الرئيسيثقافة

فيلم بورتو فارينا.. افتعال السحرية وتجميل السطحية، والحجة سينما ترفيهية!

 

 

حديث روّاد السينما التوانسة هذه الأيام، فيلمان تونسيان: “دشرة” لعبد الحميد بوشناق، و”بورتو فارينا” لإبراهيم اللطيف. “الأفيشات” في كلّ مكان، والعروض في أكثر من قاعة سينما في العاصمة. وإن كان المحفّز لمشاهدة فيلم بوشناق هو اكتشاف “الرعب التونسي”، فإنّ ما رغّبني في فيلم اللطيف على النقيض تمام، البهجة التي تبعثها ألوان أزياء الممثلين والضحكات على وجوههم.

 

مع كثير من التعليقات التي التقطتها من هنا وهناك بخصوص القضايا المطروحة، وبعض الأسئلة عن زمن وقوع الأحداث، وسرّ الألوان، والعنوان، ذهبت لمشاهدة الفيلم. الجو كان ممطرا. دخلت قاعة السينما في مدينة الثقافة، مع بداية العرض، لأجدها تقريبا ممتلئة. وانطلقت رحلة اكتشاف “بورتو فارينا”.

القصة باختصار عن عائلة فرج البحري (محمد إدريس) الذي يدير العائلة الموسعة -أغلبها نساء- بتسلّط، وكذلك عمّاله في الميناء. يعود ابنه علي (محمد علي بن جمعة) من فرنسا ليتزوج ابنة عمه سارة (أسماء العثماني) وينجب وريثا.

غار الملح.. بهجة المكان

“بورتو فارينا” مدينة تونسية جميلة تقع على ضفاف المتوسط الشمالية، واسمها الحالي “غار الملح”. والفيلم يقدّمها كأجمل ما يكون. المشاهد مجموعة بطاقات بريدية بجودة عالية جدا، تصلح لإعلانات وكالات الأسفار أو حملات الترويج التي تقوم بها وزارة السياحة للوجهة التونسية، وبنزرت وغار الملح على وجه التحديد. أراهن أنّ كلّ من شاهد الفيلم وتعرّف على المدينة للمرة الأولى، سيسعى لزيارتها، وأنا من هؤلاء.

 

 

الإطار المكاني جميل، سواء الفضاء المفتوح أو المغلق: الميناء العتيق، وشوارع المدينة، والطريق المؤدي إليها، والمنزل العتيق (الدار العربي)، والغرف، والمطبخ. والجمال يشمل تفاصيل الديكور: قطع الأثاث والمفروشات والجدران والإضاءة.. كلّ شيء تمّ اختياره بعناية، والتفكير فيه جيدا من حيث خدمة جمالية الصورة. وهو الجانب الوحيد تقريبا، برأيي، الذي جعل الفيلم مصدر بهجة.

في علاقة بالمدينة أيضا، ربط البعض بين “بورتو فارينا” والملابس النسائية ذات الطابع الغجري التي تظهر في الأفيش، وظنّوا أنّ أحداث الفيلم تقع زمن الحملة الإسبانية على المدينة، أو زمن وفود الجالية الأندلسية واستقرارها فيها. وهذه التخمينات ستصطدم بحقيقة أن لا علاقة للفيلم بالغجر والإسبان والأندلس، فأحداث الفيلم تقع في زماننا الحالي، ومن هنا يبدأ الاختلال.

الأزياء.. سحرية أم افتعال؟

ملابس الممثلات التي تشبه أزياء الكرنفال ملفتتة ومبهجة أيضا، وهذا ما عبّر عنه بعض المشاهدين الذين سألتهم عن آرائهم بعد مشاهدة الفيلم. يبقى أنّ هذه البهجة مفرغة من المعنى، حين نحاول إيجاد رابط بين الأزياء والقصة أو المكان أو الزمان الذي تقع فيه الأحداث. الأزياء النسائية غجرية في معظمها، وكذلك  الإكسسوارات، مع بعض قطع الملابس والحلي التونسية، و”تلصيق” مبالغ فيه “للفولارة” أو “المحرمة” التونسية بأشكال مختلفة تبدو في أغلبها مسقطة، وخاصة تلك التي علّقت متدلية في الأحزمة عند الخصر؛ حتّى أنها جعلتني أستحضر المنديل الذي يضعه الطباخ في حزامه لمسح يده كلما احتاج ذلك.

