اختيار المحررينثقافة

” بعيدا عن صخب الناس” بين الأدب والسينما: انتصار الحب النبيل

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

يظل الأدب الكلاسيكي معينا لا ينضب من القيم الفنية والجمالية والإنسانية التي نعود إليه دوما لننهل من فيضه الكبير. وتعد الروايات الكلاسيكية نصوص مرجعية لا غني عنها لبناء ذائقة أدبية وفنية رفيعة، و الحاجة إليها ماسة، سواء بالنسبة إلى القراء والمتلقين العاديين أو بالنسبة إلى المبدعين في حقول شتى من ذوي الشغف بالأدب والاشتغال عليه سواء من النقاد أو من صناع السينما والدراما الذين يعودون إلى واحة الأدب ليستظلوا بها.

 

هذا حال الرواية التي نتصفحها معا، ونعني “Far from the Madding Crowd” أو “بعيدا عن صخب الناس” لصاحبها الروائي والشاعر  الإنجليزي توماس هاردي. وهي من الأعمال الأدبية التي لا يملك القارىء بدّا من الإقبال عليها بمنتهى اللهفة والنهم، ليلتهم سطورها التي تعيده إلى إطار زماني ومكاني قديم ولكن بقيم متجددة.

 

Image associée

 

 

عندما كتب هذه الرواية، كان توماس هاردي شاعرا معروفا، ولكنه أيضا روائي مغمور. وقد أسهمت “بعيدا عن صخب الناس” في صناعة مجده الروائي الذي غطى لاحقا على تجربته الشعرية بأكملها. ومن خلال هذا العمل يعلن هاردي تبرمه من الناس وصخبهم بشكل ما، وهو يعني صخب المدن الكبيرة لندن وما شابهها خاصة وهو يعيش ذروة الثورة الصناعية التي غيرت وجه المدن الكبيرة، وقتلت قلبها النابض وقضت تدريجيا على إنسانيتها.

تدور تفاصيل القصة في الريف الإنجليزي بكل سحره في العصر الفيكتوري، وفي هذا الإطار تبرز حكاية شابة حرة وذات كيان مستقل تعيش في مزرعة أحد أقاربها، وتواجه نظرة المجتمع الذي يستنكر عليها حريتها، وخاصة رفضها الزواج الذي تشترط أن يرتبط بحب كبير وأن لا يكون تقليديا.

وفي الأثناء يتنافس على قلبها رجلان من سكان هذه المزرعة، ثم يتقدّم فارس ثالث، وهو مالك ضيعة لطلب يدها على  طريقة أهل الريف، لكن باتشيبا تتردد ولا يروق لها هذا الأسلوب، كما تخشى على حريتها، وهي التي تريد أن تظل حرة تتنقل كفراشة على جوادها بين الحقول، دون أن تقيدها الحياة الزوجية. ويحز هذا كثيرا في نفس جارها النبيل غابريال.

 

توماس هاردي

 

تمر الأحداث متسارعة لتتعرض مزرعة غابريال إلى حريق هائل شب في أطرافها، وأتى على الأخضر واليابس فيها. ويصبح مجرد عامل تحت أنظار الحبيبة التي لم ينجح في نسيانها وهي التي رفضته عندما كان غنيا، فما بالك وقد بات معدما وهي أغنى منه بكثير. تجري الرياح بما لا تشتهي سفن هذا العاشق، وتتعمق مأساته، عندما تقرر حبيبته الارتباط بشكل متسرّع بواحد من الذين تقدموا إليها، وهي لا تعرف حقيقته التي ستصدمها لاحقا.

تعصف أحداث كثيرة بمصير هذه السيدة التي تتعرض إلى امتحانات صعبة، وتجد غابريال مساندا لها، خاصة عندما تخلى عنها زوجها وعاد إلى حبيبته الأولى. وانتظر غابريل أن تفتح له باتيشبا قلبها لكنه ظل موصدا في وجهه، رغم كل النبل والشهامة التي تعامل بها معها. فيقرر أن يهاجر في اتجاه العالم الجديد، أمريكا حتى ينأى عن وجعه القديم ويهجر المكان الذي كان شاهدا عليه. وبعد ليلة ليلاء قضتها متقلبة مثله على الجمر، تقرر أن تمنعه من الرحيل وتجرأ للمرة الأولى لتقدم له ما كان ينتظره منذ النظرة الأولى.

من الأدب إلى السينما

 

 

هي إذن قصة الحب الذي يصارع المادية وينتصر عليها. ورغم أن هذه الرواية ذات العنوان الموغل في الشعرية قد  كتبت عام 1874، إلا أنّ إيغالها في الجمالية وحمولتها القيمية والعاطفية جعلتها تخلد حتى اليوم، كما جعلتها مادة مفضلة لصناع السينما الذين أقبلوا عليها واقتبسوا منها أفلاما خالدة في فترات تاريخية متبادعة.

وآخر هذه الإقتباسات ما قدّمه المخرج الأمريكي توماس فانترباغ عام 2015، وقد قام بأدوار البطولة في هذا الفيلم كل من كاري موليغان وماتياس شونيرات. وبقدر النجاح الكاسح الذي حققته الرواية على امتداد العصور، بقدر ما كان نجاح الفيلم منقطع  النظير. وهو إنتاج مشترك أمريكي بريطاني.

يذكر أن الكاتب توماس هاردي من أهم الروائيين والشعراء الإنجليز. ولد عام 1840، وتوفي في جانفي  عام 1928. وهو ينتمي إلى المدرسة الطبيعية في الأدب. وقد بات اليوم يعد من كبار الأدباء الكلاسيكيين، وله إنتاج غزير في مجال الرواية والقصة والشعر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.