ثقافة

في ذكرى وفاتها.. مسلسل أم كلثوم: تحدي امرأة وخلود أسطورة 

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

 

لعله العمل الدرامي الأبرز الذي دشّن مرحلة دراما السيرة الذاتية التي تنامت بعد نجاحه بشكل لافت، وإن تفاوتت في النجاح وفي درجة الجماهيرية، فقد قدّمت بعده عديد المسلسلات التي تناولت سيرة العندليب والسندريلا وأسمهان وإسماعيل يس وغيرهم.

 

وحده مسلسل أم كلثوم التي يحيي العالم العربي ذكرى وفاتها في هذه الفترة، كان علامة فارقة من حيث التميز والفرادة التي صيغ بها، وقدّم بها للمشاهد العربي في رمضان عام 1999. وقد قام بكتابة سيناريو هذا المسلسل الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمان، أما المخرجة إنعام محمد علي فهي صاحبة فكرة إنجازه وهي التي حرصت على ضمان كل أسباب النجاح. ولهذا الأمر قصة سنوردها لاحقا.

 

 

قامت بدور كوكب الشرق أم كلثوم الفنانة صابرين التي تحدّت نفسها في هذا الدور، وتجاوزت كل ما كان متوقعا منها من حيث الأداء والتقمص، حتى أنها ابتعدت عن الأضواء لمدة سنوات بعد تقديمه، وعزت ذلك إلى عجزها عن إيجاد دور يضاهيه. واشترك في البطولة نخبة من الفنانين: كمال أبو رية في دور أحمد رامي، وأحمد راتب في دور القصبجي، وقام عبد العزيز مخيون بدور محمد عبد الوهاب، ورشوان توفيق بدور الشيخ أبو العلا محمد، وجسدت نادية رشاد دور منيرة المهدية، وبسام رجب دور الملك فاروق، ورياض الخولي دور جمال عبد الناصر. حسن حسني ظهر في دور والد أم كلثوم، وظهرت سميرة عبد العزيز في دور والدتها، في حين قدمت الطفلة سهر الصايغ دور أم كلثوم في طفولتها، وريهام عبد الحكيم في مراهقتها.

 

 

وحاول المسلسل تتبع خطوات أم كلثوم منذ ولادتها التي هناك اختلاف حول تاريخها ما بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتحديدا عام 1904 وهو المعترف به رسميا، مرورا ببداية انبلاج موهبتها في الطفولة المبكرة، وهي لا تزال في قرية طماي الزهايرة التابعة لمحافظة الدقهلية، وفي أسرة متواضعة حيث كان والدها يعمل منشدا.

تعلّمت الغناء مبكرا واستفادت كثيرا من تعلمها لتلاوة القرآن الكريم من والدها الذي صارت تصطحبه للغناء في الإحتفالات التي تقام هنا وهناك. وذاع صيتها، وتابع المسلسل تفاصيل رحلة صعود هذه الفتاة المدججة بموهبة فذة وصوت إستثنائي أهلها لتكون من أهم الأصوات الغنائية في القرن العشرين. وباتت حاصدة الألقاب ومطربة المطربات.

 

 

يرصد المسلسل تفاصيل الصعوبات والعراقيل التي لاقتها أم كلثوم في رحلتها إلى عالم المجد والشهرة. وبقدر ما كان المسلسل وفيا لسيرة أم كلثوم، بقدر ما ألقى الضوء على سيرة بلد بأكمله مستعرضا تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفتها مصر على امتداد حوالي نصف قرن من الزمان، منذ الحقبة الملكية حتى مرحلة عبد الناصر ثم السادات.

يسلط المسلسل الضوء على الحياة العائلية والعاطفية لأم كلثوم التي هام بها العديد من المبدعين حبّا، ولكنها ظلت كشجرة السنديان التي تلامس الريح أطراف أغصانها دون أن يهتز قلبها، مفضلة مجد الفن وخلوده على نعيم العشق، حتى تزوّجت من الطبيب حسن الحفناوي في فترة متقدمة من عمرها، وعاشت معه حتى تاريخ وفاتها يوم 3 فبراير عام 1975. وأظهر المسلسل كل هذه التفاصيل الإنسانية في حياة صاحبة الصوت العبقري التي راوحت تجربتها بين الغناء وتقديم أدوار سينمائية قليلة.

 

المخرجة أنعام محمد علي مع الممثلين في مسلسل أم كلثوم

 

هذا عن المسلسل، أما ما حف بإنجازه فهو أيضا جدير بأن يروى. فقد قدم المخرج محمد فاضل فيلما بعنوان كوكب الشرق، وقامت ببطولته زوجته الثانية الفنانة فردوس عبد الحميد، ولكنه كان دون المأمول، ولم يحقق النجاح الذي كان صناّعه يعلقونه عليه، فما كان من المخرجة إنعام محمد علي إلا أن ترفع التحدي وتواجه زوجها السابق أو طليقها محمد فاضل، وتنجح حيث فشل هو. فقد ظل مسلسها خالدا وانتهى فيلمه في المهد.

وعندما يتناول الحديث بعد عشرين عاما من إنجاز العملين عن العمل الذي تناول سيرة “الست”، يغيب ذكر محمد فاضل، ويحضر إبداع إنعام محمد علي. أليس الإبداع أنثى؟ المسلسل جسّد ذلك كأفضل ما يكون التجسيد، ولا يزال إلى اليوم أسطورة تختصر قرنا من الغناء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.