مجتمع

يختزلها في السلوك الجنسي.. لماذا ينظر الإعلام الفرنسي إلى شعوبنا من ثقب الإبرة؟

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

علاقة بلدان المغرب العربي بالمستعمر القديم تقوم على الكثير من المفارقات العجيبة. فبقدر حالة الاستلاب والانبهار التي يعيشها بعض مواطني المغرب العربي إزاء فرنسا ثقافة وفكرا وإعلاما وسياسة -انبهار يصل إلى حد الإصابة بعمى الألوان أحيانا، بقدر النظرة النمطية ذات الحمولة الاستشراقية الموغلة في الاستعلاء التي تحملها الكثير من النخب الفرنسية من المثقفين والإعلاميين. والبعض منهم لازال في الحقيقة وفيا لسرديات الأنثروبولوجين القدامى الذين أرسلتهم فرنسا الاستعمارية لاستجلاء الكثير من المعطيات عن مجتمعاتنا، قبل أن تبسط نفوذها العسكري على بلداننا.

 

ويبدو أن بعض وسائل الإعلام الفرنسية اليوم تحمل هذه النظرة التي فيها الكثير من الدونية، وقد تجلّى ذلك من خلال وثائقي بث مؤخرا على شاشة M6، أثار سجالا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد استغرب البعض كيف يسمح بتسجيل وثائقي في تونس يتعرّض إلى مسائل لم تجرؤ المنابر الإعلامية التونسية على الاقتراب منه، على غرار رتق البكارة. هذا وقد اهتم الشريط بالسلوك الجنسي لمجتمعات المغرب العربي من خلال نموذجي تونس والمغرب، وحاول التأكيد على معطى مركزي وهو النفاق الذي يطغى على تمثلات “المغاربة” لحياتهم الجنسية وأشكال سلوكهم الجنسي التي تراوح بين جرأة في السر ومحافظة في العلن، وتقدمية وتسامح مع ممارسات الذكور وتحفّظ وتحريم لممارسات الإناث.

 

توغّل هذا الوثائقي في إماطة اللثام عن بعض المظاهر الجنسية على غرار المثلية التي قدمت كما لو أنها ظاهرة مكتملة الأركان في مجتمعاتنا، رغم أنّ دراسات ميدانية موضوعية وعلمية تؤكد أنّ نسب انتشار هذه الممارسات لا ترقى لمستوى اعتباره “ظاهرة” بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة.

 

 

وفيما يخص الإطناب في الحديث عن العلاقات الحرة خارج إطار الزواج في مجتمعاتنا، فقد حاول الشريط الوثائقي إظهارها أيضا بمثابة الظاهرة المكتملة الأركان. وحاول تسليط الضوء على المفارقات القائمة في التعاطي مع إقامة المرأة لعلاقات جنسية خارج إطار الزواج والتي تقابل بالرفض والتجريم، وبين ذات العلاقات التي يقيمها الرجل والتي يتسامح معها المجتمع ويراها بمنطق الخبرة والتجربة التي لا غنى عنها. وهذا من وجهة نظر صناع البرنامج ما يجعل بعض الفتيات اللواتي يقمن علاقات جنسية قبل الارتباط يلتجئن إلى عملية “رتق البكارة” بكل ما تحمله من غش وخداع لإقناع الزوج بالشرف المزعوم.

 

واللافت أن طريقة الطرح أبانت عن شكل من التوجيه الذي يجعل الشريط يعلن عن هدفه، وهو السعي إلى إظهار تناقضات المجتمع في تونس والمغرب، واختزاله في سلوك جنسي يقوم على النفاق والغش،  ويكرس الهيمنة الذكورية بكل أشكالها التقليدية. وهذا ما يعيدنا إلى نقطة الانطلاق، وهي النظرة الاستشراقية التي دأب عليها بعض الإعلاميين والفنانيين الفرنسيين في تعاطيهم مع المستعمرات القديمة. وكأن عقلية الهيمنة الكامنة في أذهانهم لا تعبأ بالتحولات العميقة التي تحدث في مجتمعات المغرب العربي، ولازالت تختصرها في الجنس وما يحف به.

 

ومن الإنصاف القول أن فئات من نخبنا ساعدت إلى حد كبير على دعم هذه النظرة النمطية. ولا ننسى على سبيل المثال أن السينما التونسية ظلت طوال عقود من الزمن أسيرة الحمام والمدينة العتيقة والفحولة المتعالية التي لا همّ لها سوى التلصص على عوالم “الحريم”. وهي أفلام لاقت دعما ماليا كبيرا من جهات فرنسية كثيرة وغربية في المطلق. ولم تستفق هذه السينما من سباتها سوى بعد الثورة مع جيل من الشباب قطع مع تصوّر وأسلوب الأجيال التي سبقته، وعانق الحرية في أبهى صورة، محاولا تقديم المواضيع التي تهم واقع التونسيين والتحولات العميقة التي طرأت على مجتمعهم.

 

ولعبت بعض الكتب الأدبية والفكرية الصادرة عن بعض المنتمين إلينا عرقيا والمنتمين إلى فرنسا عقلا وقلبا دورا كبيرا في توطين هذه النظرة الاستشراقية التي تصوّر مجتمعاتنا بشكل كائنات مهووسة بالجنس، وترى النساء مجرد أدوات متعة لا غير؛ دون أن ننسى أنه ثمة فئة من نخبتنا أعياها التقرب للمستعمر القديم، وهي تسهّل له كل السبل من أجل التغلغل في أوطاننا ثقافيا وحضاريا، ولا تنفك تدور في فلكه. ومثل هؤلاء يقفون دون أدنى شك خلف تسهيل سبل إنجاز مثل هذا الوثائقي، وغيره أعمال كثيرة لا همّ لها سوى التلصص علينا بلذة غريبة، ولا ديدن لها سوى التفرج على عوراتنا وتضخيمها، خدمة لتصورات وتمثلات ثقافية معلومة، وأجندات سياسية لا تخفى على أحد، يتم صوغها تحت يافطات ثقافية. وهذه صنيعة المستعمر الفرنسي التي دأب عليها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.