مجتمعسياسة

قمّة إفريقية في أديس أبابا: الغرب وإسرائيل والدكتاتوريات تُغرق القارة في ظلام كبير

 

في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وفي جلسة مغلقة، انطلقت اجتماعات قمة الاتحاد الإفريقي في دورتها الـ 32، بحضور عدد كبير من رؤساء الدّول والحكومات الإفريقية يوم الأحد 10 فيفري 2019، تلاها بعد ذلك انتقال الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي لهذا العام من الرئيس الرواندي بول كاغامي إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي.

 

القمة الإفريقيّة هذه السنة يشارك في أشغالها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهنوم، فضلا عن شخصيات أممية وقارية، وعدد من المراقبين وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية.

 

وتناقش القمة التي تستمر يومين تحت شعار “اللاجئون والعائدون والمشرّدون داخليا.. نحو حلول دائمة للتشرّد القسري في إفريقيا” قضايا الهجرة واللجوء والنزاعات و”الإرهاب” وجواز السفر الإفريقي الموحّد، وكذلك الاندماج الاقتصادي وعملية الإصلاح المؤسسي للاتحاد وتمويله.

 

مواضيع على غاية من الأهمية والحساسية في الوقت الذي يشهد فيه العالم والقارة الإفريقية نفسها متغيرات كثيرة، تجد إفريقيا في القلب منها بسبب أزمة المناخ والصراع على مصادر الثروات، إلى جانب تراجع نفوذ عدد من القوى الدولية وبروز أقطاب أخرى.

 

سنة 2010، أطلق الفيلسوف والباحث الأنثروبولوجي الكاميروني آشيل مبيمبي صيحة فزع في كتاب عميق تحت عنوان “الخروج من الليل الكبير” الذي أورد فيه نقدا مزدوجا للوضع في القارة السمراء وللمتخيل الغربي عن هذه القارة وسكانها. مبيمبي تحدّث عن إفريقيا باعتبارها “قارة منفتحة ومتعدّدة الانتماءات” وسط بؤرة فلسفية متينة تدعو إلى “مقاومة المتخيّل الذي يصنّفها كقارة للبؤس والوحشية، وصياغة فلسفة جديدة تنبني على عدم اليأس من الحاضر”.

 

لم يسمع صيحة الفيلسوف الكاميروني كثيرون، بل وأريد لها أن لا تُسمع رغم كل الطفرة والمتغيرات في زمن الشعوب والساحات التي تقلب المعادلات، فإفريقيا لا تزال أرضا لتصارع الأجندات الكولونيالية يساهم شق من أبنائها بأشكال مختلفة في توطينها على أرض يستحق أهلها أن يكونوا في موقع ووضع مختلفين تماما لما هو كائن حاليا.

 

شعار رنان وواقع مخيّب

شعار القمة الإفريقية في ظاهره محمّل بالكثير من الرسائل والمعاني والأحلام الجميلة التي يمكن فعليا وعمليا أن تغيّر من مشهد وموقع إفريقيا في مرآة العالم، ولكن توجد عراقيل كثيرة أمام تحويل هذا الشعار وتلك الأهداف النبيلة إلى ممارسة وسياسات عملية في القارة السمراء، هذا ما يدركه أغلب المشاركين في هذه القمة وهذا أيضا ما يعمل كثير من الحضور على جعله ثابتا وحيدا في كل القمم.

 

في المجمل، توجد ثلاث أجندات وعراقيل تغرق القارة الإفريقية في هذا “الظلام الكبير” الذي نادى الفيلسوف الكاميروني آشيل مبيمبي بالخروج منه سريعا، أوّلها النفوذ الإسرائليلي المتنامي في المنطقة في السنوات الأخيرة، حيث تمكّن الكيان من دخول أسواق إفريقيا ودفع بعض أنظمتها إلى إدارة ظهرها للقضية الفلسطينية وإسقاطها بشكل ما في مستنقع التطبيع، في محاولة للسيطرة على مصادر الثروة وتجفيف منابع إسناد المقاومة والقضية الفلسطينية.

 

أمّا ثاني العراقيل فيتمثل في الأجندات الغربية من دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر إفريقيا سوقا فقط، تنظم إليها في السنوات الأخيرة الصين وروسيا في صراع محتدم بين القوى الدولية والشركات متعددة الجنسيات عنوانه “من يسرق إفريقيا أكثر”. وهذا هو تماما السبب الرئيسي من وراء الأزمة الديبلوماسية الفرنسية الإيطالية مؤخرا على سبيل المثال.

 

 

أمّا ثالث العراقيل والسبب الداخلي الذي يحول دون تطوّر إفريقيا ونهوضها فيتمثّل في الدكتاتوريات الحاكمة في أغلب دول القارة، حتّى أنّ القمة هذه السنة تشهد انتقال الرئاسة إلى أكثر رئيس مثير للجدل حاليا في القارة برمتها، وهو عبد الفتاح السيسي الذي حوّل مصر إلى معتقل كبير، لا يتوقّف عدد سجناء الرأي والقتلى والمختفين فيه قسريا عن التزايد بسرعة جنونية منذ انقلابه العسكري على السلطة في صائفة 2013.

 

ليس بالقمم

تفكيك وإعادة تركيب المشهد والتوازنات وطبيعة الأجندات المتلاطمة ناهيك عن الأوضاع الداخلية للدول الإفريقية يتيح الوصول إلى استنتاج واضح مفاده أنّ القارة لن تنهض بالقمم وبلقاءات البروتوكول الرسمي بين القادة والزعماء، بقدر ما تحتاج شعوبها إلى نفض غبار عقود من الاستعمار الداخلي والخارجي.

 

إلى تلك النقطة ومن ذلك الإستنتاج ،تحركت الشعوب العربية في ثوراتها سنة 2011 لتلتحق بركب الحضارة في العالم. ومن تلك النقطة أيضا، حدثت ثورة لم يشاهدها العالم في بوركينا فاسو سنة 2014. ومازالت ستحدث ثورات في إفريقيا، بعد أن دفعت القارة وشعوبها على وجه الخصوص ثمنا باهضا لعقود من التخلف والأوضاع المأساوية. وفي طريقها إلى هناك، تحتاج القارة إلى تغيير متخيّلها عن نفسها أولا بعيدا عن تبني المتخيل الغربي عنها.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.