 

 

قد يكون هذا الاختيار فيما يخصّ الملابس بداعي إضفاء طابع غرائبي على الفيلم، وجعله أقرب لحكاية سحرية أو خرافة عجائبية، وهذا ما أشارت إليه الممثلة لطيفة القفصي في تصريح بعد العرض الأول للفيلم. ووضّحت أنّ هذا أحد الأسباب التي جعلتها تشارك في العمل، خاصة وأنّه يندرج تحت صنف “أفلام الواقعية السحرية”، وهو ما يجعله قريبا من عالم المسرح. قد يبدو التفسير مقبولا، خاصّة وأنّ الأزياء وظّفت في بعض المشاهد لخدمة الكوميديا (مشهد نساء عائلة البحري متجهات لمركز الأمن، مثلا)، لكنّ المخرج أغفل تفاصيل يلاحظها المتفرج وتخلق تناقضا غير مفهوم.

الأزياء الغرائبية/العجائبية، حكر على شخصيات، دون أخرى. والتركيز في استخدامها على النساء بدرجة أولى، وبدرجة أقلّ “علي” وصديقه الشرطي الذين تبدو أزياؤهما متكلّفة حتى في غرائبيتها، وتعتمد على خلط ألوان متنافرة. على النقيض، يرتدي عمّال الميناء ملابس تشبه ما يلبس الرجال اليوم، وملابس “فرج” ربّ العائلة قريبة لذائقة بعض رجال اليوم، وكذلك ملابس أخيه الذي يجسّد دوره محمد السياري. ولست أدري هل تندرج عادة “منية” (وجيهة الجندوبي) في تقمص شخصيات “فريدا كاهلو” و”حبيبة مسكية” بارتداء أزيائهما، تحت عنوان الغرائبية والسحرية المركّبة أم ماذا؟

تجميعة نجوم المسرح.. محاولة إنقاذ فاشلة

 

 

محمد إدريس، فاطمة سعيدان، وجيهة الجندوبي، محمد علي بن جمعة، جميلة الشيحي، لطيفة القفصي، محمد السياري.. قد يختلف قبول المشاهد لكلّ اسم من هؤلاء، قد يستسيغ أدواره وتوجهاته أو لا، لكنّ كلّ اسم يحمل تاريخا وتجربة مسرحيّة “معتبرة”. ويبدو أنّ اللطيف استنجد بهذه المجموعة ليعطي عمله ثقلا يفتقره السيناريو والحوار، رغم أنهما نتاج عمل جماعي. فقْر أجمع عليه غالبية المشاهدين، وإن تحجّج المخرج بأنّ العمل “ترفيهي”، مكرّرا في كلّ لقاءاته أنّه يقدّم الـ”distraction”، وأنّ فيلمه خفيف، هدفه الأساسي تسلية المشاهدين.

 

فاطمة سعيدان في “بورتو فرينا”

 

الفيلم تجاري فعلا، و”سخيف”، فيما يخصّ الجانب التراجيدي أو الدرامي أو الكوميدي المزعوم، حتّى أنّ المتفرّج يلحظ أنّ حركة وجيهة الجندوبي وفاطمة سعيدان مثلا، وتعبيرات وجهيهما وتعاملهما مع الكاميرا، تضفي قيمة على الحوار “الفارغ” وتشدّ أكثر مما تقولانه. حضور إحداهما في الكادر صامتة جميل، يبشّعه الحوار الذي لا جديد فيه. كلمات بذيئة تونسية، شبعنا من تكرارها، وأمثلة شعبية مستهلكة وتلميحات حفظناها.. تستخدمها كل الشخصيات. بلا طرافة أو تميّز، لا يخلو نصيب الممثلين من النص من شيء من هذا، لتصبح كل الشخصيات نسخا متشابهة. نفس الأدوات والوسائل اللغوية المستخدمة منذ “العصر الحجري” للسينما التونسية، بلا إبداع يضاهي محاولة الإبداع المبالغ فيها في الأزياء حتّى؛ بل وفوقه فشل في إقناع المتفرّج بأنّ هذا من الكوميديا.

تشكيلة قضايا مجتمعية.. لم تنجح

 

 

وما يزيد الطين بلّة، أنّ المواضيع التي يتناولها الفيلم، أكثر من مكرّرة. يقول المخرج والممثلون أنّ الفيلم كوميدي لكنه يعالج قضايا مجتمعية هامة، وأخرى راهنة. كيف ذلك؟ يقدّم لك اللطيف مقتطعات من مواضيع يربط بينها بخيط “بائد”، ملابس الممثلات الملفّقة أكثر ترابطا منه.

