ثقافة

رواية “قصة حب” للأمريكي إريك سيغال: العشق هو أن لا تعتذر أبدا..

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

في شهر الحبّ، تستوقفني الكثير من الإبداعات العالمية التي تجاوز حدود محلّيتها لتحلّق عاليا، وبعيدا في فضاء الكونية، لاسيما تلك التي تعانق معنى نبيلا وخالدا يتأصل في كينونة الأفراد، منذ أن ترى أعينهم النور لأول مرة، وتتحسّس أناملهم أول جسد تلتصق به، فيمنحها فيضا من الحب والعاطفة. قبل أن يقطع الحبل السري، وقبل أن ينهل الرضيع من ثدي أمه حليب الحياة، يستشعر دفء الحب. 

ولأن الحب إكسير الحياة وزهرتها السرمدية، فقد ظلّ من الثيمات التي لا غنى عنها في المنجز الفني والإبداعي على مر الأزمنة خالدا ما ظل الإنسان على هذه البسيطة.

Image result for love story by erich segal

وبقدر ما ظلت ثيمة الحب قائمة وموجودة بشكل مكثف في المنجز الإبداعي الإنساني، بقدر ما تغيرت طرائق التطرق إليها والمفردات التي تطرح من خلالها، وأشكال الأطباق التي تقدّم فيها، والزخرف والجماليات التي ترافقها. ولا يمكن أن نسهو عن الخصوصيات والأشياء الصغيرة التي يضيفها كلّ مبدع حقيقي لنصّه في هذه الثيمة وغيرها أيضا من خلال خصائص ثقافته وبيئته وحضارته وهويته. وكلها ملامح تضفي فرادة على النص، كحال رواية “قصة حب” التي نحن بصددها لصاحبها الكاتب الأمريكي الشهير إيريك سيغال.

ومنذ اللحظة الأولى، ندرك أن هذه الرواية بسيطة إلى حد العمق وعميقة بمنتهى البساطة. هكذا اختار صاحبها أن يجعلها تنساب بشكل طبيعي، كما يولد الحب في أعماق البشر. ويتطرّق إلى علاقة بين شخصيّتين رئيسيّتين هما الطالب “أوليفر باريت” الذي يحظى بالثروة والوسامة، وعلى النقيض منه جنفير فيل التي تنحدر من أصول فقيرة. وتجمع الشابين طبائع مشتركة، فكلاهما يحمل فيضا من العاطفة، ويعيش بقلب نقي، وينأى عن التعقيدات، ويختار البساطة في كلّ تفاصيل حياته.

إريك سيغال

 

تبدأ قصة الحبّ بمشاكسة، ثمّ تنزاح لتصبح جدولا رقراقا من فيض العاطفة والإحساس. ويقرّر العاشقان إعلان حبها لوالد هذا الطالب الغني، تمهيدا للاقتران بالفتاة التي هام بها حبا، ولكنّ صخور الواقع أعتى بكثير من الأحاسيس الفياضة وزوارقها البيضاء. وكانت الصدمة كبيرة، عندما رفض الوالد هذه الزيجة، وقوّض أحلام ابنه، نظرا لغياب إمكانات النجاح لأسباب اجتماعية، وباعتبار أنّ الأعراف تمنع مثل هذه الزيجات التي ينحدر فيها كل طرف من طبقة مغايرة.

تصل التوترات إلى ذروتها ويخيّر الوالد ابنه بين هذا الحب وبين ثروته، مهدّدا إياه بحرمانه من ماله إذا ما مضى قدما في هذه العلاقة. ويعيش الابن تمزّقا حادا، لكنه يختار في الأخير أن ينحاز للحب، ويعتقد أنّ المال لا يعني شيئا في غياب عاطفة حقيقية يستمدّ منها الفرد سعادته. وبالفعل، يتزوّج أوليفر من حبيبته. ويتنازل عن ثروته لينضم إلى حياة البسطاء والمكافحين، رغم أنّه لم يتعوّد عليها.

 

 

يمعن الكاتب إيريك سيغال في وصف تفاصيل الحياة الناعمة البسيطة التي يعيشها الزوجان. ويوغل في جماليات حالة الحب التي تجمعهما، وذلك تمهيدا للتحول الجارف الذي سيعصف بها، وهو مرض الحبيبة التي بدأت صحتها تنهار تدريجيا، ويجد العاشق نفسها في مواجهة أعباء لا عهد له بها. وهنا يوضع الحب في مواجهة الاختبار الأكبر، فهل يصمد أو يكون الانهيار مصيره؟ هذا هو السؤال الذي يطرح بخصوص أسمى عاطفة إنسانية، منذ الأزل إلى اليوم. ويظلّ الصمود من عدمه رهين السياقات والملابسات وطبائع البشر وقوة عزيمتهم وذلك أهم ما نخلص إليه.

كانت نهاية هذه الرواية حزينة. رحلت الحبيبة، وظلّ حبيبها حتى اللحظة الأخيرة، صامدا في وجه كل ما حدث، مختصرا مأساته: “كانت جميلة، كانت ذكية. لقد أحبت موزار وباخ والبيتلز وأنا”. بهذه الكلمات، رثى العاشق محبوبته طالبة الموسيقى ذات الجذور الإيطالية.

لقّب كاتب الرواية، الأمريكي إيريك سيغال، بكاتب النجاح الواحد. وولد عام 1937، ورحل عن الدنيا عام 2010. ولم يتسنّ له أن يحقق نجاحا يضاهي نجاح روايته “قصة حب” التي بات أيقونة من أيقونات الروايات الرومانسية في العالم.

 

الحب هو أن لا تعتذر أبدا

 

كان نجاح هذه الرواية التي حققت مبيعات خيالية إبان صدروها خلف الاهتمام الكبير بها. فقد قدمها المخرج أرثر هيلر في شكل فيلم سينمائي عدّ من روائع الفن السابع عام 1970. وجسّد أدوار البطولة فيه كل من ريان أونايل وآلي ماكغراو. وختم الفيلم بمقولة البطل الشهيرةالتي أصبحت من أهم الأقوال الواردة في السينما الأمريكية: “الحب هو أن لا تعتذر أبدا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.