دين وحياة

زيغريد هونكه، مستشرقة شغفت بالأندلس وأثنت على تسامح الإسلام وانفتاحه

سلسلة مستشرقات

 

 

المستشرقة الألمانية “زيغريد هونكة” من أول الباحثات الأوروبيات، اللائي أمضين عقودا من أعمارهن في دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية. وقد برز ذلك من خلال مؤلفاتها، التي شملت بحوثا معمقة من أشهرها “شمس الإسلام تسطع على الغرب”، الذي  ترجم إلى 17 لغة. وهو رسالة لتصحيح الصورة النمطية الكاذبة التي لفقها الغرب حول حقيقة الإسلام.

 

ولدت “زيغريد هونكه”  في مدينة كيل الألمانية  في 26 أبريل 1913م، ولم تذكر المراجع التاريخية الكثير عن حياتها الشخصية، غير أنها ابنة الناشر هاينريش هونكه، وزوجها هو المستشرق الألماني الكبير الدكتور شولتزا. تخصصت “زيغريد هونكه”، في دراسة علم أصول الأديان ومقارنة الأديان، التي تناولتها  بموضوعية، إلى جانب الفلسفة وعلم النفس والصحافة. وعندما بلغت ال28 من عمرها، تحصّلت على الدكتوراه، من جامعة برلين، والتي تناولت في أطروحتها “أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية”، وكان ذلك في سنة 1941.

 

 

السفر إلى طنجة المغربية

سافرت الباحثة الألمانية إلى المغرب الأقصى، وقضت في مدينتها “طنجة”، مدة عامين. وكان ذلك في فترة تعرف فيها أوروبا عامة وألمانيا خاصة، ظروفا صعبة نتيجة للحرب العالمية الثانية التي أدّت إلى هزيمة ألمانيا وانهيارها.

في المغرب، تفرّغت لتعلم اللغة العربية التي سرعان ما أتقنتها وأخذت في قراءة الكتب العربية، والتاريخ العربي وبالأخص الأندلسي، ولكن ما لبثت أن قرّرت المستشرقة “زيغريد هونكة”، العودة الى ديارها، أين استقرت في مدينة بون الألمانية وتفرغت لتأليف كتبها وأبحاثها.

 

لا إكراه في الدين: تلك هي كلمة القرآن الملزمة، فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربية نشر الدين الإسلامي، وإنما بسط سلطان الله في أرضه

مؤلفات تدافع عن الدين الاسلامي

أصدرت الباحثة الألمانية أول مؤلف لها عام 1955، وعنونته بـ”الرجل والمرأة”. وهو كتاب سلطت من خلاله  الضوء على رفعة مكانة المرأة في الإسلام، وكشفت المغالطات الكاذبة والأحكام الأوربية المزيفة والمسبقة عن اضطهاد الإسلام للمرأة.

وبعد مرور 5 سنوات، عرف كتابها “شمس الله تُشرِق على الغرب” “ALLAH’S SONNE UBER DEM ABENDLAND”، النور في ألمانيا، الذي عدّ حدثا كبيرا وسابقة في ألمانيا وأوروبا. وقد علقت عليه الكثير من وسائل الإعلام الأوروبية، وهوجمت بسببه المؤلفة المستشرقة، بشراسة من قبل النقاد والمجلات والصحف الذين اتهموها بالتعصب للعرب والتحيز لهم.

 

 

ويعتبر هذا الكتاب الذي ترجم إلى 17 لغة، منها العربية وبيعت منه مليون نسخة، دفاعا عن الحضارة الإسلامية. ويكشف تأثيرها الكبير في العالم الغربي، وقالت فيه جملتها الشهيرة: “وهكذا حرقت يد التعصب مليونا وخمسة آلاف من المجلدات، هي مجهود العرب في الأندلس وثمرة نهضتهم في ثمانية قرون”.

وكتبت أيضا: “كان إقبال العرب على الكتب واقتنائها يشبه شغف الناس اليوم باقتناء السيارات وأجهزة التلفزيون.. ونمت دور الكتب في كل مكان كما ينمو العشب في الأرض. ففي عام (891م)، كانت دور الكتب العامة في بغداد وحدها أكثر من مائة، وحوت مكتبة صغيرة كمكتبة النجف في العراق في القرن العاشر الميلادي أربعين ألف مجلد، بينما مكتبة صغيرة في أديرة الغرب لم تحو سوى إثني عشر كتابا ربطت بالسلاسل خشية ضياعها”.

 

شغف الأندلسيين بالكتب

 

ولم تثن الهجمات والنقد اللاذع من المجتمع الألماني والأوروبي، الباحثة عن مواصلة كشف حقائق مذهلة عن الحضارة الإسلامية، حيث قامت باصدار كتاب جديد بعنوان “ليس الله كما يزعمون”.

 

  

 

وقالت فيه: “لا إكراه في الدين: تلك هي كلمة القرآن الملزمة، فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربية نشر الدين الإسلامي، وإنما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصراني أن يظل نصرانيًا، ولليهودي أن يظل يهوديًا كما كانوا من قبل، ولم يمنعهم أحدٌ أن يؤدوا شعائر دينهم، ولم يكن أحد لِيُنزِل أذى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم، وبِيَعِهم وصوامعهم وكنائسهم”.

 

مشهد من ماساة المسلمين وضياع آلاف الكتب حين سقوط الأندلس

 

وقد أتبعته بمؤلف آخر يحمل عنوان “التوجه الأوروبي إلى العرب والإسلام.. حقيقة قادمة وقدر محتوم”، الذي واصلت من خلاله اجلاء حقائق عن الاسلام والمسلمين. وبيّنت دور الحضارة العربية الإسلامية في نهضة أوروبا، التي عاشت قرونا طويلة في ظلمات من الجهل والتخلف كانت فيها الحضارة الإسلامية في أوج تقدمها وازدهارها.

المسجد الجامع في الاسلام

تطرّقت هونكه في دراستها كذلك إلى قيمة المسجد في الإسلام الذي وصفته بالفضاء الذي يجمع المسلمين. فهو ليس بالمكان الخاص الذي يرتفع ببركاته وقدسيته كالكنيسة على بقية منازل الناس ومساكنهم.

 


فليس المسجد على حد قولها “ببيت الله المقدس الذي يتقرّب فيه المؤمن من الله عن طريق وساطة الكاهن، فالعالم كله بالنسبة للمسلم مسجدا كبيرا بني لله. وعبادة الله ليست مرتبطة بوجود كاهن مبارك يمثّل دور الوسيط بين المسلم وربّه، فكلّ إنسان في نظر الإسلام عبد الله قادر على أن يؤم المصلين في المسجد”.

كرست المستشرقة والباحثة الألمانية، “زيغريد هونكه”، حياتها لدراسة الحضارة الإسلامية، رغم الانتقادات الشديدة التي طالتها. وكانت وفاتها في مدينة هامبورغ في 15 يونيو عام 1999م.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.