“حدثت ثورة في تونس؟ إليك الثورة” يصرخ عمال الميناء محتجين على فرج، مستخدمين هتافا يرتبط في ذهن التوانسة باحتجاجات الكامور، وهو “الرخ لا”. لم تملّ بعد من مواضيع “التبني” و”النسب” و”فشل الزواج التقليدي”، التي أغرقنا بها على سبيل المثال الأخوان الشابي في برامجهما “الاجتماعية”، والمسلسلات التركية المدبلجة، خذ جرعة أخرى من ذات المواضيع مع ألوان كثيرة، ليكون ذلك تناولا مختلفا، وكوميديا سوداء.

ماذا تريد أيضا، مواضيع جدلية حارقة؟ بعض تلميحات عن علاقة مثلية بين فتاتين، وسرد مكرر للفرق بين الزواج من “قاورية” والزواج من “بنت العم”، موجود كما تتوقّعه تماما وبمباشراتية -إن صحت الكلمة- لا طعم فيها. سيزيدك اللطيف مواضيع أثقل من قبيل “الهيمنة الباطرياركية” و”هيمنة رأس المال”، فتسمع فرج يهين أهل بيته معلنا أنه الآمر الناهي، ويحاول “وأد” احتجاجات عماله بتأجير “باندية”، صارخا في وجوههم أنه يفعل ما يريد.

وفي سبيل مقاومة الهيمنتين، ينصف الأمن العمال المحتجّين ويزج بفرج في السجن (لا تستغربوا)، وتقف سارة في مواجهته شاتمة، معلنة رفضها أمره بالزواج من ابنه. فإذا بدا لك هذا “ساذجا” وعاديا، فإنّ المخرج قد استعان ببعض الرمزيات، واستخدم الأحذية للإشارة إلى سطوة فرج على نسائه، وأشار لأنّ إحداهن تبصق فيها، وجعل إحداهن تدوسها، ثمّ نزع من قدميه حذاءه في النهاية. لا تقل لي أنّ الفيلم لم يتناول قضايا!

 

ختاما، نحن في العام 2019

حين تتابع تعليقات الممثلين المشاركين في العمل، ستلمس في كلامهم ما يشبه تبريرا لمشاركتهم في العمل، وبعض دفاع عن الغاية منه (كلهم يتحدثون عن الترفيه والخفة وقلة الأعمال). إنهم يدركون تماما أننا إذا ما استثنينا جودة الصورة وجمال الإطار والموسيقى ربما، فالعمل “لا شيء”. وإذا كان الفيلم تجاريا، للترفيه فقط، فما مبرّر الاحتفاء به؟ قلّة الإنتاج مثلا؟ السنوات الأخيرة، تشهد إصدار عدة أفلام تونسية قصيرة وطويلة، روائية ووثائقية، لسنا ننافس مصر في الكم أو هوليوود، نعم، لكنّ الإنتاج موجود، والاجتهاد موجود والتتويجات موجودة.

بعد غياب 8 سنوات، يبدو أنّ اللطيف لم يدرك أنّ الجمهور التونسي يتغيّر، وأنّ تونس نفسها تتغيّر، وتنفتح على سينمات العالم، لتصبح الانتظارات أكبر؛ أمّا إذا كان يقدّم عملا لجيل قديم تضحكه الكليشيهات التي قدّمها ويثير انتباهه/غضبه/تفاجؤه تناول مواضيع كالتي يطرحها، وتبهره الأزياء “المكشكشة”، جيل يضم جدّتي رحمها الله وأمّي ربّما، قد نعذره؛ أو لعلّه لا يزال يظنّ أنّ مجرد تقديم عمل سينمائي، حركة تقدّمية تنويرية، يطلعنا عبرها على أبجد السينما بشراكة فرنسية.

يجب أن يدرك صنّاع السينما من جيل اللطيف أنّنا لسنا في زمن يعتبر تقديم فيلم “فألا” وحدثا بحد ذاته. ليس “مزيّة” أن يقدّم لنا عملا بمستوى أرفع، خاصة وأنّ التمويل من وزارة الثقافة، من ميزانية يساهم فيها الشعب التونسي. غيره من الشباب يبدع بإمكانيات شبه معدومة، يجتهد ويجدّد، ويدخل مساحات جديدة في عالم السينما، ومناطق محرّمة، ويصنع الفارق. 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.