اختيار المحررينثقافة

ألبير كامو وماريا كاتزاراس: عندما يفرّ الكاتب الوجودي من أفكاره إلى الحب

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

ليس المنجز الإبداعي والفكري وحده نافذتنا على عالم الكبار، فهناك أشياء موغلة في الحميمية قد تكون أكثر ملاصقة وصدقا في التعبير عن كينونة هؤلاء، لا سيما وأنّ الحدائق السرية للمبدعين والمفكّرين الكبار تعدّ مجالا خصبا لدفق الأحاسيس الصادقة والبوح بكل ما يضطرم في النفس، والتوغل في دهاليز غالبا ما يحكم الفرد إغلاقها حتى لا يطأها بشر. ولعل العوالم الحميمية لهؤلاء الكبار وحدها الكفيلة بأن تجعلهم في حالة عري نفسي، أمام قرائهم ومريديهم وعشاقهم. ويزداد العري حدة، إذا ما توغّلنا في مناطق العشق المشتعلة وتلمسنا مناطق اللذة المؤلمة.

 

تدور هذه الخواطر في النفس ونحن نعود إلى قصة حب الكاتب الوجودي الشهير الفرنسي ألبير كامو والفنانة الشهيرة ماريا كاتزاراس. وهي علاقة انكشفت للعالم عبر حزمة الرسائل التي كتبها العاشق الولهان لحبيبته والتي أصدرتها دار غاليمار بباريس في كتاب.

 

 

يعترف كامو أنه لا يستطيع الكتابة إلا إذا استحضر حبيبته ماريا بكل ألقها. وهي التي ترافقه بين سطور كل ما يخطه تماما، كما ترافقه في حله وترحاله. وتكشف الرسائل أيضا عن حب عاصف ومجنون لا يعترف بالحدود، يتخفى في ثنايا الكتابة الوجودية والفلسفية الموغلة في التعقيد التي كان صاحب كتاب “الغريب” يخطها ويقدمها إلى قرائه في اللحظة التي كان فيها في أقصى حالات الهشاشة والضعف العاطفي، وهو يطلب من ماريا في إحدى الرسائل “أن تأتيه في تلك الليلة”.

 

 

ولعل أهم ما يستوقفنا في هذه الرسائل التي تفيض بعاطفة إنسانية في منتهى الجمال تلك الصفات التي يطلقها العاشقان على بعضهما البعض. فألبير كامو هو “الشيطان الصغير” و”الأمير المنفي” وهو “رفيق السلاح” كما تصفه ماريا، أما هي فتختزل الكثير من الصفات كما يراها متيّمها، فهي “قديسة جميلة ملتهبة” وهي “شاطىء” و”نور هذا الوجودي القلق”.

 

 

تقول الرسائل الكثير أيضا عن حالة من الانصهار والتوافق الكبير بينهما على مستوى الرؤى والأفكار سواء بشأن الأدب والفن والفلسفة أو السياسة أيضا. وقد بدأت قصة الحب المشتعل بينهما في سياق لا يقل اشتعالا أيضا، وذلك في صيف 1944. وهي الفترة التي كان الحلفاء يزحفون فيها على فرنسا لطرد النازيين. وكان كامو مرتبطا بزوجته، أمّا ماريا فقد انفصلت عن رجل لم يرغب في الزواج منها.

 

 

ولدت هذه القصة لتستمر وتكون طالع خير  عليهما، فقد أصدر كامو كتابه الشهير الطاعون الذي حقق نجاحا لافتا وحلق في آفاق الشهرة العالمية، بل وبات نجما حقيقيا. ولم يكن حظ ماريا أقل من ذلك، فقد قدمت فيلما مأخوذا عن رواية للكاتب الشهير ستاندال بعنوان “شارتورز دو برام” وبفضله باتت نجمة عالمية تهفو إليها القلوب.

 

 

بلغت الرسائل المتبادلة بين كامو وماريا حوالي 865 تبادلاها في الفترة الممتدة ما بين عامي 1944 و1959. وهو عمر قصة الحب المشتعل بينهما. وفي هذه الرسائل، مناجاة من الكاتب الوجودي لحبيته الفنانة التي دوما يقول لها: “تعالي ولا تتركيني وحيدا مع أفكاري”. هذه الأفكار العظيمة التي صنعت مجده، كان يفر منها إلى الحب.  ولم يفر إليها من أفكاره فقط، بل من باريس بأكملها، وهو الذي يعيش حالة ضجر من صخب العاصمة ومن مثقفيها ومن اختناقها، ويود أن يعود إلى الحياة البدائية البسيطة الخالية من التعقيد ولا يأخذ معه سوى ماريا حبه وشاطئه و مرساه.

 

 

آخر كلمات كتبها الحائز على جائزة نوبل للآداب لحبيبته الفاتنة التي حصدت جوائز عالمية كثيرة هي: “سننطلق من جديد”. وككل قصص الحب الخالدة، انتهت حكاية عشق كامو وماريا بشكل تراجيدي، عندما توفّي في حادث سير مريع عام 1960. وهو المولود عام 1913، أمّا حبيبته فقد رحلت بعده بثلاثين عاما وهي المولودة عام 1922.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.