”، و” Northanger Abbey دير نورث انجر”، و”Mansfield Park مانسفيلد بارك” و”Persuasion إقناع”. وقد انتهت جميع هذه القصص تقريبا نهايات سعيدة بارتباط أبطالها: “وعاشوا في سعادة وهناء”. من هنا، يأتي التساؤل بخصوص الكاتبة، جين أوستن، التي نشرت أوّل أعمالها في سن التاسعة عشر. فيض المشاعر الذي توصله للقراء، والقدرة على نقل سلوكيات المحبين ورصد الحب منذ بداياته، هل يخفي وراءه امرأة عاشقة؟

الطريقة الإنجليزية القديمة في الزواج

جين أوستن لم تتزوّج أبدا. الأمر صادم، أ ليس كذلك؟ نعم، صاحبة أجمل القصص الرومانسية، وأفضل من تتبع الحب من المغازلة البريئة حتى تتويجه بالزواج، عاشت وحيدة. وغادرت الحياة في سن الثانية والأربعين وحيدة. أبهرت القرّاء والمشاهدين بقدراتها في تصوير المشاعر الإنسانية، وكشف خلفيات العلاقات الاجتماعية في محيط إنجليزي محافظ، في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، لكنّها لم تحظ بقصتها الجميلة الخاصة.

 

Related image

 

مثل بطلاتها، كانت أوستن متحدثة لبقة وجميلة وجذابة. ومثلهن أيضا، كان عليها أن تستخدم شخصيتها الساحرة لتحصل على زواج مستقر ماديا. في زمن يعتبر فيه الزواج مشروعا اجتماعيا معقدا، ارتبطت الزيجات بثروة المرأة. وحسب العادات الإنجليزية حينها، تنتقل ثروة المرأة من أبيها إلى زوجها الذي يديرها حتى وفاته. لهذا، يختار الرجل زوجة تزيد من حظوظه في دعم مكانته الاجتماعية وزيادة ممتلكاته ومضاعفة حجم ثروته. هكذا، يصبح الزواج تعاقدا لأسباب اقتصادية، لا علاقة له بالحب. وهو ما برعت أوستن في تعريته في كلّ رواياتها.

الحب المستحيل

لم ينقص جين الجمال أو الجاذبية، لكن كان ينقصها المال. في تلك الفترة، كان والدها يعاني من صعوبات مالية. وهذا يعني أن لا مال لديه لينتقل لابنته، فيُقبل عليها الرجال. وجدت فتاة العشرين نفسها مضطرة للاعتماد على مواهبها في التواصل، وشكلها، فلا يملك رجل ما رفضها. حصلت جين على فرصتها، عندما التقت توم ليفروي سنة 1795.

 

فيلم Becoming Jane

 

ابن شقيق صديق لعائلة أوستن، تعرّفت عليه جين في مناسبة اجتماعية. التقته عدة مرات، ورقصت معه في أكثر من حفل. لم يكن وضع طالب الحقوق المادي مريحا أيضا، ولكن يبدو أنّ جين أحبته. فقد كتبت عنه في عدة رسائل لشقيقتها كاسندرا، بدأت بـ “ليفروي جنتلمان، أنيق، شاب لطيف”، ثمّ “أتوقّع أن يتقدم صديقي لي هذا المساء.. سأرفضه ما لم يعدني بالتخلي عن معطفه الأبيض”، وآخرها “عندما تصلك رسالتي سيكون كل شيء قد انتهى.. أكتب لك ودموعي تسيل من هذه الفكرة المحزنة”.

عائلة ليفروي تدخّلت وأبعدت الشاب تماما. في الواقع، لم يكن الارتباط مناسبا لكلا الطرفين وفق قوانين العائلات الإنجليزية. وطبعا، جين وليفروي أدركا ذلك جيدا. فهي لا تملك المال، وهو يعتمد على قريب له في إيرلندا لتمويل دراسته العليا. هل أحبّ ليفروي جين وحال بينهما المال؟ هل أحبّت جين ليفروي، لكنّها فكّرت في الزواج ببراغماتية يفرضها المجتمع ووضعها المادي؟ على كلّ، انتهت القصة، وعاد ليفروي إلى إيرلندا ليصبح أعلى قاض في البلاد. وقد تزوّج لاحقا، وأنجب ابنة اختار لها اسم “جين”.

