مجتمعسياسة

هل تكون القمة العربية بتونس “قمة صفقة القرن”؟

بعد قمّة عربيّة اقتصاديّة فاشلة في بيروت، وفشل القمة العربية الأوروبية قبل انطلاقها بعد أن كانت مقررة نهاية الشهر الجاري في شرم الشيخ المصريّة، تنعقد في نهاية شهر مارس القادم قمة جامعة الدول العربيّة، وسط تواتر الأزمات والصراعات البينية عربيا، وتباين في المواقف والآراء حول مختلف القضايا العربية، ناهيك عن متغيرات متسارعة تشهدها المنطقة.

 

القمة العربية التي ستحتضنها تونس كانت عنوانا للصحافة العربية في الأيام الأخيرة، من زاوية واحدة فقط، تتعلّق بعودة سوريا المجمدة منذ سنة 2012، غير أن القضايا الرئيسية تتجاوز ذلك بكثير، في ظل الصراعات الحادّة وملف صفقة القرن، وغيرها من الملفات الحارقة.

قمّة صفقة القرن

بفيتو أمريكي واضح، ورد على لسان مايك بومبيو، لم يعد موضوع استعادة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية موضوعا ذا أهمية تذكر. وذلك ما أعلنه بطريقة غير مباشرة أمين عام الجامعة أبو الغيط في آخر تصريحاته الصحفية التي أكّد فيها عدم وجود توافق على هذه النقطة، بالرغم من إعادة علاقات دول خليجية مع نظام بشار الأسد في الآونة الأخيرة، وإعادة فتح الإمارات سفارتها بدمشق.

 

رغم محاولات إخفاء ذلك بكل الوسائل، فإنّ الاجتماعات والملتقيات الإقليمية التي شهدتها المنطقة العربية مؤخرا، كانت صفقة القرن عنوانها الأبرز. ففي مصر، تحالف لدول الغاز يضم الكيان المحتل. وفي الأردن، اجتمع وزراء خارجية البحر الميت لتدارس فكرة “ناتو عربي” بعضوية إسرائيل تحت شماعة مواجهة التوسع الإيراني، أمّا قمة بيروت الاقتصاديّة، فقد قاطعها رؤساء وملوك بسبب حذف صفقة القرن والتعاون الاقتصادي مع الكيان من جدول الأعمال.

 

إصرار واضح من النظام الرسمي العربي على جعل صفقة القرن أولوية في القمم واللقاءات يجعل منها العنوان الأبرز لنقاشات قمة جامعة الدول العربية المنتظرة في تونس نهاية شهر مارس 2019، لكن توجد مؤشرات أخرى أيضا تدعم ذلك. فعرّاب الصفقة جاريد كوشنير استبق القمة بزيارة إلى دول عربية، أكّدت وكالة “رويترز” أنّ موضوعها الرئيسي مناقشة الشق الاقتصادي من الصفقة، قبل اجتماع مرتقب في “قمّة وارسو”.

 

قمة صفقة القرن، هكذا سيكون لقاء آخر للزعماء العرب، لكن المفارقة أنّ أرضه ستكون تونس هذه المرة التي تحاشت كثيرا الاصطفاف وراء المحاور العربية المتنازعة والابتعاد قدر الإمكان عن أية مبادرات تطبيعية من النظام الرسمي العربي، ليس فقط لوجود ضغط شعبي واضح يعارض الصفقة ويدعم الحق الفلسطيني، ولكن لأنّ البلاد أيضا دفعت شهيدا آخر للقضية العادلة تم اغتياله برصاص الموساد قبل ثلاث سنوات.

 

هل تكون شهادة وفاة؟

جرت في الوادي العربي مياه كثيرة في السنوات الثماني الأخيرة. وفي نفس الوقت، تسارعت وتيرة تطبيع النظام الرسمي العربي الذي انتقل من السر إلى العلنية بشكل فاضح، والسبب الرئيسي محاولة بعض الأنظمة الحفاظ على تواجدها في ظلّ ثورات الشعوب في المنطقة، وإعلائها مطلب الحرية والديمقراطية التي يكفّرها النظام الرسمي.

 

لعقود، يجتمع الزعماء العرب لتدارس كل القضايا والتقاط الصور، وإقامة حفلات العشاء واللقاءات الثنائية أمام المصورين، ثم يعودون دون طرح إشكال واحد أو ملف يعني الشعوب في المنطقة. وهذا ما جعل الجامعة لا تختلف عن النظام الرسمي العربي، بل إحدى واجهاته، فهجرها الجمهور وترك لحضورها بعض اهتمام بتفاصيل الكواليس وبعض اللقطات الساخرة كنوم بعضهم، أو إشعاله سيجارة أثناء المداولات أو أشياء أخرى أكثر صدمة.

 

تؤكّد كل المؤشرات أن قمة تونس لجامعة الدول العربية نهاية شهر مارس 2019 ستكون قمة صفقة القرن، لكنّها لن تمر بتلك السهولة التي يتصوّرها المطبعون وعرابو الصفقة. فهي لن تعلن فقط رفع شهادة وفاة الجامعة التي ستتخلى عن كونها عربية، بل ستكون في مواجهة رأي عام عربي عموما وتونسي خصوصا سبق أن خالف الديبلوماسية وكلّ الأنظمة ليعلن رفض تدنيس أرض الثورة العربية.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق