ثقافة

الحبّ والظلال أو إيزابيل الليندي: مرايا متقابلة وصور مشوهة

ما الحبّ يا أمّي تسأل مراهقة أمها في وجل؟ ما الحبّ الذي جعل قلبي يخفق بشدّة ووجنتيّ تعلوهما حمرة الخجل؟ ما الحبّ يا أمي الذي جعلني مثل قشة في مهبّ الريح؟

الحبّ يا صغيرتي لغز هذا الكون.. لا يمكن أن نعرفه بل يجب أن نعيشه، ونغوص في كلّ تفاصيله، فقط ابحثي عنه واعثري على توأم روحك. أكملي معه الطريق، ليبيضّ شعرك معه ولتتقاسما الحياة سويّا وإن حدث وأن متّ قبله أوصيك يا ابنتي أن تجعلي القبر مثل قلبك مفتوحا له حتى لحظة اللقاء.

 

أسئلة  ربّما تطرحها مراهقة ما في هذا العالم، وإجابات أمّ رأت الشغف يتراقص بين عيني ابنتها، ولكن ماذا لو رأينا الحبّ بعيني إيزابيل الليندي؟ هذه الكاتبة الماهرة التي استطاعت أن تأسر قراءها، وتحيلهم إلى كائنات عاطفية جدّا يكملون رواياتها ويهتفون في سعادة غامرة: يحيا الحبّ! إنّها كاتبة جعلت من الحبّ الكوجيتو الذي يحقق كينونة الفرد، أنت تحبّ إذن أنت موجود.

 

 

إلى ربوع التشيلي تعود أصول إيزابيل الليندي المولودة في سنة 1942. تنقلت بين عدد من الدول بعد نفيها صحبة عائلتها إلى فنزويلا بعد الانقلاب العسكري على سيلفادور الليندي الرئيس السابق للتشيلي الذي تجمعها به قرابة. أصدرت قرابة عشرين كتابا، وترجمت أعمالها إلى لغات كثيرة وبيعت أكثر من 65 مليون نسخة من كتبها. تمّ تحويل بعض رواياتها إلى أفلام، وتصنّف أعمالها ضمن مدرسة الواقعية السحرية التي انتمى لها غابرييل غارسيا ماركيز، وعانت كثيرا من مقارنة النقاد لأعمالها وأعماله. حققت شهرة عالمية كبيرة نظرا لأعمالها المتميزة أو لسيرتها المتفردة.

 

 

إيزابيل الليندي كاتبة مختلفة وامرأة أيضا متميزة، عرفت بتمردها على السلطة الذكورية مطلع شبابها. في الميادين، قادت مسيرات نسوية وانضمت أيضا إلى مجلة تعنى بقضايا المرأة “مجلة بولا”، وكانت إحدى المؤسسات،  ثم بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرا  أوغستو بينوشيه، انضمت إلى صفوف المعارضة وفضحت ممارسات الاستبداد السياسي.

من فصول الانقلاب والاستبداد الذي عاشته التشيلي، تكتب إيزابيل الليندي رائعتها “الحبّ والظلال” رواية استطاعت أن تنقل وجع المظلومين والمضطهدين من الحكم الفاشي. من مقبرة جماعية في بلدة لونكين، بدأت قصة الكفاح ضدّ الحكم العسكري، من خلال شخصيتين: صحفية، ومصور تعود أصوله إلى عائلة شيوعية من إسبانيا فرت منها بعد حكم فرانكو، كشفا سرّ هذه المقبرة ومدى الظلم الذي يتعرض له المسحوقون والمفقرون في تشيلي بينوشيه.

 

 

ولدت قصة الحبّ بين صحفية من عائلة أرستقراطية تشيلية ومصور من أصول إسبانية. لم تمنعهما الفروق الطبقية من التمسك بحبهما الذي جعلهما ينظران إلى الحياة بعين أخرى: الحرية والكرامة، حتى ولو كلّفهما هذا الأمر حياتهما أو المنفى. رواية “الحبّ والظلال”، إنّها تلك المرايا المتقابلة بين الموت والحياة والحبّ، وتلك الصور المشوهة من الديكتاتورية والظلم التي تعرض لها الإنسان التشيلي.

 

 

ليس غريبا على إيزابيل ألليندي أن تكتب بقلبها لا بقلمها، إنّها كائن عاطفي يقتات بالحبّ رغم ظلمات القمع والظلم والديكتاتورية. فأغلب أعمالها تدور في عوالم متشابهة، ورغم ذلك لا يفقد القارئ تشويقه وعشقه لهذه الكاتبة المتفردة. “الحبّ والظلال”، “ابنة الحظ”، “باولا” وغيرها من الأعمال أضفت على شخصياتها مسحة خرافية سحرية. شخصيات تتحرك على صفيح ساخن، يهددها الموت وعبث الأقدار ويقودها في رحلة المخاطر أو رحلة الحياة الحبّ. نعم.. الحبّ فقط.

 

بولا ابنة إيزابيل أليندي

 

بعد فقد ابنتها باولا، عانت روائيتنا نوبات من الاكتئاب، فلم ينقذها سوى نصيحة وكيلة أعمالها التي همست لها إن لم تكتبي ستموتين. كتبت إيزابيل ألليندي يوميات ابنتها وكأنها تحاول الشفاء من شبح الذكرى الذي يترصد بها، فكتبت حياتها، وكأنها تتخلص من كلّ القيود، للتوغل عميقا في حياتها ومواقفها السياسية وذكرياتها من الحكم العسكري ورؤيتها للحبّ والأشياء الأخرى.

 

إيزابيل ألليندي وبولا

 

كانت الكتابة بالنسبة لها فرصة حياة ثانية،  إنّها تلد نفسها باستمرار.. ربما هذا لم يفقدها رونق جاذبيتها عند القارئ في كلّ العالم، فهي تنثر الحياة لقرائها كما ينثر أحدهم القمح للحمام. تقول عن الكتابة:

هي تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد الكهوف عتمة، وتأمّل بطيء. إنني أكتب ملتمسةً في الصمت، وأكتشف في أثناء الطريق أجزاء من الحقيقة، نتفا صغيرة من الزجاج تتسع لها راحة اليد وتبرر مروري في هذه الدنيا.

إيزابيل ألليندي كاتبة متفردة. إنها تعيدك إلى زمن البدايات الأولى عندما كان الإنسان حرّا لا يطلب من الحياة سوى المحبة والسلام قبل أن تتحوّل هذه القيم إلى سلع قابلة للبيع والشراء.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.