ثقافة

 السرقات الأدبية: لصوص أفلتوا من العقاب

 

يقول واسيني الأعرج في مقاله “مستشفى الأمراض الأدبية”: “هو مستشفى الأمراض المستفحلة غير المرئية ولكنها أمراض موجودة وحقيقية، لو كان فرويد هنا أو كارل يونغ أو لاكان لسألتهم عن سر ذلك المرض الذي يصيب كل الفئات وبالخصوص فئات الفاشلين أدبيا، الذين أخفقوا على طول الخط، في تجاربهم، فعوضوا الفعل الأدبي بمرض الخطاب، ضد الآخر الناجح أملا في غلق كل المسالك أمامه.

 

فقد أصبح الأمر ظاهرة غريبة، أن تنجح ولو نجاحا بسيطا يخلف وراءه شيئا من الفرح، عليك أن تسلم ظهرك للضرب لأنك ستتحول إلى ضحية ممتازة، جلدها مباح ومثمر. ويصبح نصك الناجح أو الفائز عرضة للجلد والتخوين ومس الدين، وحتى السرقة الأدبية التي تسرق منك في ثانية جهد سنوات كثيرة.

 

 

 

هكذا عرى الأعرج مسألة السرقات الأدبية التي أصبحت تثير من حين لآخر، فضائح مدوية، خاصة إذا تورطت فيها أسماء أو قامات بارزة في عالم الأدب والفكر. يبقى غريبا الحديث عن سرقة الأفكار والمفاهيم والعلم، خاصة من أناس من المفروض أنهم هم من يبدعون ليقدموا منتوجا يثري الزاد المعرفي للقارئ، لكن مثلما توجد عصابات ومجرمون احترفوا سرقة الأموال والمجوهرات، نجد “لصوصا” من نوع آخر؛ يتقنون سلب المبدعين والمفكرين جهود سنوات من العمل و التفكير وينسبونها لأنفسهم، بل و يدّعون أحقيتهم وأسبقيتهم بتقديمها، ليمحووا بضغطة زر تعب سنوات وأصفحات كثيرة مليئة بالحبر والأفكار الخلاقة.

وأمام ضعف التشريعات، مالذي يبقى للمبدع أو المؤلف سوى أن يدخل في سجالات عقيمة لإثبات ماهو حقه من الأساس؟

تونس: جامعي يمني يسطو على “يوميات” الرياحي

ليست الحادثة التي  تعرض لها  مؤخرا الكاتب الروائي التونسي كمال الرياحي، الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات، بفريدة من نوعها أو حديثة على الوسط الأدبي والفني.  فهذه “الجريمة الأكاديمية ” بدأت حين اكتشف الرياحي خلال بحثه في محرك غوغل، وجود مادة مقال له كان قد نشره على جزأين في موقع “ضفة ثالثة” تحت عنوان “اليوميات أسلوب حياة” بتاريخ 20 سبتمبر2017. وهو خلاصة بحث قام به  منذ سنوات محاولا سد الفراغ في المكتبة النقدية العربية بخصوص هذا الجنس، لكن  المقال جاء منسوخا ومنشورا باسم شخص يحمل اسم مسعود عمشوش بتاريخ 6 جانفي 2018 بموقع صحيفة “الرأي براس” اليمنية بعنوان: “علي أحمد باكثير وفن اليوميات (1/2)”.

 

اليمني مسعود عمشوش الذي يتهمه الكاتب التونسي كمال الرياحي بالسطو على مقالته المنشورة في ضفة ثالثة

 

يقول الرياحي في تصريح لجريدة المغرب التونسية “استغرابي زاد عندما وجدت أن هذا الشخص يرفق اسمه بألقاب جامعية “أ. د”. وتأكدت من وجود هكذا اسمٍ، وبحثت عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، فراعني أني وجدت صفحته على الفيسبوك، وقد نشر فيها المقال نفسه ورابطه، ويتقبل في التهاني على قيمة المقال. فراسلت أصدقاء من كتّاب اليمن، صدموا بفعلته. وكاتبت الصحيفة التي نشرت المقال أستفسر، فلم تَرد لغاية هذا التاريخ.

كتبت له تعليقات على صفحته أشير فيها إلى مقالي المنشور بـ “ضفة ثالثة” أذكره بأخلاقيات البحث العلمي الذي لا يسمح حتى بالاقتباسات الطويلة، فما بالك باختلاس مقال كامل دون أي إشارة لصاحبه، فرّد السيد مسعود عمشوش بردود هيستيرية، يتمسك فيها بمقالي مدعيا أنه له ولن يتراجع عن فعلته”.

 

أحلام مستغانمي: “إنها مدرسة للسرقة “

لم تتردد الروائية الجزائرية الشهيرة، أحلام مستغانمي، لدى مشاهدتها مسلسل “مدرسة الحب” في الإعلان بأن قصة العمل الدرامي تشبه روايتها “الأسود يليق بك” إلى حد كبير.

 

 

ورصدت الروائية الجزائرية تشابها بين المسلسل وروايتها، في النص واللغة والتعابير الرومانسية، ما شكل اعتداءً على حقوقها الفكرية، حيث قالت مستغانمي في تغريدة على تويتر “يا للصفاقة.. ويا لقلة الحياء، البارحة شاهدت الحلقة الأولى وذهلت. لابد أن أرفع عليهم دعوى. إنها “مدرسة السرقة” لا “مدرسة الحب” .

