ثقافة

حب فيروز

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

فيروز.. الناعمة في أغانيها، الخجولة في إطلالتها، المحبة إلى أبعد مدى في صوتها ودفق عواطفها وإحساسها الاستثنائي، كيف تحب في الواقع؟ وهل كانت فيروز الفنانة، هي ذاتها فيروز العاشقة، خلال ارتباطها بحبّ العمر عاصي الرحباني؟

وصفها أحد المقرّبين منها جدا لإحدى الصحف العربية بقوله: “لها شخصيّة مزاجيّة وطبع قاس ليست سهلة المراس، لكنّها كانت صبورة وطيعة جدا مع زوجها عاصي”، أما عاصي فقد قال عنها: “إنّ فيروز لا تنسى الإساءات مهما كانت صغيرة”، وكما تجلّت عبقريّة فيروز في تجسيد قصص المحبّين الذين يتمثّلون أنفسهم في حكايات أغانيها، فقد قالت الكثير عن حبها لعاصي وعن تلوّن هذا الحب الذي عرف أحلاما شاهقة وانكسارات حادة أيضا.

 

 

فيروز التي يتقاطع الشخصي والفني في تجربتها الحياتية والإبداعية تستحقّ دوما أن نتوقّف عندها كإحدى أيقونات الفن، فقد كان لقاؤها بعاصي إيذانا بحياة جديدة فنيا وإنسانيا. وكان حبّهما منطلقا لتقديم مدرسة في الغناء لا عهد للعرب بمثلها من قبل، تضاهي أكبر التجارب الفنية العالمية.

وعندما زفّت فيروز لعاصي وجمع بينهما الحب الكبير، زفّت أيضا للمجد والشهرة. وكانت فيروز سلسة وطيعة ومنقادة إلى حد ما لزوجها عاصي الذي ساهم في نحت شخصيتها الفنية، وساعدها على تطوير أدائها، وكان يقف خلف طريقة ظهورها وإطلالتها المدروسة سواء في وسائل الإعلام أو في الحفلات والمحافل العامّة.

وكان انقياد فيروز لحبيبها وزوجها عاصي، عفويا وطبيعيا، دون أن يكون على حساب شخصيتها الصلبة. وكانت تدرك أن صناعة نجوميتها مسؤوليته. في المقابل، حبّ عاصي لفيروز كان لا يخلو من القسوة. فقد كان ذا شخصية صعبة وبالغة الدقة والاهتمام بالتفاصيل وصارمة مع الجميع، لكنّها تزداد حدة مع نجمة الرحابنة وسيّدة قلبه التي يريد دوما أن يراها في ذروة تألقها.

 

 

فيروز المطيعة اللينة تمرّدت في الأخير على العاشق المتملّك لكلّ تفاصيل حياتها. حدث ذلك أواخر السبعينات، عندما تكرّست نجوميتها وأصبحت لها آراء ووجهة نظر، في كل ما يهم حياتها الفنية والشخصية. وأمعنت فيروز في تمردها، فقامت بأشياء دون موافقة عاصي. وكانت تلك نذير توتر بلغ أوجه بين السيدة التي لا تنسى أبدا، والزوج الصارم الذي يصنع مصيرها.

وكان المنعرج الأخير في حب فيروز، عندما أصيب عاصي بنزيف في الدماغ، أثناء استعدادها لمسرحية المحطة. وكانت تلك أولى ملامح التغيير في حياة جارة الوادي. فبغياب حبيبها وملحن أجمل أغانيها، غاب ركن أساسي في حياتها. وعندما التقت فيروز جمهورها لأول مرة وحيدة دون سندها وتوأم قلبها، غنت  “سألوني الناس عنك يا حبيبي..” حتى قولها: “لأول مرة ما بنكون سوا “.

 

 

كان مكان عاصي شاغرا. وفي هذه الفترة، التجأت إلى ابنها زياد وثمرة حبها الذي كان مراهقا في تلك الفترة، لتلحين أغانيها. وكان ذلك نذيرا لاختفاء عاصي من حياة فيروز. وبالفعل حدث الانفصال بين فيروز وعاصي في أواخر السبعينات. وانتهت نكهة ألحانه من أغاني فيروز التي اختارت أن تواصل الطريق بمفردها واختفى زوجها المريض عن الأنظار. وفي هذه المرحلة تجلت شخصية المرأة الصلبة والمتمردة في مسيرة فيروز، وفي نوعية أغانيها التي قام بتلحينها ابنها زياد أو التي تعاملت فيها مع بعض المبدعين الآخرين.

ورغم انفصالهما، سببت وفاة عاصي وجعا وانكسارا كبيرا لفيروز عام 1986. وقد بدا واضحا أنه كان كل شيء بالنسبة إليها. واعترفت السيدة التي لا تتكلم كثيرا أنها شعرت بخوف لم تشعر به من قبل. وأقرت بأنها متعبة في غيابه، وبدأت تنوء بحمل الأشياء التي كان يحملها عنها. وربما لهذا، بكت طويلا عندما غنت أمام الجمهور “سألوني” بعد وفاة عاصي الرحباني. وكان جليا أن روحه كانت تستوطنها.

 

 

لقد كسر رحيل عاصي فيروز، وكان خسارتها الكبرى. هي الطفلة التي كبرت على يديه، ورأت العالم بعينيه. وهو الذي كان يشعر بكل ما يجول بخاطرها، حتى أنه تأخر عليها ذات موعد، وتبلّلت جراء نزول المطر، فلم تنس ذلك. وعاتبته عليه طويلا، في أكثر من مناسبة. فأهداها تلك القصة ملحنة لتصبح واحدة من أجمل أغانيها، وهي “حبيتك بالصيف حبيتك بالشتاء” والتي تقول بعض كلماتها: “بأيام البرد بأيام الشتي تجي هاك البنت من بيتها العتيق ويقول إنطريني وتنطر على الطريق ويروح وينساها”.

فيروز التي أحبت عاصي وأحبت الأماكن التي يحبها، كما تقول. ورأت العالم بعينيه، وعرفت المجد من خلاله، وصار عالمها. ولذلك قالت: “إن ما حدث لأسرتنا يشبه التراجيديا الإغريقية”. ذاك هو حب فيروز التي علمتنا الحب والكتابة. وصنعت لنا كونا جميلا من الأغنيات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.