ثقافة

في ذكرى وفاته: دستويفسكي الكاتب الإنساني المأساوي

 

 

مثّلت حياة  الكاتب الروسي الكبير، فيودور دوستويفسكي، حلقة غامضة ومثيرة مثل رواياته العظيمة التي كتبها لتخلد في سجل التاريخ الإنساني.

 

ولد دستويفسكي في موسكو عام 1821، وعاش حياة متقلبة، امتزجت فيها المأساة بالروح الإبداعية والبحث والعمق النفسي والتاريخي والديني، ليصبح أحد أعظم الأدباء في العالم.


بدأ بكتابة الروايات القصيرة، أولها المساكين عام  (1846)،التي حققت نجاحا كبيرا لكن مهّدت لمسيرة متقطعة بسبب باعتقاله بتهمة تحريضه على التخريب المزعوم ضد القيصر نيكولاس الأول عام 1849.

 

 

شكلت تجاربه في السجن رؤية فنية وفلسفة دينية عميقة، في أعماله العظيمة، التي أضحت رغم تراجيديّتها عنوانا هاما وبصمة منفردة في القرن التاسع عشر..


وكان زواجه “الصادق” من آنا سنيتكينا ، بعد فترة من العوائق التي عاشها، مثالا للاستقرار العاطفي، التي دفعته لإكمال ” الجريمة والعقاب” (1866) ، الأبله (1868) ، الإخوة كارامازوف (1880).

 

 

روايات جعلت من دوستويفسكي أحد أفضل الأدباء الذين عاشوا على الإطلاق بفضل خصائص فنية قامت على الحداثة الأدبية ،الوجودية ، الجانب النفسي ، واللاهوت ، والنقد الأدبي. وغالبا ما يطلق على أعماله بـ”النبوية” لأنه تنبأ بتوجهات الثوار الروس  إذا وصلوا إلى السلطة، في وقته اشتهر فيه بنشاطه كصحفي وعرف بآرائه السياسية.

يشتهر كل عمل من هذه الأعمال بعمقه النفسي وانعكاساته على القارئ والمتابع لها، ووصف بأنه أعظم علماء النفس في تاريخ الأدب.

واعترف سيغموند فرويد، مؤسس علم النفس التحليلي، في مدونته في رؤى دوستويفسكي النفسية الهامة.

 

فقد أثرت الأحداث الرئيسية في حياته من الحكم عليه بالإعدام والسجن في سيبيريا ، ونوبات الصرع، على قدرته في نقد الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تجاوزت التاريخ فكانت استباقية وخرجت من حجاب الجغرافيا لتمس مختلف دول العالم وليس روسيا فقط، فحقّقت شهرة كبيرة.

 

 

واستفاد في كثير من الأحيان من الأحداث الدراماتيكية في حياته لخلق أعظم شخصياته. ومع ذلك ، فقد بقيت بعض الأحداث في حياته غائمة في الغموض.

رواية الجريمة والعقاب وهي ثاني روايات دوستويفسكي الكاملة بعد عودته من منفاه لخمس سنوات في سيبيريا، تعكس مرحلة “النضوج”  الأدبي للكاتب الروسي، في الوقت الذي كان فيه مدينا بأموال كثيرة أثناء محاولته مساعدة عائلة أخيه ميكائيل الذي مات عام 1864.

وصورت الصراع النفسي الذي روديون راسكولنيكوف، وهو طالب فقير في سانت بيترسبيرج، خطط للقتل مربية قاسية من أجل مالها ليتمكن من تحرير نفسه من الفقر وتوزيعه البعض منه على الفقراء.

 

 

وفي الإخوة كارامازوف، تناول الروائي القضايا اللاهوتية والفلسفية المتعلقة بالشر والحرية والإيمان. وقدم فيودور كارامازوف، الأب المسرف والشرير، وعلاقته بأبناءه الثلاثة و ابنه غير الشرعي الذس أهمله مما ولّد الحقد والكراهية بينهم.

وعلى عكس العديد من الكتاب الروس الآخرين في الجزء الأول من القرن التاسع عشر، لم يولد دوستويفسكي في طبقة النبلاء. وقد شدد على الفرق بين خلفيته وخلفية ليو تولستوي أو إيفان تورجينيف وتأثير هذا الاختلاف على عمله.

كان والده، جراحا عسكريا متقاعدا، يعمل كطبيب في مستشفى ماريانسكي للفقراء في موسكو، إلا أن شخصيته الصارمة والمتصلبًة، تسبب في انصداع العلاقة مع أبنائه ووالدته.

 

 

وبسبب أوضاعهم المادية المتدهورة، كان دوستويفسكي بحاجة دائمة إلى المال، ومسرع دائما في نشر أعماله.
وعلى الرغم أنه يعتبر أن هذه السرعة  منعته من تحقيق قدراته الأدبية الكاملة، يرى النقاد أن هذا الأسلوب المتعجل في كتابة الروايات ونشرها بمثابة طاقة كانت سرّ تميزه.

توفي دوستويفسكي عام 1881 ، تاركا إرثاا من الأعمال الإنسانية، 11 رواية طويلة، و3 روايات قصيرة، و17 قصة قصيرة، أثرت على المفكرين والكتاب الكبار في العالم وخلّدوه كعملاق عالمي.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.