مجتمعاختيار المحررينسياسة

كواليس حرب خفية بين فرنسا وإيطاليا في جنوب ليبيا.. من أجل النفط وأسواق إفريقيا

 

 

يكاد يكون هناك إجماع دولي على تعقيدات الوضع والمشهد في ليبيا في السنوات الأخيرة، وسط حالة من الانقسام الداخلي والخارجي أيضا، بشأن الحلّ السياسي الكفيل بإعادة الاستقرار إلى البلد الذي تعتبر أوروبا أنه يمثّل تهديدا أمنيا لها بسبب موجات الهجرة فغير الشرعية.

 

في ليبيا، أجندات متضاربة وتوازنات متغيّرة تبعا لصراعات معقّدة، ولكن الثابت الوحيد فيها وجود مخطط إرباك واضح من مصلحته الإبقاء على حالة التوتر لتحصيل مكاسب أخرى سواء في ليبيا أو في جوارها الإفريقي والمغاربي، من هناك تحديدا بدأت معركة الأجندات الخارجية تظهر إلى العلن شيئا فشيئا خاصة منها الأوروبية.

 

حرب فرنسية إيطالية ضارية في الجنوب

في ماي 2018، استقبلت باريس ممثّلين عن الأطراف الليبية في حوار لحلحلة الأزمة السياسية انتقدته إيطاليا التي خفّضت من تمثيليتها المشاركة في أشغاله. وفي شهر نوفمبر من نفس السنة، دعت إيطاليا الفرقاء الليبيين إلى مؤتمر باليرمو الذي انتقدته فرنسا. وخفّضت بدورها من تمثيليتها المشاركة في ردّ على سلطات روما.

 

بعد مؤتمر باليرمو بأيام قليلة، انطلقت حرب تغريدات تلتها حرب تصريحات بين المسؤولين الفرنسيين والإيطاليين بدأت بإعلان مسؤولين إيطاليين دعمهم لاحتجاجات السترات الصفراء الفرنسية وصولا إلى اتهامات لباريس بسرقة ثروات إفريقيا وإفقار شعوبها لعقود من الزمن. تصعيد ردّت عليه فرنسا بتصعيد، حيث دعت سفيرها بروما إلى باريس للتشاور في أكبر أزمة ديبلوماسية بين البلدين منذ الحرب.

 

إذا كان طرفا الصراع في الضفة الشمالية للبحرالأبيض المتوسط فإنّ أرض الصراع على ضفّته الجنوبية وتحديدا في الجنوب والشرق الليبي الغني بالثروات النفطية وأساسا بين عملاقي التنقيب واستخراج النفط ENI الإيطالية وTOTAL الفرنسية في حرب مستعرّة وخفيّة تدور رحاها على أرض باتت مجالا للفوضى والمتغيرات المتتالية.

 

فرنسا التي تتواجد عسكريا في الصحراء الإفريقية تدعم بشكل واضح الجنرال خليفة حفتر في محاولة لبسط نفوذها على جنوب وشرق البلاد من أجل فتح بوابة نحو إفريقيا، تحالف تكشف الزيارات المتكررة لوزير الدفاع الفرنسي إلى بنغازي ولقاءاته المتكررة بحفتر، ناهيك عن الإصرار الفرنسي على اعتبار حفتر الطرف الأقوى في المشهد الليبي وفي الجنوب تحديدا.

 

ما تسوّقه فرنسا والإعلام الإماراتي والمصري من نجاحات لخليفة حفتر في الجنوب الليبي لا يعدو أن يكون انتصارات وهمية، فقبائل التبو والطوارق الموجودة في الصحراء الليبيية تظهر اصطفافا آخر مختلفا تماما، وهو ما أدركته إيطاليا التي تساند حكومة الوفاق الليبية التي يحاربها حفتر بدعم فرنسي.

 

في الأشهر الأخيرة، مُني حفتر وميليشياته بهزيمة قاسية، وتم دحرهم من الجنوب الليبي أين استعادت القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية بسط نفوذها على المنطقة عبر التمكن من إيجاد صيغ تفاهم مع القبائل والسكان المحليين الذين عاشوا على هامش الدولة لعقود عبر تشريكهم في عملية الدفاع عن الأراضي الليبية.

 

انتصار حكومة الوفاق يعدّ انتصارا للإيطاليين وللحل السياسي المدعوم أمميا. وقد سبق لوزير الداخلية الإيطالي أن أعلن عقب زيارة أداها إلى واشنطن السنة الفارطة أن الإدارة الأمريكية تدعم حلاّ أمميا تقودها إيطاليا لحلحلة الأزمة في ليبيا، أما هزيمة حفتر فتمثل هزيمة مذلّة للفرنسيين.

 

 

المعركة متواصلة

انسحاب حفتر المفاجئ في الأيام الأخيرة من مناطق في الجنوب الليبي مقابل استعادة حكومة الوفاق للسيطرة هناك يمثل تقدّما ملحوظا على مستوى التوازنات وعودة الاستقرار في الداخل الليبي، ولكنه مؤشر واضح على أن المعركة الإيطالية الفرنسية على بوابة إفريقيا من الجنوب الليبي مازال متواصلا.

 

الصراع الفرنسي الإيطالي ليس الوحيد في الجنوب الليبي، فـالكيان الصهيوني بدوره يتحرّك بكثافة مع حليفته التشاد من أجل إقامة دولة لقبائل التبو في المنطقة. وهو ما قد يزيد من تعقيدات الصراع الخفي حيث التضاريس الوعرة، وحيث لا ترصد الكاميرا ووسائل الإعلام كثيرا وبدقّة ما يحدث من كواليس ومتغيرات.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.