وتعرض الشاعر الجزائري أبو بكر زمال  أيضا الى نفس التهمة -وهي السرقة- تعلقت بقصيدة  “ماشا وأغنية غجرية” المنشورة في ديوانه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان “زلة أخرى للحكمة”، حيث اتُهِم  زمال بتغيير عنوان القصيدة التي نسبها إلى نفسه، وقدمها إلى لجنة تحكيم “الأيام الشعرية لمدينة الجزائر” بحسب بيان لرابطة الكتاب الأردنيين التي وبدورها بعثت برسالة إلى رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين الشاعر عز الدين ميهوبي والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب د. علي عقلة عرسان تطالبهما فيها باتخاذ الإجراء المناسب بحق “السارق”.

رسائل جامعية للبيع

لم يقتصر الأمر فقط على السرقات الأدبية، بل امتد أيضا للسرقات العلمية التي أصبحت سوقا لا ينضب لمافيا المجتمع الثقافي. جيوش صغيرة تتمركز قرب الجامعات تعدّ رسالات ماجستير ودكتوراه للبيع،لمن يريد شهادات علمية دون جهد أو تعب، مما أدى إلى انحطاط وتخلف الجامعات العربية عن جامعات العالم وهوى بالنظم التعليمية الى الحضيض.

يساهم في ذلك بعض أساتذة الجامعات المشرفين على الرسائل الجامعية بتسترهم على هذه العصابات المنظمة إما بغرض جمع المال أو لعدم تمكنهم هم أنفسهم من المواد التي يدرسونها. فكانت النتيجة تكوين مافيات عملها هدم كل الأسس الفكرية، وسرقة جهد وعرق وتعب أناس كل ذنبهم اأنهم موجودون في دول لا تحمي تشريعاتها المؤلفين أو أفكارهم، أو في أقصى الحالات تخلّف المشرّع عن التطور الحديث للتكنولوجيا الرقمية، واقتصرت جهوده على تجريم النسخ الورقي اأو التزوير، دون رقابة حقيقية أو تتبعات عدلية جادة ضد المتورطين في مثل هذه القضايا.

المغرب أيضا

شهدت الساحة الثقافية والأدبية بالمغرب قصصا وفضائح عن السرقات الأدبية، منها قضية اندلعت بين شاعرة مغربية وأخرى جزائرية حول ملكية قصيدة شعرية، حيث تبادلتا التهم والانتقادات بشأن هذه القصيدة أثناء مسابقة أمير الشعراء في نسختها لسنة 2012.

 

حليمة الاسماعيلي

 

حليمة الإسماعيلي شاعرة مغربية اتهمت الشاعرة الجزائرية، سمية محنش، بالسطو على قصيدتها “ترياق الصمت”، وبكونها نسبتها لنفسها، بعد أن قامت بتغييرات بسيطة في بعض أبيات القصيدة، من أجل أن تشارك بها في برنامج “أمير الشعراء”.

 

سمية محنش

 

وتضامنت الشاعرة المغربية، بعد أن اتهمت الشاعرة الجزائرية بالسطو الواضح على قصيدتها تلك، مع كل الأدباء الذين تمت سرقتهم إبداعيا، ومنهم الشاعر السوري ياسر الأطرش والشاعر المغربي حسن الوزاني والشاعر المغربي حسن الأمراني والشاعر العراقي سمير صبيح، وغيرهم كثير.

ومن جانبها، أكدت سمية حميش من الجزائر أن قصيدة “صمت”، موضوع الخلاف بين الطرفين، هي من إبداع قريحتها الأدبية، وأن الشاعرة المغربية هي من سطت عليها نهارا جهارا، لتتلوها على لجنة تحكيم برنامج أمير الشعراء، وعزمت حينئذ على تقديم القضية أمام أنظار المحاكم المختصة بحقوق التأليف والملكية الفكرية.

قوانين رخوة

لا تحظى معظم الاتهامات الموجهة إلى أدباء عرب بالسرقة الأدبية بالسند القانوني الكافي، فالحماية الأدبية، حسب اتفاقية “برن” لا تشمل مجرد الأفكار حتى لو تم التعبير عنها أو وصفها أو حتى إدراجها في كتاب أو دراسة. فيكفي “اللص” أن يعيد صياغة الفكرة أو يعيد تقديمها بأسلوبه الخاص، ليكون بذلك في منأى عن الاتهام بالسرقة.

وطبقا لأغلب التشريعات والقوانين العالمية، يجب أن يكون العمل الأدبي الذي تقع عليه الحماية نتاجا ذهنيا  مدونا ونهائيا، أي أنّ الحماية القانونية لا تسري على مجرد الافكار مهما كانت قيمة أو فريدة من نوعها، وهو ما يجعل من سرقتها أمرا غير قابل للإثبات.

برزت جدليات عديدة لم تحسم بعد، إلى جانب موضوع السرقات، وهي حماية حقوق المؤلف وقوانين الملكية الفكرية التي ضمنت في اتفاقية التجارة العالمية الموقعة سنة 1994، وتعلقت بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية، المصطلح على تسميتها اتفاقية “التريبس”. فللمنتج الأدبي خصوصية تجعل من الصعب تكييف وضعه القانوني، فهو ليس منتجا مادّيا بالشكل الذي نستطيع أن نتعامل معه تجاريا، مثل البضائع التجارية، ويقرّ، في الوقت نفسه، حقوقا مالية للمؤلف، تضعه داخل بند حقوق الملكية، لا الحقوق الشخصية اللصيقة بالفرد، وهي مسائل لم تحسمها قوانين دول أعضاء المنظمة حتى اللحظة.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.