 

القاضي والسياسي الإيرلندي توم لانجلوا ليفروي

 

فرص أخرى..

لم تنته فرص جين أوستن في الارتباط بنهاية قصتها مع ليفروي الذي تقول في إحدى رسائلها لشقيقتها بعد سنتين من انقطاع الصلة بينهما، أنّها تناولت الشاي مع أحد أقاربه وقاومت جاهدة رغبتها في السؤال عنه. يقال أنّها تعرّفت لاحقا إلى شاب سنة 1800، حين انتقلت عائلتها إلى مدينة باث عند تقاعد والدها. ليس معروفا اسم الشاب الذي كان ينوي الزواج منها، لكنّه توفّي قبل أن يتمّ الأمر.

بعد سنتين، وأثناء استضافتها مع شقيقتها كاساندرا لدى عائلة بيج، طلب هاريس بيج-ويكر يد جين للزواج. في البداية، قبلت اقتراحه، ولكن بعد ليلة بلا نوم، غادرت أوستن بيت مضيفيها، بعد أن أعلنت انفصالها عنه. ارتبطت جين ليوم واحد، وفسخت خطوبتها. ربما تراجعت تعاطفا مع شقيقتها التي توفّي خطيبها توماس فاول بسبب الحمّى الصفراء، وربما لأنّ الحب كان غائبا عن العلاقة.

جين أوستن وشقيقتها كاسندرا، 1810

 

الحب والكتابة

تبدو جين أوستن براغماتية في بداية تجاربها العاطفية، لكنّ رؤيتها للزواج تطوّرت، بل وتبدو إلى حد ما حديثة. ترى أوستن الزواج عقدا بين طرفين متساويين. فكرة الزواج دون عاطفة وتقارب، بغيضة. في رسالة لابنة شقيقتها أو شقيقها، تقول: “يمكن احتمال كلّ شيء، إلّا الزواج دون عواطف.. لا شيء يقارن ببؤس الارتباط دون حب”. ليس العثور على الشخص المناسب مضمونا، لكن “هؤلاء الأشخاص موجودون، ربما بمعدّل واحد ضمن ألف.. شخص تجتمع فيه الرفعة والشخصية بالقيمة، وتتساوى عنده الآداب مع المشاعر والتفاهم.. شخص كهذا، يمكن أن لا تضعه الحياة في طريقك.”

وجدت أوستن الدعم من والدها الذي شجّع موهبتها الأدبية منذ طفولتها، وكذلك من أخيها لاحقا. في النهاية، أعراف المجتمع تفرض نفسها، والحاجة لرجل من الأقارب لإعالتها وتوفير مسكن ظلّت تؤرّقها وتحول دون ثباتها واستمراريتها ككاتبة. ومن يتتبع الخط الزمني لإصدارات الكاتبة الإنجليزية، سيلاحظ أنّ أبرز العناوين التي حققت شهرة واسعة، قد صدرت بعد 1809. وهي السنة التي استقرت فيها مع أمها وشقيقتها في منزل على ملكية شقيقها إدوارد، بعد أن تبنّته عائلة ثرية لم ترزق بالأطفال.

 

Image result for jane austen

 

لم تتزوّج جين، لكنها شقّت طريقها في عالم الأدب والكتابة بثبات. ولعلّ تفوّقها وشهرتها جعلتها تعيد النظر تماما في موضوع الارتباط. رعاية زوج وتأسيس عائلة وتربية أطفال في ذلك الزمن، مهام ستمنعها من التفرغ للإبداع. في لنهاية، فرضت جين أوستن نفسها في المشهد الثقافي الاجتماعي في بدايات القرن التاسع عشر. وكانت محاطة بالأصدقاء والمعجبين، وتحظى بالاهتمام والمتابعة. ربّما لم تحظ بقصة حب حقيقية مكتملة، لكنّها أهدت قراءها قصصا كثيرة. عشقت جين أوستن الكتابة منذ صباها، وكان لها ما أرادت: خلّدت اسمها في تاريخ الأدب البريطاني، كاتبة لها مواقف تقدّمية من مجتمعها المحافظ، ورؤية للحياة مختلفة عن نساء جيلها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.